تمهيد
ليس هناك أفضل من العودة إلى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو للحديث عن الماكِنة الإعلامية التي بناها «حزب الله» منذُ ظهوره. لقد تبنّى بورديو «العنف الرمزي» (la violence symbolique)، ويعتبرهُ من أهم المفاهيم التي ترافقنا في الحروب المعاصرة التي تُدار على شاكلة إنتاجات سينمائية، وهي خلاصة ما أشار إليه سلافوي جيجك، الفيلسوف السلوفيني في حديثه عن: الحرب، الأيديولوجيا، والصورة.
يشير بيير بورديو بأنَّ العنف الرمزي يحقق نتائج فاعلة ومؤثّرة إذا ما قارنّاها بالعنف الكلاسيكي الذي يندرج تحته العنف السياسي والبوليسيّ. ومن المهمّ عند التطرّق إلى هذا النوع من العنف، أن نشير إلى الشكل الذي يشتغل فيه، فهو يُمارَس على فاعل اجتماعيّ وهذا مكرّر ومعروف في أدبيات علم الاجتماع. لكن الأهمّ أن هذا الفاعل يمكن أن يكون متواطئًا وموافقًا. لتنقلب النظرية المعروفة بسلطة الإكراه في السياق الشيعي، ونسأل عن شكل السلطة التي تعززها الدعاية والوسيلة الإعلامية المرتبطة بـ«حزب الله»، وعلاقة الفاعلين الذين يعوا الإكراهات المُسلطة عليهم. هي علاقة يمكن وصفها بالدائرية إذ إنَّ الفاعلين يساهمون في إنتاج المفعول نفسه أيضًا.
يشكّل الإعلام اليوم أحد أهم الأدوات في صناعة الأيديولوجيات وإدارة الحروب. يذهب الإعلام بتمظهراته المعقّدة إلى أبعد من مجرد وسيلة لتوثيق المعارك ونقل الأخبار. فقد أصبح جزءًا من بنية الصراع ذاتها. فصناعة السرديّات والتحكّم بالمعلومات وخطاب الألعاب أو السيناريوهات المُتخيَّلة والتمرين على البلاغة، على حدّ تعبير الفيلسوف الفرنسي جان بورديار، باتت من العناصر الحاسمة في ميزان القوّة، توازي في تأثيرها الأداء العسكري الميداني.
في هذا الإطار، يُمثّل «حزب الله» حالة دراسية مهمة، نظرًا إلى التطور الذي شهدته ماكِنته الإعلامية والدعائية منذ الثمانينات وحتّى اليوم. فالحزب لم يتعامل مع هذه الأداة كشيء ثانوي، إنما كجزء من الاستراتيجية التثقيفية والمعرفية والعسكرية، مستخدمًا قنوات إعلامية تقليدية كالإذاعة والتلفزيون والمنصّات الرقمية على صفحات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى وحدات متخصصة في الإعلام الحربي الذي يمكن القول، بعد الهزيمة التي لحقت به عقب الحرب الأخيرة، إنَّ هدفها الأولي كان إعادة إنتاج عمى كثيف، وتصنيع «عدم الرؤية» على حدّ قول جان بورديار الفليسوف الفرنسي.
والقصد من الماكِنة الإعلامية لـ«حزب الله»، مجموع المنظومات التي يعتمد عليها الحزب لصناعة خطابه وترسيخ أيديولوجيته: من الوسائل الإعلامية التقليدية كـ«إذاعة النور» و«قناة المنار»، و«وحدة الإعلام الحربي» وما يرافق ذلك من تغطية ميدانية عن دقّة الهدف، والصاروخ الموجّه الذي لا يُخطئ، مرورًا بمنصّات التواصل الاجتماعي والخطابات الدورية التي كان يُلقيها الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصرالله والتي كانت تعد جزءًا أساسيًّا من الهيكلية الدعائية، فضلًا عن المعارض والمحاكاة كمعلَم مليتا السياحيّ وغيره.
تكمن أهمية هذه الورقة في تسليط الضوء على الماكنة الإعلامية لـ«حزب الله» كونها أداة تعبئة داخليًّا ومنتجة مهمة لسرديّات «المقاومة»، ومؤثِّر في الحروب النفسية والعسكرية، خصوصًا في ظلّ التحولات التي تشهدها المنطقة. وتبدو «حرب الإسناد» (٢٠٢٣ – ٢٠٢٤) لحظة مفصلية، تغيّرت فيها عمل هذه الماكنة كما سنعرض في الورقة، سواء من حيث الخطاب، إدارة المعلومات وتكثيف حضور المنصّات البديلة.
تركز هذه الورقة على تتبُّع المراحل المختلفة التي مرّت بها الماكِنة الإعلامية لـ«حزب الله»، من تاريخها المُبكر، مرورًا بأدائها خلال «حرب الإسناد» الأخيرة، وصولًا إلى ملامحها بعد انتهاء الحرب، باعتبارها أداة مركزية في إنتاج الخطاب الأيديولوجي، وإدارة الصراع، وممارسة العنف الرمزي داخل البيئة المنتمية للحزب وخارجها.
كما تسعى الورقة إلى محاولة فهم الكيفية التي عملت بها هذه الماكِنة الإعلامية قبل «حرب الإسناد»، وكيف غيّرت خطابها وأدواتها بعدها. وتركزّ على فهم أوسع للإعلام باعتباره جزءًا بنيويًّا لا يمكن التخلّي عنه في ضبط الوعي وصناعة السرديات وفي تكريس العلاقة الدائرية بين الفاعلين الاجتماعيين والسلطة الأيديولوجية.
وتهدف الورقة إلى تفكيك الخطاب الذي تنتجه هذه الماكِنة، مع التوقف عند بروز المنصات البديلة التي تركز على الخطاب الثقافي الهوياتي، التي تحاول من خلاله إعادة ترميم السردية الشيعية.
وتتمحور إشكالية هذه الورقة حول السؤال الآتي:
كيف تطوّرت الماكِنة الإعلامية لدى «حزب الله» وإلى أيّ مدى نجحت في تعبئة البيئة الشيعية المُنتمية لها وكيف تغيّرت أولوياتها قبل «حرب الإسناد» وخلالها وبعدها؟
تعتمد الورقة على المنهج الوصفي - التحليلي، إذ تركّز على مراجعة الخطاب الإعلامي لدى «حزب الله» وتحليل بنيته ودراسة تحوُّل السرديات وخطابه بين المراحل الثلاث. ويسعى التحليل أيضًا إلى تقديم صورة لفهم دور الإعلام في الصراعات الحديثة الذي يتجاوز الوظيفة الاتصالية التقليدية.
من الصعب تحديد التاريخ الدقيق لتأسيس الماكِنة الإعلامية لدى «حزب الله» [١]، غير أنّ صحيفة «العهد» تُعدّ أول منشور أسبوعي ارتبط بالحزب، إذ صدر عددها الأول في ٢٨ حزيران/يونيو ١٩٨٤، أي قبل الإعلان الرسمي عن «حزب الله» نفسه بنحو ثمانية أشهر. وقد شكّلت هذه الصحيفة مدخلًا أساسيًّا لفهم التصوّر الأيديولوجي للحزب ورسائله العامة، كما عكست طبيعة خطابه الذي اتّسم باستخدام مصطلحات مثل «الأمّة» و«المؤمنين» وغيرها، في مخاطبة قاعدته الشعبية التي كانت آنذاك في طوْر التعرّف إلى نشاطاته، وفي سياق سياسي وعسكري أعقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢.
لم يكن دور «العهد» مقتصرًا على نقل الأخبار أو البيانات فقط، بل أدّت هذه الجريدة وظيفة تعبويّة واضحة، إذ ساهمت في بناء سرديّة حول الهوية السياسية والعسكرية لـ«حزب الله»، وعملت على إنتاج لغة موحَّدة تُعيد تعريف مفاهيم الانتماء، الأمة، والواجب، والتضحية، بما يتقاطع مع مشروع الحزب.
وبعد نحو عام على صدور الصحيفة، غطّت «العهد» في عام ١٩٨٥ أول مؤتمر إعلامي للحزب، والذي حضره ممثّلون عن جهات إعلامية مختلفة، إلى جانب مندوبين عن مؤسسات إسلامية. وقد أظهرَ هذا المؤتمر أهمية الإعلام لدى الحزب بوصفه أداة تنظيمية واستراتيجية، يمكن من خلاله نسج شبكة علاقات إعلامية تتجاوز الإطار الحزبي الضيّق.
