
لم تكن «الدياسبورا» اللبنانية يومًا مجرّد ظاهرة اجتماعية محدودة في الزمان والظروف أو خيارًا فرديًّا لتحسين شروط العيش، بل شكّلت على امتداد أكثر من قرن بُنية موازية للكيان اللبناني نفسه، تمدّه بالأوكسجين حين يختنق في الداخل، وتكشف في الوقت عينه ضعفه كلما تحوّلت الهجرة من فعل طموح إلى هروب جماعي.
فمنذ نشوء لبنان الحديث، ارتبط اسمه بالهجرة كما ارتبط بالعيش المشترك، وانتشر أبناؤه في القارات الخمس حتى بات من النادر أن تُذكر دولة أو مدينة من دون أن يُعثر فيها على أثر لبناني فاعل اقتصاديًّا أو ثقافيًّا أو سياسيًّا. غير أنّ ما يشهده لبنان اليوم، وخصوصًا في بيئته الشيعية، يتجاوز السياق التاريخي التقليدي للهجرة، ويدخل في خانة التحوّل البُنيوي العميق الذي يهدّد التوازنات الديموغرافية والاجتماعية والسياسية، ويضع الكيان برمّته أمام اختبار وجودي غير مسبوق.
الهجرة اللبنانية تاريخيًّا كانت وليدة الأزمات المتراكمة؛ اقتصادية، سياسية، أمنية، وأحيانًا حضارية. مرّت بمراحل متعدّدة ارتبطت بتدهور الزراعة والحِرَف في العهد العثماني، وبالمجاعات والحصار في الحرب العالمية الأولى، ثم بإخفاقات النمو خلال الانتداب، قبل أن تأخذ شكلًا محدودًا نسبيًّا في مرحلة الاستقلال الأولى مع ازدهار الاقتصاد الوطني. لكن منذ اندلاع الحرب اللبنانية في منتصف السبعينات، دخلت الهجرة طورًا تصاعديًّا لم يتوقف فعليًّا، حتى في فترات السِّلم النسبي، بل تعمّق بعد التسعينات بفعل حُكم الميليشيات التي انتقلت من الشارع إلى السلطة وقبضت على مؤسساتها، وأيضًا بفعل السياسات المالية والنقدية التي حوّلت الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد ريعي غير مستقرّ، وضربت القطاعات الإنتاجية، وفتحت الباب واسعًا أمام البطالة والفقر وتآكل الطبقة الوسطى. ومع الانهيار الكبير الذي تفجّر بعد عام ٢٠١٩، تحوّلت الهجرة إلى حُلم جمَعي، لا سيما لدى الشباب وأصحاب الكفاءات، وبات البقاء في لبنان استثناءً لا قاعدة.
في هذا الإطار العام، تكتسب «الدياسبورا» الشيعية بُعدًا خاصًّا وخطيرًا في آن. فالبيئة الشيعية، التي عاشت تاريخيًّا على هامش الدولة ثم دخلت بقوة إلى قلب المعادلة السياسية والعسكرية منذ أربعة عقود ونيّف، وجدت نفسها في السنوات الأخيرة أمام مسار تصادمي مفتوح مع الداخل والخارج. ومع ما سُمّي بـ«حرب الإسناد»، لم يكن الثمن محصورًا في الخسائر البشرية والمادية أو التهديدات الأمنية فقط، بل انسحب مباشرة على المجتمع نفسه، حيث دُفعت شريحة واسعة من الشيعة، وخصوصًا الشباب، إلى إعادة التفكير جذريًّا بمستقبلهم في لبنان. المؤشرات الأولية، رغم غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة، تتحدث عن موجة هجرة شيعية متسارعة، تشمل فئات عُمرية في ذروة الإنتاج، من خرّيجي الجامعات وأصحاب المهن والمهارات، ما يعني أنّ الطائفة تخسر اليوم جزءًا أساسيًّا من رأسمالها البشري، تمامًا كما خسر لبنان في مراحل سابقة نُخبه الفكرية والطبية والهندسية.
خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في أرقام المغادرين، بل في نوعيتهم ودوافعهم. فالهجرة الراهنة ليست هجرة فقراء يبحثون عن لقمة العيش فحسب، بل هجرة إحباط وانسداد أفق، وهجرة خوف من مستقبل غامض تُرسم ملامحه بالحروب والتوترات الإقليمية أكثر مما تُرسم بخطط التنمية والإصلاح. وهي، في الحالة الشيعية، تحمل بُعدًا إضافيًّا يتمثل في شعور متنامٍ بأنّ الخيارات الكبرى التي فُرضت أو اعتُمِدت باسم الطائفة، زجّت بها في مسار صدامي يفوق قدرتها على الاحتمال، ويهدّد وجودها الاجتماعي داخل وطن ينهار اقتصاديًّا ومؤسساتيًّا. بذلك، تتحوّل «الدياسبورا» الشيعية من امتداد طبيعي لـ«الدياسبورا» اللبنانية إلى نزيف صامت يعكس اهتزاز العقد غير المُعلن بين المجتمع والدور السياسي الذي أُنيط به.
تاريخيًّا، حملت الهجرة آثارًا مزدوجة على لبنان. فمن جهة، حرَمته من قوى عاملة متعلّمة استثمرت الدولة والأهالي في تعليمها، لتصبّ إنتاجيتها في اقتصادات الدول المضيفة؛ وأخلّت بالتركيبة الديموغرافية عبر هجرة ذكورية كثيفة أدّت إلى اختلالات اجتماعية وتراجع معدلات الإنجاب. ومن جهة أخرى، شكّلت تحويلات المغتربين شريان حياة للاقتصاد، وساهمت في صمود آلاف العائلات، وموّلت أنماطًا من الاستثمار، وإن بقيت بمعظمها محصورة في العقارات والاستهلاك. إلّا أنّ هذه المعادلة باتت اليوم مهدّدة بالانقلاب، إذ إنّ الاعتماد المتزايد على تحويلات الخارج يقابله تآكل مستمر في الداخل، وتحويل المجتمع المقيم إلى مجتمع انتظار، يعيش على ما يُرسله من غادر، لا على ما ينتجه هو.
أما على مستوى الكيان، فإنّ أخطر ما في الهجرة المتواصلة، وخصوصًا حين تطال كل الطوائف بلا استثناء، هو تفريغ لبنان من نُخبه ورساميله البشرية، ما يفتح الباب أمام تحولات ديموغرافية قسرية، ويُضعف قدرة الدولة على إعادة بناء نفسها. وفي ظلّ أزمات اللجوء والنزوح المزمنة، يصبح هذا التفريغ عاملًا إضافيًّا يهدّد التوازن الوطني، ويجعل من الكيان نفسه ساحة رخوة قابلة لإعادة التشكيل وفق موازين إقليمية لا يملك اللبنانيون التحكّم بمآلاتها.
من هنا، لا يمكن مقاربة «الدياسبورا» اللبنانية، ولا سيما الشيعية، بوصفها قدَرًا تاريخيًّا لا مفرّ منه. فهي نتاج سياسات وخيارات وصراعات داخلية وخارجية، كما هي نتاج إغراءات وفرص في الخارج. وإذا كان استقطاب المغتربين أو تشجيع عودتهم يبدو اليوم مهمة شبه مستحيلة في ظلّ الانهيار الشامل، فإنّ الحدّ من النزيف يبقى مرتبطًا بشروط واضحة وهي: استعادة الحدّ الأدنى من الاستقرار السياسي والأمني، إعادة الاعتبار لحُكم القانون واستقلال القضاء، إصلاح البنية الاقتصادية والمالية، وإطلاق مسار تنموي يُعيد للاقتصاد طابعه المنتج، وقبل كل ذلك تحرير الدولة ومؤسساتها من احتلال قوى الأمر الواقع والذهاب إلى دولة مدنية أي دولة المواطنة، من دون ذلك، ستبقى «الدياسبورا» مرآة لفشل الداخل، وستتحوّل الهجرة من عنصر قوة تاريخي للبنان إلى علامة على انكشافه النهائي.
هكذا، تقف «الدياسبورا» الشيعية اليوم عند مفترق خطير؛ إمّا أن تكون رافعة مستقبلية تُعيد وصل الطائفة ولبنان بالعالم على قاعدة الدولة والحياة، وإمّا أن تتحوّل إلى شاهد إضافي على مرحلة أُخذ فيها مجتمع بأكمله إلى خيارات تجاوزت قدرته على الاحتمال، ودفعت أبناءه إلى البحث عن وطن بديل، فيما الوطن الأم يُفرغ بصمت.
(*) دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال



