03・03・2026
من العدد ٣١
مصادرة التنوّع: إعادة تشكيل المجتمع الشيعي في لبنان سياسيًّا وثقافيًّا وتاريخيًّا

لم تدخل الثقافة الدينية الإيرانية إلى البيئة الشيعية في لبنان بوصفها تفاعلًا ثقافيًّا طبيعيًّا بين مجتمَعين، بل جاءت كمشروعٍ سياسي متكامل يمتلك أدواته الإعلامية والمالية والتنظيمية ويعمل بصبرٍ طويل على إعادة تشكيل الوعي واللغة والرموز. لم يكن الهدف إثراء التنوّع بل إنتاج نموذجٍ واحدٍ مغلق يُقصي الخصوصية التاريخية لشيعة لبنان الذين عُرفوا قبل هذا التحوّل بالانفتاح والعمل النقابي والوطني وبحضورهم في مؤسسات الدولة والمجتمع لا في خنادق المحاور.

هذا التحوّل لم يكن شكليًّا بل أصاب البنية العميقة للقيَم. صار الولاء للعقيدة السياسية العابرة للحدود أعلى من الولاء للوطن، وصارت مفردات الحياة اليومية مشبعةً بخطاب التعبئة والصراع. تبدّلت لغة الناس وتبدّلت أولوياتهم وتحوّل الهمّ المعيشي والاجتماعي إلى تفصيلٍ ثانوي أمام خطابٍ كبيرٍ لا يُطعم خبزًا ولا يبني دولة.

والأخطر أنّ هذا المسار لم يكتفِ بإعادة صياغة الوعي بل توجّه نحو استثمار الفئات الأكثر هشاشةً، أي الشباب. فبدلًا من أن يكونوا طاقةً للتعليم والعمل والابتكار، جرى دفعهم إلى مساراتٍ مغلقة تُقدَّم لهم على أنها قدرٌ وحيد. تُستبدل الجامعة بالدورة العقائدية، وسوق العمل بساحات التعبئة، والمستقبل الشخصي بخطاب التضحية الدائم. يُقال لهم إنّ خلاصهم في الاندماج الكامل في مشروعٍ سياسي، بينما يُسلب منهم حقّ الحلم الفردي والنجاح المهني والاستقرار الاجتماعي. وهكذا يخسر المجتمع نخبه المقبلة قبل أن تولد، ويُستنزف شبابه في مساراتٍ لا تعيد إنتاج اقتصاد ولا تبني مؤسسات ولا تفتح أفقًا للحياة الكريمة.

هذا الواقع لا يدمّر فقط فرص الأفراد بل يخلق حلقة فقر واعتماد دائم على منظومة سياسية تتحكّم بالموارد وبفرَص العمل وبالمساعدات، فيصبح الشاب أسير شبكة الولاء بدل أن يكون مواطنًا حرًّا قادرًا على بناء مستقبله بجهده وعلمه. ومع الوقت يتحوّل الاستتباع الاقتصادي إلى استتباع فكري، فتضيق مساحة النقد ويُقابَل السؤال بالتخوين والطموح الفردي بالاتهام.

الأخطر أنّ المختلِف مع هذا النهج لم يعد يُعامَل كمواطن صاحب رأي بل كجسم غريب داخل بيئته، يُنظَر إليه برَيبة ثم يُوصَم بالانحراف ثم يُدفع تدريجيًا إلى خانة العداء. هكذا يُحاصَر اجتماعيًا ويُعزَل نفسيًًا فيتحوّل الصمت إلى وسيلة النجاة الوحيدة. هذه ليست حالةً سياسيةً عاديّة بل آلية إقصاء منظَّمة تُنتج مجتمعًا أحادي الصوت يخاف فيه الناس من التفكير بصوتٍ عال.

بهذه الطريقة جرى نقل المجتمع من فضاء التعدّد الذي ميّز التجربة اللبنانية إلى فضاء الطاعة والانضباط العقائدي. لم يعد الانتماء للوطن هو القاسم المشترك بل الانتماء للمحور، ولم تعد الدولة مرجعية بل مجرّد ساحة، فخسر الشيعة دورهم التاريخي كشريكٍ مؤسِّس في الحياة اللبنانية ودُفعوا إلى خطوط تماسٍ إقليمية يدفعون كلفتها من أمنهم واقتصادهم ومستقبل أبنائهم، بينما القرار الفعلي خارج حدودهم.

كما أدّى هذا النهج إلى تفكيك العلاقات داخل البيئة نفسها، العائلة الواحدة انقسمت بين صامتٍ ومؤيّدٍ ومُتَّهَم، والقرية الواحدة صارت خاضعةً لمعيار الولاء لا لمعيار الكفاءة. سقطت فكرة التنوّع الداخلي التي كانت مصدر قوة وحلّ مكانها نموذجٌ يُكافئ التبعية ويُعاقب الاستقلالية. وهكذا تراجعت النخب الثقافية والاجتماعية التي صنعت حضور الشيعة في النقابات والجامعات والإدارة لصالح خطابٍ تعبويٍّ يقدّم الطاعة على المعرفة.