اعتمد «حزب الله» منذ وقت مبكر نموذجًا إعلاميًّا مركزيًّا شديد الهرَمية، مقسّمًا إلى وحدات تنظيمية متخصّصة تتبدّل وتتطور باستمرار، لكنه في الوقت نفسه كان قادرًا على استيعاب مختلف أنشطة المؤسسات المرتبطة به وتنسيقها ضمن خطاب موحّد. وقد أنشأ الحزب أجهزة داخلية تُعنى بإدارة المشهد الإعلامي وضبطه، بما يضمن الانسجام بين الخطاب الإعلامي والخط السياسي والعسكري، ويحدّ من أي تبايُن قد يؤثّر على صورته العامة أو على فعالية رسائله التعبوية.
وابتداءً من عام ١٩٨٧ أصبحت جميع الأنشطة الإعلامية لدى «حزب الله» تُدار من خلال «وحدة الإعلام المركزي»، التي تخضع لإشراف المجلس التنفيذي، أعلى الهيئات التنظيمية في بُنية الحزب. وتنقسم هذه الوحدة إلى مديريات إقليمية موزّعة على كل منطقة تخضع لنفوذ «حزب الله» بما في ذلك البقاع ومنطقة بيروت وجنوبي لبنان.
تشمل الوحدة مديري مختلف الوسائل الإعلامية التابعة للحزب، من الإذاعة إلى التلفزيون والصحف، إلى جانب مكتب للعلاقات الخارجية الذي يتولّى التواصل مع الشبكات الإعلامية اللبنانية والأجنبية. كما تضمّ لجنة الأنشطة الإعلامية المسؤولة عن نشر الدعاية الحزبية بمختلف أشكالها، بما في ذلك الأغاني والشعارات والملصقات.
وفي هذا السياق تشير زينة معاصري في كتابها بعنوان: «ملامح النزاع، الملصق السياسي في الحرب الأهلية اللبنانية» (٢٠٠٨) إلى أنَّ «حزب الله» امتلك قدرة مُبكرة على إنتاج الملصقات والجداريات، بدعم إيراني مباشر. وتميّزت هذه المواد البصرية بحضور رموز تُحيل إلى الاستشهاد، إلى جانب إظهار أيقونة قبة الصخرة، إشارة إلى القدس، الذي يضعها الحزب في صلب عقيدته الدينية والعسكرية باعتبار تحريرها واجبًا دينيًّا إذ تمثّل القضية الإسلامية الجامعة.[٢][٣]
وقد بيّنت صحيفة «العهد»، منذ عام ١٩٨٤، وجود «وحدة الإعلام الحربي»، التي صُمِّمت على غرار وحدة إيرانية تحمل الاسم نفسه. وتخصّصت هذه الوحدة في تسجيل وصايا المقاتلين قبل توجّههم إلى الجبهات للقتال ضد العدو الإسرائيلي، بوصفهم شهداء محتملين، إضافة إلى توثيق العمليات العسكرية عبر تسجيل مقاطع مصوّرة. فقد استفادت «المقاومة الإسلامية» من الخبرات الإعلامية التي اكتسبتها الحركات التحررية الأخرى خصوصًا حركة التحرير الفلسطينية. وبذا خضع الطاقم الإعلامي فيها لتدريبات إعلامية مكثّفة، إلى جانب التدريبات العسكرية، كون مصوّرو هذه الوحدة يحملون أسلحة خفيفة في المعارك بغرَض الدفاع عن النفس فقط. ويعود أول تسجيل مصوَّر لعملية عسكرية نفّذها الحزب إلى ٢٢ تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٨٦ في تلة سجُد. ومع مرور السنوات، عمل الحزب على تطوير هذه الوحدة تقنيًّا وتنظيميًّا، لتصبح عنصرًا ثابتًا في بُنيته الإعلامية، وقد شاركت لاحقًا في تغطية جميع الحروب والمواجهات التي خاضها.[٤]
شملت المنظومة الإعلامية لـ«حزب الله» في مرحلة لاحقة القنوات التلفزيونية الأرضية والفضائية والإذاعات والمجلات، إضافة إلى دُور النشر، وشركات الإنتاج، فضلًا عن المتاحف والمسارح، والفِرق الموسيقية. وقد شكلت الثورة الخُمينية مصدر إلهام أساسي للحزب، إذ كثّف من استخدام الصوَر والملصقات والمقاطع المصوَّرة المصاحبة للأناشيد في عملياته التي نُفّذت ضد إسرائيل.
وفي ما يتعلّق بالإعلام الإلكتروني، أدرك «حزب الله» مُبكرًا أهمية الفضاء الرقمي وضرورة مواكبة التطوّر التكنولوجي، فأطلق أول موقع رسمي له عام ١٩٩٦، وتبِعته لاحقًا مجموعة من المواقع الرديفة. وبالتوازي، أسّس الحزب «وحدة الإعلام الإلكتروني»، التي اعتمد عليها في إدارة الحمَلات الإعلامية الداخلية، إضافة إلى الحمَلات الموجّهة ضد إسرائيل[٥]. وستوضح هذه الورقة آليّات عمل هذه الوحدة، كما ستعرض أبرز المحطات والأحداث التي تعامَل الحزب معها، ولا يزال، انطلاقًا من هذا الفضاء. إذ تشمل هذه المواقع محتوى متنوّعًا يتراوح بين الأخبار والمعلومات، والتلقين الديني، والمواقع الشخصية لأفراد الحزب الرئيسية، إلى جانب الدعاية الحربية، والمحتوى الموجَّه وفق المستجدّات السياسية المحلية والإقليمية.
[١] - Lamloum, Olfa. ٢٠٠٩. Hezbollah’s Media. Global Media and Communication ٥ (٣): ٢٨٣٢٩٩.
[٢] - المرجع السابق
[٣] - زينة معاصري، ملامح النزاع: الملصق السياسي في الحرب الأهلية اللبنانية، بيروت، الفرات للنشر والتوزيع، ٢٠١٠.
[٤] - Wissam El Houri, The Meaning of Resistance: Hezbollah’s Media Strategies and the Articulation of a People (Master’s thesis, Universiteit van Amsterdam, ٢٠١٢), Rozenberg Publishers.
[٥] - El Houri, The Meaning of Resistance, ١-٣.
تُعرّف الهيمنة كلاسيكيًّا، كعلاقة «سيطرة وخضوع داخل مجال من العلاقات المنظمة بواسطة السلطة». غير أنّ التحولات التكنولوجية التي شهدها القرن الجديد أسهمت في تعقيد هذا المفهوم، وقد بات يُفهم كأداةً تُستخدم للحفاظ على السلطة بعد اكتسابها.
في هذا السياق، اكتسبَ التأثير الأيديولوجي دورًا مهمًّا في ممارسة السلطة الاجتماعية. ما فتح المجال أمام عدد كبير من المنظِّرين لدراسة صراعات المعنى والسلطة المرتبطة بالجهات التي تنتج الأيديولوجيا. ونتيجة لذلك، لم تعد الهيمنة مرتبطة فقط بالاقتصاد وحده كما في القراءات الكلاسيكية، إنما اتّسعَ نطاقها ليشمل المؤسسات والجهات التي تنتج الخطاب، والمعاني الرمزية وتُسهم في تطبيعها داخل المجتمع[١].
لاحقًا غدَت تكنولوجيا الاتصالات وسيطًا أيديولوجيًّا لا يمكن تجاهله، لما لها من دور حاسم في إعادة إنتاج الهيمنة وتثبيتها. وفي حالة «حزب الله» لا يمكن تناول مفهوم الهيمنة من دون التوقف عند طبيعة المحتوى الذي استُخدم لترسيخ سلطته. فقد ارتكز هذا المحتوى، من جهة، على ما يمكن تسميته «فائض القوة»، ومن جهة أخرى على خطاب حسن نصرالله الذي اتّسم بكاريزما عالية وقدرة على التعبئة، إضافة إلى الاشتغال المكثّف على الذاكرة الجماعية، ولا سيما ذاكرة اضطهاد الشيعة تاريخيًّا واستدعاء سرديّة استرجاع الحق.
