
لم تدخل الثقافة الدينية الإيرانية إلى البيئة الشيعية في لبنان بوصفها تفاعلًا ثقافيًّا طبيعيًّا بين مجتمَعين، بل جاءت كمشروعٍ سياسي متكامل يمتلك أدواته الإعلامية والمالية والتنظيمية ويعمل بصبرٍ طويل على إعادة تشكيل الوعي واللغة والرموز. لم يكن الهدف إثراء التنوّع بل إنتاج نموذجٍ واحدٍ مغلق يُقصي الخصوصية التاريخية لشيعة لبنان الذين عُرفوا قبل هذا التحوّل بالانفتاح والعمل النقابي والوطني وبحضورهم في مؤسسات الدولة والمجتمع لا في خنادق المحاور.
هذا التحوّل لم يكن شكليًّا بل أصاب البنية العميقة للقيَم. صار الولاء للعقيدة السياسية العابرة للحدود أعلى من الولاء للوطن، وصارت مفردات الحياة اليومية مشبعةً بخطاب التعبئة والصراع. تبدّلت لغة الناس وتبدّلت أولوياتهم وتحوّل الهمّ المعيشي والاجتماعي إلى تفصيلٍ ثانوي أمام خطابٍ كبيرٍ لا يُطعم خبزًا ولا يبني دولة.
والأخطر أنّ هذا المسار لم يكتفِ بإعادة صياغة الوعي بل توجّه نحو استثمار الفئات الأكثر هشاشةً، أي الشباب. فبدلًا من أن يكونوا طاقةً للتعليم والعمل والابتكار، جرى دفعهم إلى مساراتٍ مغلقة تُقدَّم لهم على أنها قدرٌ وحيد. تُستبدل الجامعة بالدورة العقائدية، وسوق العمل بساحات التعبئة، والمستقبل الشخصي بخطاب التضحية الدائم. يُقال لهم إنّ خلاصهم في الاندماج الكامل في مشروعٍ سياسي، بينما يُسلب منهم حقّ الحلم الفردي والنجاح المهني والاستقرار الاجتماعي. وهكذا يخسر المجتمع نخبه المقبلة قبل أن تولد، ويُستنزف شبابه في مساراتٍ لا تعيد إنتاج اقتصاد ولا تبني مؤسسات ولا تفتح أفقًا للحياة الكريمة.
هذا الواقع لا يدمّر فقط فرص الأفراد بل يخلق حلقة فقر واعتماد دائم على منظومة سياسية تتحكّم بالموارد وبفرَص العمل وبالمساعدات، فيصبح الشاب أسير شبكة الولاء بدل أن يكون مواطنًا حرًّا قادرًا على بناء مستقبله بجهده وعلمه. ومع الوقت يتحوّل الاستتباع الاقتصادي إلى استتباع فكري، فتضيق مساحة النقد ويُقابَل السؤال بالتخوين والطموح الفردي بالاتهام.
الأخطر أنّ المختلِف مع هذا النهج لم يعد يُعامَل كمواطن صاحب رأي بل كجسم غريب داخل بيئته، يُنظَر إليه برَيبة ثم يُوصَم بالانحراف ثم يُدفع تدريجيًا إلى خانة العداء. هكذا يُحاصَر اجتماعيًا ويُعزَل نفسيًًا فيتحوّل الصمت إلى وسيلة النجاة الوحيدة. هذه ليست حالةً سياسيةً عاديّة بل آلية إقصاء منظَّمة تُنتج مجتمعًا أحادي الصوت يخاف فيه الناس من التفكير بصوتٍ عال.
بهذه الطريقة جرى نقل المجتمع من فضاء التعدّد الذي ميّز التجربة اللبنانية إلى فضاء الطاعة والانضباط العقائدي. لم يعد الانتماء للوطن هو القاسم المشترك بل الانتماء للمحور، ولم تعد الدولة مرجعية بل مجرّد ساحة، فخسر الشيعة دورهم التاريخي كشريكٍ مؤسِّس في الحياة اللبنانية ودُفعوا إلى خطوط تماسٍ إقليمية يدفعون كلفتها من أمنهم واقتصادهم ومستقبل أبنائهم، بينما القرار الفعلي خارج حدودهم.
كما أدّى هذا النهج إلى تفكيك العلاقات داخل البيئة نفسها، العائلة الواحدة انقسمت بين صامتٍ ومؤيّدٍ ومُتَّهَم، والقرية الواحدة صارت خاضعةً لمعيار الولاء لا لمعيار الكفاءة. سقطت فكرة التنوّع الداخلي التي كانت مصدر قوة وحلّ مكانها نموذجٌ يُكافئ التبعية ويُعاقب الاستقلالية. وهكذا تراجعت النخب الثقافية والاجتماعية التي صنعت حضور الشيعة في النقابات والجامعات والإدارة لصالح خطابٍ تعبويٍّ يقدّم الطاعة على المعرفة.
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرّد اختلافٍ سياسي بل انقلابٌ ثقافيٌّ عميق على إرثٍ لبناني شيعي عريق قام على العلم والعمل والاعتدال والعيش المشترك. واستعادة هذا الإرث لا تكون بالحنين ولا بالصمت بل بكسر احتكار الصوت الواحد وفتح المجال أمام التعدّد وإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة ولحقّ الإنسان في أن يختلف من دون أن يُخوَّن أو يُعزل. فالمجتمع الذي يخاف من الرأي الحر يفقد قدرته على بناء دولة، والمجتمع الذي يستعيد عقله يستعيد دوره وشراكته ومستقبله، ويعيد لشبابه حقّهم في الحياة لا في الاستنزاف الدائم.