إن ما نعيشه اليوم ليس مجرّد اختلافٍ سياسي بل انقلابٌ ثقافيٌّ عميق على إرثٍ لبناني شيعي عريق قام على العلم والعمل والاعتدال والعيش المشترك. واستعادة هذا الإرث لا تكون بالحنين ولا بالصمت بل بكسر احتكار الصوت الواحد وفتح المجال أمام التعدّد وإعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة ولحقّ الإنسان في أن يختلف من دون أن يُخوَّن أو يُعزل. فالمجتمع الذي يخاف من الرأي الحر يفقد قدرته على بناء دولة، والمجتمع الذي يستعيد عقله يستعيد دوره وشراكته ومستقبله، ويعيد لشبابه حقّهم في الحياة لا في الاستنزاف الدائم.

مقالات مشابهة
18・09・2026
النّكبَةُ الشِّيعيَّةُ: بين الماضي والحاضر
علي مازح
وبعد انتصارِ عامِ ٢٠٠٦ المزعومِ، بدأ الإمامُ شمس الدّين يُعبِّرُ بوضوحٍ عن قلقِهِ من استثمارِ هذا النّصرِ من جانبِ إيران و«حزبِ اللهِ»، لا بوصفِهِ نهايةَ صراعٍ دفاعيّ، بل بوصفِهِ بدايةَ مشروعٍ إقليميٍّ مفتوح، يجعلُ من الطّائفةِ الشّيعيَّةِ وَقودًا لا شريكًا، لذلك رفعَ الصَّوتَ عاليًا، إذ قالَ في إحدى وَصاياهُ:«أوصي الشِّيعةَ في لبنانَ بأن لا ينخرطُوا في مشروعٍ خاصّ، لا سياسيٍّ ولا أمنيٍّ ولا عسكري
15・09・2026
بين «تاريخي» والتاريخ: حين يُستدعى الماضي ويُبدَّل لخدمة خيارات الحاضر... سيرة ابن ملّي مثالًا
بهاء الحسيني العاملي
في «تاريخي»، وعلى خطى كتابات سبقت في هذا الخصوص، وأُلِّفت فيها العديد من الكتب، قُدِّمت بعض المحطات من تاريخنا على طريقة الحكواتي الشعبوي، لكن مع مفاهيم مختارة بدقة تترك آثارًا عاطفية عند المتلقّي. ومع استحضار لأسماء كتب ومصادر ومراجع تمّ استنباطها لتحصِّن المعروض وتثبِّته في أذهان مَن لا طاقة لهم على البحث.
14・09・2026
العودة إلى المدارس في الجنوب: عام دراسي على وقع النزوح والخوف
أحمد خواجة
لا يمكن قياس الضرر الذي أصاب قطاع التعليم في لبنان، وبالأخص في الجنوب، بعدد الأبنية المتضررة أو المدمرة فقط. فالعام الدراسي يبدأ هذه المرة مع آلاف التلامذة الذين عاشوا تجربة النزوح والخوف وفقدان المنازل، وما يرافق ذلك من آثار نفسية وتعليمية واجتماعية، ومع معلمين اضطروا هم أيضًا إلى ترك بلداتهم وحياتهم المعتادة، وواجهوا أنواعًا مختلفة من المصاعب
أيضاً للكاتب/ة
05・09・2026
بين النفوذ وجذور الهوية هل يستعيد المجتمع الشيعي اللبناني أصالة تاريخه ؟
علي الضيقة
هذا التبدل العاصف طرأ على مجتمع عُرف تاريخيًّا بغِناه الفكري واعتزازه الراسخ بأصالته العربية ومرونته. لقد قدّم هذا المجتمع نموذجًا رياديًّا في التجديد والانخراط الوطني حيث جمع بين مرجعيات دينية إصلاحية انفتحت على الآخر كموسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله، وبين قامات فكرية وأدبية وسياسية أغنت الأحزاب الوطنية واليسارية والأنشطة النقابية والصحافة...
07・08・2026
تجار الدّم وآلهة الوهم: في ضروة رفع الغطاء الشعبي عن مشروع السلاح العابر للحدود
علي الضيقة
إن هذا الانهيار لم يعد يمرّ بصمت أو خنوع، إذ يشهد الداخل اليوم تململًا صامتًا يتفاعل كالنار تحت الرماد. هذا التململ يتجلّى في النقاشات الجريئة داخل المجالس الخاصة، وفي عزوف الشباب عن التجنيد الأيديولوجي بعدما اصطدمت الشعارات الرنّانة بواقع الجوع والفقر وفقدان الأمان.
09・07・2026
الدويلة تلتهم الدولة أو معادلة الوطن في خدمة «المقاومة»
علي الضيقة
أسّس هذا التحالف الميليشياوي لـ«دولة الفساد العميقة» التي حمَت الكارتيلات الاحتكارية والمصارف وهرّبت الثروات والمواد الأساسية عبر الحدود. هذا النهب المنظَّم لم يكن طعنة في ظهر الوطن فحسب بل كان، للمفارقة، الطعنة الأكبر الموجهة لـ«جمهور المقاومة» نفسه، للـ«بيئة الحاضنة» والجمهور العام الشيعي.