فائض القوة لدى «حزب الله»:
من الردع الداخلي إلى الهيمنة الخارجية
يرتبط مفهوم الهيمنة عند «حزب الله» داخليًّا بالتمثيل الأيديولوجي وبإنتاج الثقافة إذا ما استعَرنا العبارة من الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي. فالأفكار التي ينتجها هذا الكيان تُنقل ويُعاد إنتاجها عبر منظومة إعلامية ودعائية متكاملة، تصل إلى الوحدات المجتمعية الأساسية، من العائلة إلى المجتمع الأوسع. بهذه الطريقة، تمر الهيمنة غالبًا بوصفها أمرًا بديهيًّا، دون أن تُكشف بسهولة.
لنأخذ مثال قضية مقتل الكاتب السياسي والناشر اللبناني لقمان سليم،المعروف بانتقاده العلني لـ«حزب الله»، رغم إقامته في منطقة حارة حريك الخاضعة لنفوذ الحزب. قبل اغتياله، تعرّض سليم لحمَلات تحريض وتشويه واسعة على منصّات التواصل الاجتماعي، تزامنت مع الاعتداءات والتهديدات المباشرة. وفي أحد بياناته الأخيرة، حمّل بشكل صريح الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصرالله ورئيس مجلس النواب نبيه بري المسؤولية الكاملة عمّا كان يتعرّض له وما قد يتعرّض له لاحقًا. وقد اغتيل لقمان سليم في ٣ شباط/ فبراير ٢٠٢١ في جنوب لبنان[١].
ما يهمنا في هذا السياق ليس فقط واقعة الاغتيال بحدِّ ذاتها، بل أيضًا فهم الدور الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي المرتبطة بـ«حزب الله» في تهيئة المناخ الذي أحاط بالحدث، وفي تغطية الاغتيال وتبريره لاحقًا، ضمنيًّا، عبر الخطاب المتداوَل.
بالعودة إلى الورقة البحثية التي نشَرتها مؤسسة سمير قصير بعنوان: «تحليل وسائل التواصل الاجتماعي لشبكة الكراهية المحيطة باغتيال لقمان سليم» (٢٠٢١)، يبيّن الدكتور نصري مسرّة كيف تشكّلت شبكة كراهية رقمية تمحور خطابها الأساسي حول اتهام لقمان سليم بالعمالة لإسرائيل. وقد جرى حصر التغريدات التي تحتوي على كلمة إسرائيل من مجموع البيانات التي تمّ جمعها، ليبلغ عددها ٣٤٩٦ تغريدة، صدَرت عن ٢٥٧٩ مستخدمًا مختلِفًا. ويُظهر التحليل أن «شبكة الكراهية» هذه تقلّصت، بعد الفرز، إلى ١١٦٤ مستخدمًا شكّلوا نواة الخطاب التحريضي. والأهم أن هذه الاتهامات لم تبدأ يوم ٤ شباط/ فبراير٢٠٢١، أي بعد الاغتيال، إنما سبقت ذلك بأيام، ما يُشير إلى وجود مسار تصاعُدي من التحريض الرقمي سبق الجريمة.
كما تُبيّن الورقة أن شبكة الكراهية ضمّت مؤثّرين أساسيين تولّوا صياغة الرسائل والخطابات المحرّضة، والتي أعاد المتابعون نشرها على نطاق واسع. ويكشف تحليل التغريدات، قبل الاغتيال وبعده، عن وجود شبكات عنكبوتية مترابطة تقودها جهات مؤيدة لـ«حزب الله» أو محسوبة عليه، عملت على تطبيع الجريمة رمزيًّا، عبر تقديم ما حدث بوصفه نتيجة «مستحقّة»، استنادًا إلى اتهام لقمان سليم بالتعامل مع إسرائيل.
هذه إحدى الأمثلة التي تُظهر كيف يمكن لمفهوم الهيمنة أن يتحوّل إلى أداة لتثبيت العنف والسلطة وإضفاء طابع «الطبيعي» عليهما.[٢] فاختيار مفردة مثل «عميل» على شخص لقمان سليم وتكرارها بشكل ممنهج تعزّز ترسيخ سرديّة اتهامية بصورة غير مباشرة، عبر شبكات مُدارة تُعيد إنتاج الخطاب نفسه وتعمّمه داخل المجال العام.
طوّر «حزب الله» استراتيجيته المعلوماتية عبر إتقان وسائل الإعلام التقليدية كقناة «المنار»، إلى جانب الاستخدام الواسع لمنصّات التواصل الاجتماعي وتوظيف تقنيات الحرب النفسية. وفي رسائله الخارجية، ولا سيما تلك الموجّهة إلى إسرائيل، عمل الحزب على ترسيخ صورته بوصفه قوة مقاومة جاهزة وذات قُدرات عالية. ويتجلّى ذلك في نشره المتكرّر لمشاهد المناورات العسكرية والعروض الاستعراضية، إضافة إلى مقاطع الطائرات المسيّرة ومحتوى الردع البصري، خصوصًا بعد ادّعائه تحقيق «نصر» في حرب تموز ٢٠٠٦، ولاحقًا في المعارك التي خاضها في سوريا.
وتشير دراسة بعنوان: ساحة «حزب الله» الرقمية لسرديّات الوحدة الإعلامية العسكرية على تلغرام، إلى أن وحدة الإعلام العسكري التابعة للحزب تنشط بشكل ملحوظ على منصة تلغرام، حيث تنشر مواد دعائية ومحتوى مرتبطًا بمقاتليها في فضاء رقمي يتيح لها هامشًا واسعًا من النشر بعيدًا عن الرقابة الصارمة[٣].
شخصية حسن نصرالله
لا يمكن تجاهل خطابات حسن نصرالله عند الحديث عن الماكِنة الإعلامية والدعائية لدى «حزب الله». إذ شكلت عنصرًا محوريًّا في هذه المنظومة وعملت على مستويات متعدّدة.
أدّت هذه الخطابات وظيفة تعبئة وتوجيه نفسي ورمزي، في إطار نموذج الزعيم الكلاسيكي الذي لا يزال حاضرًا في سياقاتنا السياسية، رغم ادعاءات الالتزام بالديمقراطية ومبادئ الدولة الحديثة.
استند خطاب حسن نصرالله أيضًا إلى سرديّات المظلومية التاريخية، والانتصارات على «العدو» مستخدمًا مزيجًا مدروسًا من اللغة العربية الفصحى، حين يوجه رسائله إلى الخارج، وبعض المفردات العامّية حين يخاطب الداخل اللبناني. وعلى مدى سنوات، أسهم هذا الخطاب في ترسيخ صورة الحزب كقوة حامية وقادرة على الردع، كما في عبارته الشهيرة عن امتلاك «أكثر من مئة ألف مقاتل»، التي تحوّلت إلى رمز دلالي لـ«فائض القوة».
لعب ظهور حسن نصرالله المتكرّر على الشاشة دورًا أساسيًّا في تثبيت هذه السردية، سواء في ما يتعلّق بالصراع مع إسرائيل أو بالأحداث الداخلية. ومع كل إطلالة إعلامية، كانت مقاطع من خطبه تُعاد صياغتها وتوزيعها على نطاق واسع عبر المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام التابعة للحزب، ضمن شبكات منظَّمة من الحسابات والمجموعات، ولا سيما على منصة «إكس». هكذا تحوّلت هذه الخطابات إلى مادة دعائية فاعلة، تُستخدم لتوجيه النقاشات العامة، والتأثير في المزاج العام خلال الأزمات، وإضفاء صورة القوة والهيمنة في مواجهة الخصوم، داخليًّا وخارجيًّا.
الذاكرة الجماعية
تختلف الذاكرة الجماعية عن الذاكرة الفردية في كونها ذا طابع معياري وانتقائي، وغالبًا ما تكون موجَّهة. فهي تشير إلى الكيفية التي تستعيد بها الجماعات روايتها المشتركة وممارساتها الثقافية، وهي عملية تتشكل ضمن علاقات قوة سائدة ولا تنشأ بالتالي بطريقة عفوية.
ويمكن القول إن الذاكرة التي تنتجها السلطة تعمل في اتجاهين متلازمين: فمن جهة، تُسخِّر السلطة الذاكرة لصياغة سرديتها وبسط شرعيتها؛ ومن جهة أخرى، تمارس إنتاج النسيان القسري عبر إسكات أحداث وتجارب لا تخدم مصالحها أو تهدّد سرديتها المهيمنة. وبذلك، تصبح السيطرة على الذاكرة شكلًا من أشكال السيطرة على المعنى ذاته.
