03・03・2026
من العدد ٣١
بين النجف وقُم: أيُّ دورٍ للمرجعية في زمن الدول المتصدّعة ؟

ليست الأحداث الكبرى مجرّد وقائع عابرة، بل لحظات كاشفة للفروقات العميقة التي كانت كامنة تحت السطح. وحين اهتزّ الإقليم باغتيال شخصيات عسكرية ارتبطت بالمشروع الإيراني العابر للحدود، بدا واضحًا أن الخلاف ليس سياسيًّا فحسب، بل هو اختلافٌ في تعريف دور المرجعية نفسها: أهي مرشدٌ للدولة أم قائدٌ لها؟ أهي ضميرٌ أخلاقي أم مركز قرار؟

في النجف تبلورت مدرسةٌ فقهية تميل إلى الاحتراز السياسي، يمثّلها اليوم المرجع الديني علي السيستاني. هذه المدرسة لا تُقصي الدين عن المجال العام، لكنها ترسم حدًّا واضحًا بين الإرشاد والإدارة. المرجعية هنا ليست سلطة تنفيذية، ولا قيادة عسكرية، بل ضميرًا وطنيًّا يوجّه وينبّه ويحذّر، من خارج مؤسسات الحكم لا من داخلها. لذلك تميل إلى حماية الدولة الوطنية، ولو كانت ضعيفة، على حساب أي مشروعٍ موازٍ قد يُزاحمها في السيادة.

من هذا المنظور يمكن فهم التحفّظات على تحويل البلدان إلى ساحات مواجهة مفتوحة، وعلى إنشاء فصائل مسلحة عابرة للمؤسسات، وعلى عسكرة الهوية المذهبية خارج الضرورات الدفاعية. وحتى حين صدرت فتوى الجهاد ضد تنظيم داعش، جاءت بوصفها استجابةً لخطرٍ وجودي، لا تأسيسًا دائمًا لبُنية عسكرية مستقلة عن الدولة. فالنجف ترى أن احتكار السلاح يجب أن يعود في النهاية إلى المؤسسات، وأن حماية الكيان الوطني مقدّمة على أي امتدادٍ إقليمي.

في المقابل، تشكّلت في قُم رؤية مختلفة مع نظرية ولاية الفقيه التي بلوَرها الإمام الخميني، واستمرّت في عهد علي خامنئي. هنا لا تُفهم المرجعية بوصفها مرشدًا فحسب، بل قائدًا أعلى لمشروعٍ سياسي ـ عقائدي. الدولة ليست إطارًا محايدًا، بل أداة لتحقيق غاية رسالية. ومن ثمّ يصبح بناء عمق استراتيجي خارج الحدود، ودعم الحلفاء عسكريًّا، وتأسيس شبكات ردعٍ إقليمية، جزءًا من التكليف السياسي والديني معًا.

في هذا النموذج، الوطنية لا تُلغى، لكن تُعاد صياغتها ضمن مفهومٍ أوسع: أمن الدولة يتحقق خارج حدودها، ومشروعها يتجاوز جغرافيتها. أما في نموذج النجف، فالسيادة وطنية أولًا، وأي توسّع خارجها يُقاس بميزان المصلحة الوطنية المباشرة لا بالهوية العابرة للحدود.

الخلاف إذن ليس حول التديّن الشخصي، ولا حول الشجاعة أو التضحيات، بل حول سؤالٍ بنيوي:

هل المرجعية فوق الدولة أم خارجها؟

هل السلاح وظيفة وطنية خاضعة للمؤسسات، أم أداة عقائدية ضمن مشروعٍ ممتدّ؟

في النجف، المرجعية تحمي الدولة أخلاقيًّا من دون أن تحلّ محلّها.

في قُم، المرجعية تقود الدولة ضمن رؤيةٍ أشمل تتجاوز حدودها.

لا يمكن إنكار أن المشروع الإقليمي الإيراني أثّر في موازين القوى، كما لا يمكن تجاهل أن تضخّم الفصائل وازدواجية السلاح أضعفا مفهوم الدولة في أكثر من ساحة. وبين الاعتراف بالمنجزات الأمنية وتسجيل التحفّظات السيادية، يقف الجدل الشيعي المعاصر أمام مفترقٍ حاسم:

هل يُعاد تعريف الدولة بما يخدم المشروع؛

أم يُعاد تعريف المشروع بما يحفظ الدولة؟

بين النجف وقُم يتحدّد الجواب، ويتشكّل مستقبل العلاقة بين المرجعية والسيادة، وبين الدين والدولة في زمنٍ تتصدّع فيه الحدود وتتنازع الولاءات.

مقالات مشابهة
28・04・2026
سوق الشتّامين: ضجيج بلا موقف
علي منصور
ما نشهده اليوم في لبنان ليس مجرّد تدهور سياسي أو أمني، بل انحدار واضح في مستوى اللغة نفسها. لم يعد الخلاف يُعبَّر بالأفكار، بل بالشتيمة. فهناك وهْم واسع الانتشار بأن الشتائم يمكن أن تكون موقفًا، وأن رفع الصوت، واستخدام أقسى العبارات وأقذعها، كافٍ لإثبات الجرأة أو صدْق القول. لم يعد النقاش ساحة لتبادل الآراء، بل مساحة مفتوحة للشتّامين.يبرّر البعض هذا السلوك بأنه «ردّ فعل».,,
21・04・2026
عن ذكرى ١٣ نيسان في ظلِّ حروب المحاور... لبنان وأخطار العنف المفتوح
رنا شمص
ما يجعل لحظة اليوم أكثر خطورة من أي وقت مضى، هو انتقال لبنان من كونه ساحة صراع داخلي إلى كونه جزءًا من صراع إقليمي مفتوح. فالمواجهة بين إيران وإسرائيل لم تعد بعيدة عن لبنان، بل باتت تجري على أرضه، من خلال دور متقدم يلعبه «حزب الله» ضمن استراتيجيّة اقليميّة أوسع.
20・04・2026
في مواجهة «الترند» و«غرف الصدى»: لماذا يصبح الكلام في السياسة ضرورة في زمن الحرب؟
نور حطيط
يظلُّ الكلام، حتى على مستوى الأفراد، ضرورةً - ولو في حدّه الأدنى - لمواجهة الرواية المهيمنة وكسر «غُرف الصدى»، تلك التي تحبس الناس في فقاعاتٍ، تتردّد داخلها الرواية نفسها، والسردية ذاتها، والأيديولوجيا عينها. وفي عصر «الترند» والنقر السريع، سرعان ما ترتفع هذه الفقاعات إلى الفضاء الافتراضي، مُشكِّلةً عشائر إلكترونية، تُرسّخ الاعتقاد بأنّ المختلف عدوّ ينبغي إقصاؤه، معنويًّا أو بالعنف...