
في لبنان، لا تُقرأ الانتخابات النيابية كاستحقاق دستوري دوري فحسب، بل كمحطة مفصلية تُعيد رسم ميزان القوى الداخلي، وتؤشر إلى اتجاهات الشارع، وتمنح شرعية جديدة أو مجددة للسلطة القائمة. في نظام يقوم على توازنات دقيقة بين الطوائف والقوى السياسية، يصبح كل اقتراع بمثابة استفتاء على مرحلة كاملة، لا مجرد اختيار ممثلين.
من هنا، فإن تمسّك ما يُعرف بـ«الثنائي الشيعي» - أي «حزب الله» و«حركة أمل» بإجراء الانتخابات في موعدها، لا يمكن قراءته كموقف إجرائي تقني. إنه قرار سياسي محسوب، يستند إلى قراءة متأنية للواقع الداخلي، وإلى تقدير لموازين القوى الإقليمية، وإلى مقارنة دقيقة بين كلفة الذهاب إلى الانتخابات وكلفة تأجيلها.
التمسّك بالموعد هو، في جوهره، تعبير عن ثقة باللحظة الراهنة، وعن قناعة بأن الوقت يعمل لصالح هذا التحالف أكثر مما يعمل ضده.
في الأنظمة التوافقية، الشرعية ليست تفصيلًا شكليًّا، بل شرطًا أساسيًّا للاستمرار. المجلس النيابي هو مصدر السلطة التشريعية، ومن خلاله تتكوّن الحكومات ويُنتخب رئيس الجمهورية وتُقرّ القوانين. أي تشكيك بشرعيته ينعكس مباشرة على شرعية النظام ككل.
«الثنائي الشيعي» يدرك أن الانتخابات تمنحه فرصة لتجديد تفويضه الشعبي، وخصوصًا في الدوائر ذات الغالبية الشيعية حيث يتمتع بحضور تنظيمي متماسك وبشبكات خدماتية واجتماعية ممتدة منذ عقود. إعادة تثبيت الكتلة النيابية، ولو بالأرقام نفسها، تعني تثبيت الوزن السياسي داخل البرلمان، وتعني أيضًا إقفال الباب أمام أي سردية تتحدث عن «تآكل تمثيل أو «فقدان شرعية».
في المقابل، التأجيل يفتح الباب أمام نقاشات حساسة:
هل المجلس المُمدَّد له يملك شرعية اتخاذ قرارات مصيرية؟
هل يحق له انتخاب رئيس جديد أو إقرار إصلاحات بنيوية؟
وهل يصبح عُرضة لضغوط خارجية تحت عنوان «تجديد الحياة السياسية»؟
بالنسبة إلى الثنائي، الانتخابات في موعدها أقل كلفة من إدارة سجال مفتوح عن الشرعية.
تُجرى الانتخابات في سياق انهيار اقتصادي غير مسبوق، وهجرة واسعة، وتراجع ثقة مطلقة بالطبقة السياسية. لكن هذه الصورة العامة لا تنعكس بالضرورة بالتساوي على جميع القوى.
المعارضة، رغم حضورها الإعلامي، لا تزال تعاني من انقسامات بنيوية، ومن صعوبة في توحيد الخطاب واللوائح، ومن ضعف في الموارد المالية والتنظيمية. في المقابل، يمتلك الثنائي آلة انتخابية مجرّبة، وقاعدة ناخبين عالية الالتزام، وخبرة طويلة في إدارة المعارك ضمن النظام النسبي.
كل تأجيل يمنح الخصوم وقتًا إضافيًّا لإعادة ترتيب صفوفهم، ولإقامة تحالفات أوسع، وربما لتطوير خطاب أكثر قدرة على اختراق البيئة الشيعية نفسها.
بعبارة أخرى، اللحظة الراهنة - بكل تناقضاتها - قد تكون اللحظة الأنسب لإعادة تثبيت التوازن القائم قبل أن تتغير المعطيات.
لبنان بلد شديد الحساسية تجاه الفراغات. تجربة الشغور الرئاسي، والشلل الحكومي، والانهيار المالي، كلها أظهرت هشاشة البنية الدستورية عندما تغيب المؤسسات أو تُمدَّد لنفسها.
أي تأجيل للانتخابات يفتح احتمال تمديد المجلس النيابي. والتمديد، في مناخ شعبي ناقم، قد يتحول إلى شرارة اعتراض أوسع، ويُعيد إلى الواجهة مطالب بإعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية برمّتها.
الثنائي، كجزء أساسي من السلطة، يفضّل الاستمرارية الدستورية ولو بحدِّها الأدنى، على الدخول في مغامرة سياسية غير مضمونة النتائج. انتظام الاستحقاقات يمنح صورة «الدولة التي تعمل»، حتى لو كانت تعاني في جوهرها من أزمات عميقة.
كل تأجيل انتخابي في لبنان يكاد يكون مدخلًا لنقاش قانون الانتخاب. القانون الحالي، القائم على النسبية مع الصوت التفضيلي، أتاح للثنائي الحفاظ على كتلته شبه الكاملة في دوائره الأساسية.
إعادة فتح النقاش قد تعني:
• توسيع اقتراع المغتربين بطريقة قد تؤثر في بعض الدوائر.
• اعتماد «الميغاسنتر» بما يسهل اقتراع شرائح جديدة.
• إعادة تقسيم الدوائر بما يغيّر طبيعة التحالفات.
أي تعديل يحمل في طيّاته احتمال عدم يقين. والثنائي، الذي بنى استراتيجيته الانتخابية على قواعد معروفة، لا مصلحة له في تغييرها طالما أنها تضمن له نتائج مستقرة.
التمسّك بالموعد هو، ضمنًا، تمسّك بالقانون القائم.
لبنان ليس جزيرة سياسية. موقع الثنائي في الداخل مرتبط أيضًا بحسابات إقليمية أوسع. في لحظة توتر إقليمي، يصبح الاستقرار الداخلي ورقة قوة.
إجراء الانتخابات في موعدها يبعث برسالة مزدوجة:
إلى الداخل، بأن البيئة الحاضنة لا تزال قادرة على إنتاج تمثيل واضح.
وإلى الخارج، بأن الساحة اللبنانية ليست في حالة اهتزاز أو فقدان سيطرة.
التأجيل، في المقابل، قد يُقرأ كمؤشر ضعف أو اضطراب داخلي، ما يفتح الباب أمام ضغوط أو شروط سياسية تحت عناوين الإصلاح أو إعادة هيكلة النظام.
صحيح أن الانهيار الاقتصادي طال الجميع، وأن التململ يطال كل البيئات. لكن الثنائي يراهن على عوامل عدة داخل البيئة الشيعية تحديدًا:
• ارتباط شريحة واسعة بخيارات استراتيجية تتجاوز المسألة الاقتصادية.
• شعور جزء من الجمهور بأن الصراع سياسي - أمني أكثر منه إداري - مالي.
• غياب بديل شيعي موحّد، قادر على خوض معركة شاملة.
كما أن شبكات الخدمات الاجتماعية والرعاية، رغم محدوديتها، ما زالت تلعب دورًا في الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك القاعدي.
الرهان هنا أن الامتعاض لن يتحول إلى تصويت عقابي واسع، بل قد يُترجم بنسبة اقتراع أقل أو بامتناع صامت، من دون أن يبدّل جوهريًا في توزيع المقاعد.
لا تخلو الانتخابات من مخاطر.
خرق محدود في بعض الدوائر قد يحمل دلالات رمزية تتجاوز حجمه العددي.
انخفاض نسبة الاقتراع قد يفتح نقاشًا حول مستوى الحماسة الشعبية.
خطاب معارض أكثر تنظيمًا قد ينجح في إحراج بعض التحالفات.
لكن في ميزان الربح والخسارة، تبدو هذه المخاطر أقل من مخاطر التأجيل.
التأجيل يعني فتح نقاش حول كل شيء: القانون، الشرعية، التحالفات، وربما طبيعة النظام نفسه.
أما الانتخابات، حتى لو حملت مفاجآت محدودة، فهي تُجرى ضمن إطار معروف، وبقواعد يمكن احتواؤها.
قد يُنظر إلى إصرار الثنائي على إجراء الانتخابات في موعدها باعتباره تمسّكًا بالدستور. وقد يُقرأ، في المقابل، كاستثمار في ميزان قوى قائم. في الحالتين، هو خيار يقوم على الواقعية: الحفاظ على ما هو قائم أفضل من المخاطرة بما قد يأتي.
فالتحالف الذي تمكن خلال سنوات طويلة من تثبيت حضوره النيابي والوزاري، ومن التأثير في الاستحقاقات الكبرى، لا يرى في اللحظة الراهنة سببًا يدفعه إلى قلب الطاولة.
ثمة بُعد إضافي يتعلق بإعادة ضبط الساحة الشيعية نفسها.
الانتخابات ليست فقط مواجهة مع الخصوم، بل أيضًا آلية لتنظيم البيت الداخلي، وتحديد الأحجام، وإعادة تأكيد الانضباط التنظيمي.
المعركة الانتخابية تعبّئ القواعد، وتُعيد ربطها بالقيادة، وتُظهر القدرة على الحشد. وهي، في هذا المعنى، استعراض قوة منضبط، يثبت أن التحالف لا يزال قادرًا على الإمساك بمفاصله الأساسية.
يبقى السؤال الأعمق:
هل يمكن للانتخابات، ضمن موازين القوى الحالية، أن تتحول إلى محطة تغيير فعلي؟
الإجابة لا تتعلق بالثنائي وحده، بل بقدرة القوى الأخرى على تحويل الاستحقاق إلى لحظة سياسية جامعة، تتجاوز الاعتراض النظري إلى مشروع بديل متكامل.
حتى الآن، يبدو أن ميزان القوى يميل إلى إعادة إنتاج المشهد نفسه، مع تعديلات هامشية. وهذا تحديدًا ما يدفع الثنائي إلى الاطمئنان النسبي إلى خيار الذهاب إلى صناديق الاقتراع.
إصرار« الثنائي الشيعي» على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها ليس خطوة تقنية عابرة، بل قرار استراتيجي مبني على تقدير متكامل مفاده أن:
• ميزان القوى الحالي مناسب لإعادة تثبيت التمثيل.
• الجاهزية التنظيمية تمنحه أفضلية واضحة.
• التأجيل يفتح عليه أبوابًا دستورية وسياسية غير مضمونة.
• الاستحقاق يشكل فرصة لتجديد الشرعية داخليًّا وإرسال رسالة استقرار خارجيًّا.
في نهاية المطاف، قد لا تكون الانتخابات معركة تغيير جذري بقدر ما هي معركة تثبيت واقع. لكن في نظام يقوم على التوازنات الدقيقة، أحيانًا يكون تثبيت الواقع بحد ذاته هدفًا سياسيًّا كاملًا.
ويبقى الحكم النهائي لصناديق الاقتراع:
هل ستكون محطة تُعيد إنتاج المشهد نفسه، أم لحظة تراكم بطيء نحو توازنات مختلفة؟
الجواب لن تحدده رغبة أي طرف منفردًا، بل قدرة اللبنانيين - بكل تنوعهم - على تحويل الاستحقاق من إجراء دستوري إلى فعل سياسي يعكس إرادة فعلية في رسم مستقبل مختلف.