تمتلك هذه السلطة مجموعة واسعة من الأدوات التي تتيح لها توظيف الذاكرة سياسيًّا. وفي سياق «حزب الله» يمكن اتخاذ النُّصب التذكارية مثالًا واضحًا على ذلك. فتاريخيًّا، تعدّ النُصب التذكارية أدوات دعائية تسهم في تشكيل الذاكرة الجماعية حول أحداث الماضي وتوجيه كيفية فهمها واستحضارها. وقد عمل «حزب الله» على إنشاء عدد كبير من هذه النُّصب، كان أبرزها تلك التي اعتمدت على منطق المحاكاة البصرية والتجربة الحسِّية، كما في معلّم مليتا الذي قدّمه الحزب بوصفه معلمًا سياحيًّا. وقد بناه لتكريس الرواية التي قدمها الحزب عن دوره البطولي في حرب تموز ٢٠٠٦ ضد إسرائيل. ويشكّل هذا النموذج تقاطعًا لافتًا بين الذاكرة والدعاية، حيث يُعاد إنتاج التاريخ بصورة موجَّهة نحو الجمهور، عبر تحويله إلى تجربة مشاهدة ومعايَشة. كما يوضح هذا المعلم الإطار البنيوي لـ«حزب الله» نفسه، بوصفه تنظيمًا يجمع في آنٍ واحد بين الديني والسياسي والعسكري، ويستخدم الذاكرة أداةً لترسيخ شرعيته وتعزيز سرديته في الفضاء العام[٤].
[١] - Nasri Messarra, A Social Media Analysis of the Hate Network Surrounding Lokman Slim’s Assassination (September ٣٠, ٢٠٢١).
[٢] - Lull, “Hegemony”, ٣٤.
[٣] - Muhammad Fatih Khudri and Jonathan Suseno Sarwono, “Hezbollah’s Online Battleground: Military Media Unit’s Narratives on Telegram,” GNET – Insights, December ١٨, ٢٠٢٣.
[٤] - Nadia McGowan, Pablo Rey-García, and Pedro Rivas-Nieto, War Memorials, between Propaganda and History: Mleeta Landmark and Hezbollah, Cultural Trends ٢٩, no. ٢ (September ٢٠٢٠): ١-٣
[١] - James Lull, “Hegemony,” in Media, Communication and Culture: A Global Approach New York: Columbia University Press, ١٩٩٥, ٣٣-٣٦.
بدأت «حرب الإسناد»، مع إعلان الأمين العام الأسبق لـ«حزب الله»، حسن نصرالله، دخول المعركة في ٨ أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠٢٣، وخلال هذه المرحلة فعّل الحزب ماكِنة إعلامية متكاملة جمعت بين الخطاب السياسي، والنشاط المكثّف على منصّات التواصل الاجتماعي، والإنتاج الرمزي بهدف إدارة السردية العامة للصراع مع إسرائيل.
في قلب هذه الماكِنة، شكّل خطاب حسن نصرالله عنصرًا مركزيًّا في توجيه وإدارة المعركة والتأثير على جمهوره الداعم ومقاتليه، إذ كانت هذه الخطابات تشكل الرواية الإعلامية الأساسية للحزب التي كان يُعاد إنتاجها بصريًّا في الفضاء الرقمي عبر مقتطفات مُنتقاة، وصوَر، ومقاطع فيديو قصيرة يتداولها المستخدمون التابعون للحزب. كما جرى التركيز على اقتطاع كلمات وعبارات موجهة إلى الإسرائيليين بهدف التمسّك بالرواية التي تبيّن قوة «حزب الله» في إدارة المعركة وأنها قادرة على الإمساك بزمام الأمور. وقد ضُخّمت هذه الخطابات التي روّج لها مؤثّرون وإعلاميون وحسابات موالية، ما أسهم في تكييف الخطاب بما يخدم سردية الردع التي يحتفظ بها الحزب منذ حرب تموز/ يوليو ٢٠٠٦، وضمن ما سُمّي المعادلة الجديدة بعد عملية «طوفان الأقصى».
تميّز خطاب حسن نصرالله خلال هذه المعركة بلُغة محسوبة تجمع بين التهديد والطمأنة، وبين رفع سقف التوقعات وضبط مستوى الانخراط العسكري على الحدود الجنوبية. فقد برز خطاب التهديد في مناسبات عدة، من بينها خطابه بتاريخ ٢١ آب/ أغسطس ٢٠٢٤، حين قال: «هذه المقاومة التي تملك من القدرة الصاروخية الهائلة والدقيقة ما يجعل يدها تمتد من كريات شمونة إلى إيلات». في المقابل، ظهرت لغة الطمأنة بوضوح في خطابه الذي أعقب تفجيرات أجهزة «البيجر»، حيث سعى إلى التقليل من أثر الضربة، مؤكدًا أن هذه العملية لم تُسقط «جسم حزب الله»، ومطلقًا وعودًا بقدرة أكبر على تعطيل أهداف إسرائيل في المرحلة المقبلة.
الإعلام الحربي لدى «حزب الله» خلال «حرب الإسناد»
كما لعب الإعلام الحربي دورًا محوريًّا في تغطية الأحداث التي جرت منذ عملية «طوفان الأقصى» وحتى اللحظة. وقد عمل الإعلام العسكري لدى «حزب الله» على نشرٍ متواصل للمواقع التي جرى استهدافها وللإصابات التي أعلن تحقيقها، من خلال أخبار عاجلة وتغطية مستمرة، من دون تقديم صورة شاملة عن مجريات المواجهة. جاء هذا الأسلوب ضمن استراتيجية واضحة للتحكُّم بالأخبار، سواء لناحية ما يُنشر أو توقيت النشر. وفي هذا السياق، جاءت البيانات العسكرية قليلة، وغالبًا ما صيغت بعناية لتتناسب مع متطلبات المشهد العام، والسياق السياسي والعسكري، وقرارات القيادة العليا.
كذلك، ركّز الإعلام الحربي، كما في التجارب السابقة، على المحتوى البصري. حيث تمّ تداول مقاطع الاستهداف، والصوَر، وبعض مشاهد إطلاق الصواريخ وفق توقيت محسوب، وبزوايا تصوير مدروسة، بما يخدم إنتاج صورة القوة والسيطرة التي سعى «حزب الله» إلى ترسيخها في وعي جمهوره وفي الفضاء الإعلامي الأوسع.
وفي هذا الإطار، جرى تضخيم الإنجازات العسكرية والتقليل من حجم الخسائر. فكل عملية، مهما كانت محدودة الأثر ميدانيًّا، قُدِّمت ضمن سردية كبرى تؤكد أن إسرائيل «أوهن من بيت العنكبوت»، في إعادة إنتاج مباشرة لمعادلة الردع التي رسّخها الحزب بعد حرب تموز/ يوليو ٢٠٠٦. في المقابل، جرى التعامل مع مقتل عناصر الحزب عبر نقل الحدث من مستوى الخسائر العسكرية، التي غالبًا لا يُعترف بها بشكل مباشر، إلى مستوى المعنى العقائدي. وقد تجلّى ذلك في خطابات النعي والرمزية اللغوية المستخدَمة، مع إدخال عبارات جديدة مثل «الشهيد السعيد» و«ارتقى شهيدًا على طريق القدس» التي تُسهم في نزع الطابع السياسي والعسكري عن الخسارة وإعادة إدراجها ضمن منظومة التضحية والواجب الديني.
يمكن الإشارة إلى مثالَين بارزَين لمقاطع مصوَّرة أحدثت ضجة واسعة في الفضاء الإعلامي. المثال الأول يعود إلى آب/ أغسطس ٢٠٢٤، حين بثّ الإعلام الحربي لـ«حزب الله» مقطع فيديو بعنوان «عماد ٤»، تراوحت مدّته بين أربع وخمس دقائق. افتُتح الفيديو بآية قرآنية، تلاها صوت حسن نصرالله، قبل الانتقال إلى عرض ما قُدِّم على أنه «مدينة تحت الأرض»، في إشارة إلى شبكة أنفاق عملاقة استخدمها الحزب في مواجهته مع إسرائيل. جاء المقطع بأسلوب بصَري أقرب إلى الإنتاج السينمائي، مع إخراج مدروس ومؤثّرات صوتية عزّزت الإيحاء بالقوة والجاهزية. وقد لاقى الفيديو انتشارًا واسعًا عبر وسائل الإعلام اللبنانية والعربية، إضافة إلى منصّات التواصل الاجتماعي، حيث تولّى مستخدمون وإعلاميون مقرّبون من الحزب إعادة تداوله.
أما المثال الثاني، فيتعلّق بما عُرف بلقطات صوّرتها مسيّرة «الهدهد» فوق قاعدة «رامات ديفيد» الجوية الإسرائيلية بتاريخ حزيران/ يونيو ٢٠٢٤، والتي شكّلت محطة أخرى في الخطاب الإعلامي للحزب، واستُخدمت لتكريس معادلة التفوق الاستخباراتي والقدرة على الرصد والمراقبة، عبر الإيحاء بأن الحزب يمتلك وسائل دقيقة لاختراق المجال الإسرائيلي. ولتعزيز سردية الردع وترسيخ صورة السيطرة والقدرة على الهجوم.
البروباغندا وحرب المعلومات المُضللة
لا يمكن فصل البروباغندا التي استخدمها «حزب الله» خلال مواجهته مع إسرائيل، عن استراتيجيته العامة في توجيه الصراع. إذ تعتبر البروباغندا عنصرًا أساسيًّا من الماكِنة الإعلامية لدى «حزب الله» لما لها من تأثير مباشر على مواقف الجمهور، ولا سيما خلال المعارك. ولتحقيق الأهداف المرجوّة، عمل القائمون على هذه الدعاية على انتقاء الوقائع والحجج، واختيار الرموز والشعارات بعناية، ثمّ تقديمها بطريقة تُحدثُ أثرًا كبيرًا.
ومن أبرز أشكال التضليل التي رافقت هذه المرحلة، المبالغة في النتائج العسكرية خلال فترات المواجهة المختلفة التي سبقت الحرب الشاملة في أيلول/ سبتمبر ٢٠٢٤. إذ دأبت المنصّات التابعة للحزب على نشر مقاطع مصوَّرة توحي بتحقيق إصابات دقيقة واستهداف مواقع ذات طابع استراتيجي، وغالبًا ما كان يُعاد تداول هذه المواد على نطاق واسع تحت عناوين مثل «النصر القريب».
كما حضرت المقارنة المستمرة بحرب تموز/ يوليو ٢٠٠٦، كعنصر محوَري في الخطاب الإعلامي. وقد جرى استدعاء تلك الحرب بوصفها لحظة انتصار كبيرة لـ«حزب الله» وأن ذلك سيتكرر في حال قررت القوات الإسرائيلية الاجتياح البري للجنوب اللبناني. هذا النوع من الانتقاء للتاريخ قد يهدف إلى ربط أي مواجهة راهنة بسردية نصر سابقة، لتسهيل فكرة «الصمود وفائض القوة» حتّى في ظلّ غياب استراتيجية عسكرية واضحة.
في الورقة التي نشرتها مؤسسة سمير قصير بعنوان: «استخدام المعلومات كسلاح: البروباغندا والحرب النفسية في الصراع بين إسرائيل و"حزب الله"[١]»، يبيِّن رالف بيضون، مؤسس شركة Influe Answers"" المتخصّصة في الاتصالات الاستراتيجية وتأثير المنصّات الرقمية على المجتمعات، كيف نشطت مجموعات مؤيّدة لـ«حزب الله» في نشر معلومات زائفة تتعلق بنشاط «حزب الله» بهدف إعادة ترميم صورة الحزب وإظهار قوته، وذلك عقب الخسائر الكبيرة التي مُني بها، ولا سيما مقتل حسن نصرالله في ٢٣ أيلول/ سبتمبر ٢٠٢٤.
وقد تداول مستخدمون محسوبون على الحزب شائعات لا أساس لها من الصحة، من بينها ادّعاءات حول اختطاف السفير الإسرائيلي في قبرص واعتقال سبعة جنود وقادة إسرائيليين. كما انتشرت مقاطع فيديو مضلِّلة زُعِم أنها توثّق انفجارات داخل مدينة حيفا، قبل أن تُظهر عمليات التحقق أنها في الواقع مقاطع لألعاب نارية في الجزائر، إضافة إلى التلاعب بلقطات لمحطة وقود في اليمن لتبدو وكأنها مصوّرة في حيفا.
كذلك جرى تداول تقارير مزوّرة تُفيد بهبوط طائرات إسرائيلية في قبرص نتيجة تدمير المطارات الإسرائيلية، وهي ادّعاءات تبيّن لاحقًا عدم صحتها. وقد حقق هذا المحتوى المزيّف انتشارًا واسعًا، إذ وصل كل مشهد وخبر منه إلى مئات الآلاف من المستخدمين. فعلى سبيل المثال، حصدت تغريدة تزعم أسر جنود إسرائيليين والسيطرة على قاعدة المنارة أكثر من ٢٦٠ ألف مشاهدة.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن الطرف الإسرائيلي لم يلجأ بدوره إلى نشر معلومات مضلّلة خلال المواجهة. غير أنّ هذه الورقة تقتصر في مقاربتها التحليلية على دراسة الماكِنة الإعلامية لدى «حزب الله»، وآليات عملها، وخطابها، وأدواتها في إنتاج وتداول السرديّات الدعائية خلال الحرب كما ذكرنا أعلاه[٢].
التحريض الطائفي الداخلي: لا يمكن إغفال تصاعد التحريض الطائفي بشكل ملحوظ خلال هذه المرحلة، سواء عبر الخطابات التخوينية التي وجّهها حسن نصرالله قبل مقتله، أو من خلال تصوير أي موقف ناقد للحزب بوصفه اصطفافًا تلقائيًا إلى جانب إسرائيل. كما أسهمت بعض الحسابات المحسوبة على «حزب الله» في تكريس خطاب تقسيمي يصنّف اللبنانيين بين «بيئة حاضنة» و«بيئة مشكوك في ولائها»، بما يعمّق الانقسامات الداخلية في سياق بالغ الحساسية.
وتُظهر الورقة نفسها التي نشرتها مؤسسة سمير قصير أنّ جماعات موالية للحزب شاركت معلومات مضللة تتهم مسيحيين، ولا سيما المرتبطين بالقوات اللبنانية، بطرد نازحين خلال الحرب من مدينة زحلة في البقاع. وقد أُخرجت هذه الوقائع من سياقها، وضُخّمت بصورة متعمدة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بما ساهم في تأجيج التوترات الطائفية.
كذلك انتشرت مزاعم غير صحيحة تُفيد بأن «القوات اللبنانية» منعت إدخال مرضى من «حزب الله» إلى المستشفيات عقب هجوم ١٧ أيلول/ سبتمبر، وتداولتها على نطاق واسع مجموعات واتساب ومنصّات رقمية أخرى، من دون أي تحقق.
ويرصد رالف بيضون في الورقة ذاتها قيام موقع «بنت جبيل» الإخباري الموالي لـ«حزب الله» و«حركة أمل»، والذي يتابعه الملايين، بنشر مقطعين متتاليين، أوهَما المستخدمين بوجود اعتراض لمسيحيي عين الرمانة على إيواء نازحين شيعة. وقد جرى تداول أحد هذين المقطعين نحو ٣٠٠٠ مرة، وشاهده ما يقارب ٢٥٠ ألف شخص، في حين لم يُتداول الفيديو الثاني الذي يُظهر كنيسة مفتوحة تُؤوي نازحين شيعة في المنطقة نفسها، سوى نحو ٣٠٠ مرة فقط. ويعكس هذا التفاوت بوضوح خطورة الأخبار الزائفة وسرعة انتشارها مقارنة بالمعلومات الصحيحة، وتأثيرها العميق على النسيج الاجتماعي اللبناني خلال الحرب الأخيرة[٣].
[١]- Ralph Baydoun, Weaponizing Information: Propaganda and Psychological Warfare in the Israeli-Hezbollah Conflict, research paper, November ٢٠٢٤.
[٢] - المرجع السابق.
[٣] - المرجع السابق.
بعد وقف إطلاق النار مع إسرائيل عام ٢٠٢٤، واجه «حزب الله» انتكاسة عسكرية كبيرة، تفاقمت على نحو خاص مع مقتل حسن نصرالله، بوصفه الشخصية القيادية الأكثر مركزية في بُنية الحزب التنظيمية. وقد فرضت هذه الخسارة تحديات جدّية على قدرة الحزب في إعادة ترميم بُنيته الداخلية، سواء على المستوى العسكري أو المعنوي. وانعكس هذا الضعف بشكل مباشر على أدائه الإعلامي، كما تُظهر دراسة حديثة بعنوان: «"حزب الله" على تطبيق تيليغرام: الحملات الإعلامية والتحوّلات السردية بعد وقف إطلاق النار».[١]
تبيّن الدراسة كيف لجأ «حزب الله» بصورة متزايدة إلى منصة «تيليغرام» بوصفها فضاءً متاحًا دون رقابة لإعادة تشكيل الرأي العام، ومحاولة إعادة إنتاج صورة الصمود والاستمرارية رغم سلسلة الانتكاسات التي تعرّض لها، وتشير إلى أن الحمَلات الإعلامية التي أطلقها الحزب في هذه المرحلة تمحورت أساسًا حول مفاهيم البقاء والنجاة، إلى جانب توظيف السرد القصصي كأداة لتعويض الخسارة العسكرية والقيادية.
وترصد الدراسة نمطَين رئيسيين من الحمَلات الإعلامية التي يعتمدها «حزب الله»: يتمثل النمط الأول في حملات مرتبطة بأحداث محدّدة، غالبًا ما تكون قصيرة الأمد، وتستخدم رسائل مكثفة، ووسومًا مصمّمة بعناية، ومنشورات تتكيّف مباشرة مع سياق الحدث الآني. أما النمط الثاني، فهو حملات مستمرة وطويلة الأمد، تشكّل جزءًا من السردية الاستراتيجية للحزب، وتدور حول موضوعات متكرّرة مثل المقاومة، والاستشهاد، والحرب النفسية. وقد أدّت هذه الحمَلات دورًا بارزًا في المرحلة التي أعقبت وقف إطلاق النار مع إسرائيل في تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠٢٤، في محاولة لإعادة تثبيت حضور الحزب في الفضاء العام وتعويض تراجع موقعه الميداني.
بعد وقف إطلاق النار في ٢٦ تشرين الثاني/ نوفمبر ٢٠٢٤، عملت الماكِنة الإعلامية التابعة لـ«حزب الله» على تأطير الحدث بوصفه نصرًا استراتيجيًّا على إسرائيل، متجاوزةً الوقائع العسكرية على الأرض. وفي هذا السياق، صرّح الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام للحزب، قائلًا: «في معركة الاشتباك بالقوة، نشهد نصرًا عظيمًا يتجاوز انتصار تموز ٢٠٠٦». وقد تمحورت الحملة الإعلامية حول إبراز ما زعم الحزب أنه إنجازات ميدانية تحققت خلال المواجهة، مع التشديد على فشل إسرائيل في تحقيق أهدافها المعلنة.
ورافقت هذه السردية حملة إعلامية واسعة شملت مقاطع فيديو، وأفلامًا وثائقية قصيرة، ووسومًا تحمل عبارات منتقاة بعناية، جرى تعميمها عبر مختلف منصّات التواصل الاجتماعي، إلى جانب الوسائل الإعلامية التقليدية المحسوبة على الحزب. ومن خلال هذا الزخم الإعلامي، سعى «حزب الله» إلى إعادة إنتاج خطاب النصر، وتعزيز الالتفاف الشعبي حوله، وترميم شرعيته داخل المجتمع المحلي، ولا سيما في أوساط جمهوره، وذلك في أعقاب الخسائر العسكرية والبشرية الكبيرة التي تكبّدها خلال الحرب.
ومع مرور الوقت، شهد الخطاب الذي روّج له «حزب الله» تحوّلًا تدريجيًّا من التركيز على «النصر» في الحرب إلى التشديد على مفاهيم الثبات والصمود، ومنع إسرائيل من تنفيذ اجتياح بري واسع للجنوب اللبناني. وفي هذا الإطار، صرّح الشيخ نعيم قاسم في ١٤ كانون الأول/ ديسمبر ٢٠٢٤ قائلًا: «المقاومة بقيت في الميدان حتى اللحظة الأخيرة». وتشير الدراسة نفسها إلى أنّ هذه العبارة جرى تداولها وتكرارها بكثافة على منصّات التواصل الاجتماعي، بوصفها دلالة رمزية على النصر، رغم تبدّل لهجة الخطاب.
وبالتوازي مع ذلك، أطلق «حزب الله» حملة إعلامية تحت وَسْم «وعد والتزام»، ركّزت على جهود إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب. وسعى الحزب من خلال هذه الحملة إلى إعادة ترسيخ صورته كقوة قادرة على حماية الأرض، ورعاية مجتمعه، واستعادة المناطق المتضررة في الجنوب اللبناني، بما يعزز سردية الاستمرارية والقدرة على النهوض رغم الخسائر.
واللافت أيضًا تصاعد خطاب المظلومية الشيعية بوصفه إحدى الركائز في السردية التي روّج لها «حزب الله» في خطابه على مدار سنوات. فقد ساد خطاب مكثّف حول معاناة الشيعة، خاصة في ظلّ التحولات الإقليمية المتزامنة، من سقوط نظام بشار الأسد، إلى الهجمات المتكرّرة على الحوثيين في اليمن، وصولًا إلى تشديد العقوبات على إيران بعد استهدافها عسكريًّا، فضلًا عن تصاعد النزاع الداخلي اللبناني حول مسألة نزع سلاح «حزب الله». وقد جرى تقديم هذه الوقائع بوصفها حلقات مترابطة ضمن مسار واحد من الاستهداف الممنهج للشيعة.
وفي هذا السياق، ربطت المنشورات التي جرى رصدها هذه الأحداث بسردية كربلاء، باعتبارها لحظة تأسيسية في الوعي الشيعي للمظلومية والخذلان والتضحية. واستخدم الرواد التابعون للحزب عبارات من قبيل «ما أشبه يومنا بيوم كربلاء»، في استدعاءٍ يُعيد إنتاج المشهد السياسي ضمن إطار ديني - تاريخي أخلاقي، يُصوَّر فيه الشيعة كضحايا دائمين للظلم، والمواجهة بوصفها قدرًا وجوديًّا لا خيارًا سياسيًّا.
تراجُع حضور إعلاميين وحلفاء لـ«حزب الله»
بعد الهزيمة التي مُني بها «حزب الله» في أعقاب الحرب، تراجع حضور عدد من الإعلاميين والحلفاء المحسوبين عليه بشكل ملحوظ في الفضاءين الرقمي والإعلامي. فقد انخفض مستوى الظهور الإعلامي لوجوه كانت حاضرة بقوة قبل مرحلة التصعيد وخلالها، سواء عبر القنوات التلفزيونية العربية والمحلية أو عبر منصّات التواصل الاجتماعي. كما خفَت الخطاب التعبَوي الذي كان يروّج لصورة القوة العسكرية التي يُفترض أن يمتلكها «حزب الله» في مواجهة إسرائيل، وللسرديّات التي بشّرت بإمكانية إلحاق هزيمة حاسمة بالعدو. ويمكن فهم هذا الانكفاء في سياق إعادة تموضع فرضتها الخسائر العسكرية والسياسية، ومحاولة تفادي تحمّل مسؤولية الخطابات السابقة التي رفعت سقف التوقعات لدى الجمهور، واتّسمت في كثير من الأحيان بفائض من الثقة وإبراز مبالَغ فيه للقوة.
إذ يعكس هذا التراجع أيضًا حالة الارتباك التي أصابت الماكِنة السردية الإعلامية بعد فقدان القيادة المركزية المتمثّلة بحسن نصرالله. ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال مثالين واضحين:
المثال الأول هو في مواقف وتصريحات الوزير اللبناني السابق وئام وهابالذي كان قبل مقتل نصرالله يروّج بثقة عالية لقدرة «حزب الله» على خوض حرب واسعة مع إسرائيل، معتبرًا أن الحزب يمتلك قوة تضاهي قوة العدو. وقد ظهر وهاب مرارًا بصفته داعمًا واثقًا عبر القنوات التلفزيونية المختلفة، كما في تغريداته على منصة «أكس». غير أن خطابه شهد تحوّلًا جذريًّا بعد مقتل حسن نصرالله، إذ صرّح بأن تدمير إسرائيل أمر غير واقعي، مؤكدًا أنه لن يرسل ابنه للقتال ضدها. وأضاف، في تصريح غير مسبوق له: «قد يظن بعض الناس أنهم سيذهبون إلى الجنة، لكن بالنسبة لي، لا شيء يستحق أن أفقد ابني لأجله».
وفي مقابلة أخرى، ذهب وهاب أبعد من ذلك حين دعا إلى أن يُحسم الصراع بين اليهود والفلسطينيين بوسائل ديمقراطية وسلمية، معتبرًا أن الخروج من منطق الدولة اللبنانية لم يعد ممكنًا، وأن الدولة تبقى الإطار الوحيد القادر على حماية الجميع.
أمّا المثال الثاني فيتجلّى في مواقف الإعلامي اللبناني سالم زهران الذي عُرف لفترة طويلة بوصفه من أشدّ المؤيدين لـ«حزب الله»، وأحد أبرز الأصوات الإعلامية التي ركّزت على إبراز قوة الحزب وقدرته على خوض الحروب وفرض معادلات الردع. غير أنّ خطابه شهد تحوّلًا ملحوظًا بعد الهزيمة، إذ تراجع الحديث عن سياسة الردع، وظهر زهران في بعض إطلالاته ناقدًا للخيارات العسكرية التي اعتمدها «حزب الله» خلال الحرب الأخيرة.
توسّع ظاهرة «الناطقين باسم المقاومة» من الشيعة حصرًا
من السهل اليوم الانخراط في صناعة المعنى في ظلّ توافر بنية تحتية رقمية، وما رافقها من طابع أدائي مارسه عدد كبير من صنّاع المحتوى. فوسائل التواصل الاجتماعي أتاحت اليوم، وأكثر من أي وقت مضى توفر فضاءات حرة لإنتاج السرديّات، وإعادة تأطير الوقائع. في هذا السياق، وجد «صانعو المعنى» المؤيّدون لـ«حزب الله» في تطوّر المحتوى البصري والمرئي فرصة مركزية لتكثيف حضورهم، من خلال شخصيات إعلامية وناشطين مثل حسن علّيق ورضوان وحسين مرتضى وفيصل عبدالساتر وغيرهم الذين ينشطون بكثافة على منصة «أكس»، ويؤدّون أدوارًا تتجاوز الصحافة التقليدية إلى بناء خطاب تعبوي.
غير أنّ الهزيمة التي مُني بها «حزب الله» بعد الحرب شكّلت نقطة تحوّل في هذا المسار. فقد توسّعت دائرة التفاعل بين المؤيّدين على منصّات التواصل الاجتماعي. ويمكن القول بأنّ هذا التوسّع هو محاولة جماعية لإعادة تركيب المعاني واحتواء الصدمة. إذ غدَت مهمة بعض صانعي المحتوى إعادة تأطير الحدث بوصفه تهديدًا وجوديًّا للطائفة الشيعية، خاصة في ظلّ تصاعد المطالبات بنزع سلاح الحزب.
في هذا الإطار، برز اعتماد واضح على إنتاج الفيديوهات القصيرة، التي تتسم بالشعبوية وسرعة الانتشار، وأحيانًا بخطاب كراهية وفائض قوة، وصولًا إلى الترويج لأفكار تتعلق بامتلاك أسلحة قادرة على مواجهة إسرائيل. ويترافق ذلك مع إخفاء ممنهج للمعلومات المُربكة، مثل حجم الخسائر الفعلية، أو غياب القيادة، أو التناقضات داخل جسم «حزب الله». وغدَت مهمة هذه الفيديوهات ضبط القلق السياسي والهويّاتي الذي شعر به الشيعة المؤيّدين للحزب بعد الخسارات الكبيرة.
ويمكن هنا التمييز بين أنماط مختلفة من «صانعي المعنى» ذوي الهوية الشيعية الواضحة. مثلًا، يبرز علي برو، الذي يقدّم محتوى مبسّطًا موجّهًا إلى المتلقّي العادي، يعتمد على لغة مباشرة، وشحن عاطفي، وسرديات جاهزة تسهّل التماهي والانخراط.
يذهب علي برو في خطابه، ولا سيما في سلسلة الفيديوهات القصيرة التي ينتجها، في اتجاهات متعدّدة تتمحور أساسًا حول إبراز دور «حزب الله» في الحفاظ على أمن الجنوب ولبنان وسيادته، والتأكيد المستمر على مركزية السلاح بوصفه أداة ردع لا غنى عنها.ففي أحد المقاطع التي نشرها بتاريخ ٣٠ كانون الأول/ ديسمبر ٢٠٢٥، يعمد علي برو إلى عرض مشاهد تُظهر ما يعتبره حجم القوة العسكرية التي تمتلكها إيران، بوصفها الداعم الأساسي لـ«حزب الله» في أي مواجهة محتملة مع إسرائيل. ويستحضر في هذا السياق شخصية الجنرال علي بلالي، الذي يُقدَّم على أنه قائد قوة الجو - فضاء في الحرس الثوري الإيراني، في محاولة لإضفاء بُعد استراتيجي إقليمي على السردية المحلية.
تُوجَّه هذه الفيديوهات إلى جمهورين في آن واحد: الجمهور المؤيّد، بهدف إعادة تثبيت الثقة والطمأنة في استمرارية القدرة على المواجهة، والجمهور غير المؤيّد، بوصفها رسالة ردع مفادها أن «حزب الله» لا يزال يمتلك ترسانة عسكرية وبدائل استراتيجية. ويمكن قراءة هذا النمط من المحتوى بوصفه محاولة واضحة لاستعادة سردية القوة التي تضرّرت بشكل كبير بعد مقتل حسن نصرالله والهزيمة التي أصابت جسم الحزب سياسيًّا ومعنويًّا.
ولا يقتصر خطاب علي برو على هذا البُعد التعبوي، بل يتجه أحيانًا إلى إنتاج محتوى موجَّه مباشرة إلى الخصوم الداخليين، يتميّز بطابع تحريضي واضح، ويقترب من خطاب الكراهية. وغالبًا ما تُرفق هذه الفيديوهات بوُسوم (هاشتاغات) مختارة بعناية لضمان انتشارها السريع وتعزيز حضورها الخوارزمي. من الأمثلة على ذلك الفيديو الذي استهدف رئيس الحكومة اللبنانية على خلفية اعتراضه على إضاءة صخرة الروشة، حيث جرى تأطير الموقف ضمن خطاب المظلومية الشيعية، وإعادة إنتاج سردية «المؤامرة» التي يُنظر إليها بوصفها تستهدف الطائفة ككل، لا مجرد حزب أو موقف سياسي.
كما يندرج ضمن هذا السياق أيضًا فيديو التنمّر الذي طال الإعلامية اللبنانية مي شدياق على سبيل المثال، وتحويل جسدها إلى مادة للسخرية والشيطنة، في عملية تهدف إلى تعزيز فكرة خلق «آخر» معادٍ يُسقط عليه الغضب والإحباط.
وفي سياق متصل وكمثال آخر، يظهر د. حسام مطر بوصفه نموذجًا مختلفًا، إذ يقدّم محتوى يدّعي الاعتماد على الوقائع والاستشهادات والتحليل المنطقي، موجّهًا إلى جمهور يُنظر إليه على أنه «أكثر من عادي»، أي جمهور يسعى إلى فهم الأحداث ضمن إطار أيديولوجي متماسك. غير أن هذا الاختلاف في الأسلوب لا يلغي وحدة الوظيفة، إذ يلتقي النموذجان في إعادة إنتاج السردية نفسها وتحصينها معرفيًّا وعاطفيًّا.
الخوف الوجودي والارتكاس إلى الماضي
قبل انتهاء الحرب، برزت صفحات جديدة على منصات التواصل الاجتماعي تُعنى بالشأن الثقافي والتاريخي للشيعة في لبنان. ويمكن النظر إلى هذا التحوّل بوصفه تحوّلًا بنيويًّا لا ظرفيًّا، إذ يظهر مرارًا في تاريخ الحركات الاجتماعية وفي سياقات النزاعات المسلحة، حيث تميل الحركات التي تفشل في تحقيق إنجازات عسكرية ملموسة إلى إعادة توجيه جزء من خطابها نحو الاستثمار في السرديّات والذاكرة الجماعية، بوصفهما مصدَرين بديلَين للشرعية. وفي حالة «حزب الله»، يتقاطع هذا الاستثمار مع إعادة إنتاج سردية المظلومية التاريخية، باعتبارها عنصرًا تأسيسيًّا في بناء الهوية الجمَّعية لدى الحزب.
ففي مرحلة ما قبل الهزيمة، كان الخطاب أكثر تماسكًا وانضباطًا، ويركّز بدرجة أكبر على المصطلحات المرتبطة بالفعل العسكري، والردع، وتوازن القوى، على حساب البُعد الثقافي. أما بعد الهزيمة، فقد اتجهت هذه المجموعات إلى إنتاج خطاب ثقافي موجّه أساسًا إلى الداخل، يهدف إلى الحفاظ على التماسك الاجتماعي لدى الجمهور المؤيّد ومنع التفكّك، من خلال التأكيد على استمرارية الجماعة وعمقها التاريخي، والإصرار على فكرة أن «هذه الطائفة موجودة ولها تاريخ طويل» يتجاوز لحظة الصراع الراهنة.
في هذا السياق، توسّع الخطاب الجديد وخلّق فضاءات ثقافية تضمن الاعتراف بوجود هذه الجماعة وحضورها، في ظلّ تصاعُد النقاشات حول نزع السلاح. ولا يمكن فصل هذه الظاهرة، إن صحّ القول، عن الشعور المتزايد بالخوف الوجودي الذي شعرت به القاعدة الاجتماعية المؤيّدة لـ«حزب الله» بعد الهزيمة، حيث يُعاد تأطير النقاش السياسي والأمني ضمن إطار حماية الطائفة والدفاع عن ذاكرتها وحقها في الاستمرار.
ولعلّ صفحة «تاريخي» تشكّل مثالًا واضحًا، فهي صفحة أُنشئت حديثًا وتقدّم محتوى بصريًّا على هيئة «بودكاست» يتناول التاريخ الشيعي، بعيدًا من اللغة العسكرية المباشرة. يظهر في هذا المحتوى ما يمكن وصفه بخطاب إعادة بناء الهوية، حيث تُعاد صياغة التجربة الشيعية ضمن سردية تاريخية وثقافية، تُستدعى فيها مفاهيم المظلومية، والتضحية، والخصوصية الدينية والثقافية.
في إحدى الحلقات، يُقدَّم جبل عامل بوصفه فضاءً تاريخيًّا لمواجهة الظلم، ويُربط هذا الإرث بشخصيات رمزية مثل أبي ذر الغفاري، باعتباره نموذجًا للمعارضة الأخلاقية والولاء لعلي بن أبي طالب. وبهذا الربط، يُعاد إنتاج صورة الشيعة كجماعة تاريخية «لا تقبل بالظلم»، ويجري إسقاط هذا التصوّر على الحاضر، بما يوحي باستمرارية الهوية والنضال.
وفي السياق الرقمي، يتعزّز حضور هذا النوع من الصفحات التي يديرها من يمكن تسميتهم بـ«وسطاء الهوية»، أي الفاعلين القادرين على إعادة ترجمة التاريخ والرموز الدينية إلى محتوى معاصر قابل للتداول والاستهلاك الجماهيري. ومع تعذّر قدرة «حزب الله» على تحقيق حسم عسكري، يصبح الحفاظ على الهوية الجماعية شرطًا أساسيًّا لأي إمكانية مستقبلية للتعبئة أو إعادة التنظيم.
وتكمن الخطورة الأساسية في تشكّل ما يُعرف بـ«غرف الصدى» أو «فقاعات التصفية»، التي يتعرّض فيها الأفراد لآراء ومعلومات متوافقة مسبقًا مع معتقداتهم. ورغم أنّ هذه الظاهرة ليست جديدة على السياق اللبناني، حيث اعتادت الطوائف تاريخيًّا العيش داخل فقاعاتها الخاصة، ما كان ينعكس في شكل توترات طائفية وإشكالات أهلية متكرّرة، إلّا أنّها اليوم باتت أكثر وضوحًا وعمقًا وتأثيرًا بفعل البيئة الرقمية.
تتحوّل هذه الفقاعات من انقسامات اجتماعية كامنة إلى أنظمة مُغلقة، تعيد باستمرار تدوير الخطاب نفسه وتحصّنه ضد أي سردية بديلة، ما يجعل السعي إلى إدماج الطائفة الشيعية ضمن إطار الدولة اللبنانية الجامعة أكثر تعقيدًا، إن لم يكن شبه مستحيل.
ولا تقتصر غرف الصدى على إعادة إنتاج خطاب أحادي في هيئة رجع صدى لخطاب أحادي، أيضًا تتطوّر لتُنشئ ما يمكن وصفه بـ«عشائر إلكترونية» ذات طابع طائفي، تتسم بولاء شديد لرواياتها ومعتقداتها، وترفض أي تعاون، الأمر الذي يعمّق العزلة أكثر فأكثر.
[١]- Daniel Haberfeld and Eitan Azani, Hezbollah on Telegram: Post-Ceasefire Media Campaigns and Narrative Shifts, June ١, ٢٠٢٥.
تُظهر هذه الورقة أنّ الماكِنة الإعلامية لدى «حزب الله» هي منظومة متكاملة تدير فيها العلاقة بين السلطة الأيديولوجية والفاعلين الاجتماعيين داخل بيئته وخارجها. فمنذ نشأته، تعامل الحزب مع الإعلام كجزء أساسي من مشروعه السياسي والعسكري، واستثمر فيه لا سيما في سياقات الحرب والنزاع الداخلي.
وخلال «حرب الإسناد» (٢٠٢٣ - ٢٠٢٤)، بلغت هذه الماكِنة ذروة اشتغالها، سواء عبر الخطابات المركزية، أو الإعلام الحربي، أو المنصّات الرقمية. غير أنّ الهزيمة التي لحقت بالحزب، ولا سيما بعد فقدان قيادته المركزية بشخص حسن نصرالله، عرّت الماكِينة، وأدخلتها في حالة ارتباك سردي، فرضت عليها إعادة ترتيب أولوياتها وأدواتها.
وفي مرحلة ما بعد الحرب، برزت صفحات هوياتية تقدّم التاريخ الشيعي والمظلومية التي شعر بها الشيعة عبر التاريخ، ربما لإخفاء الفشل العسكري ومحاولة البقاء كالسابق في الفضاء العام.
غير أنّ هذا المسار لا يخلو من مخاطر، إذ يُسهم في تعميق «غُرف الصدى»، وإنتاج الانقسام الطائفي، وإضعاف إمكان إدماج هذه البيئة في فضاء الدولة اللبنانية. وبالتالي فإنَّ العلاقة الدائرية التي وصفها بورديو بين السلطة والفاعلين الاجتماعيين تصبح أكثر انغلاقًا، حيث يشارك الجمهور نفسه في إنتاج العنف الرمزي الذي يخضع له، تحت غطاء الهوية والذاكرة.
وعليه، تخلُص هذه الورقة إلى أنّ الماكِنة الإعلامية لـ«حزب الله» نجحت، إلى حدّ بعيد، في تعبئة بيئته الحاضنة وإدارة السردية خلال مراحل مختلفة من الصراع، لكنها تواجه اليوم تحدّيًا يتمثل في قدرتها على الاستمرار في إنتاج خطاب النصر وفائض القوة، خصوصًا مع غياب الانتصار العسكري وتحوّل شروط الصراع.
- Baydoun, Ralph. Weaponizing Information: Propaganda and Psychological Warfare in the Israeli–Hezbollah Conflict. November ٢٠٢٤.
- El Houri, Waddah. The Meaning of Resistance: Hezbollah’s Media Strategies and the Articulation of a People. ٢٠١٢.
- Haberfeld, Daniel, and Eitan Azani. Hezbollah on Telegram: Post-Ceasefire Media Campaigns and Narrative Shifts. June ١, ٢٠٢٥.
- Khudri, Muhammad Fatih, and Jonathan Suseno Sarwono. “Hezbollah’s Online Battleground: Military Media Unit’s Narratives on Telegram.” GNET – Insights, December ١٨, ٢٠٢٣.
- Lamloum, Olfa. “Hezbollah’s Media.” Global Media and Communication. London: SAGE Publications, ٢٠٠٩.
- Lull, James. “Hegemony.” In Media, Communications and Culture: A Global Approach, ٣٣–٣٦. New York: Columbia University Press, ١٩٩٥.
- McGowan, Nadia, Pablo Rey-García, and Pedro Rivas-Nieto. “War Memorials, between Propaganda and History: Mleeta Landmark and Hezbollah.” Cultural Trends ٢٩, no. ٢ (September ٢٠٢٠).
- Messarra, Nasri. A Social Media Analysis of the Hate Network Surrounding Lokman Slim’s Assassination. September ٣٠, ٢٠٢١.
- معاصري، زينة. (٢٠١٠). ملامح النزاع: الملصق السياسي في الحرب الأهلية اللبنانية. بيروت: الفرات للنشر والتوزيع.





استخدمتْ العديد من الكتابات النسوية مفهوم «العدالة المكانية»، لتسليط الضوء على الجندر بوصفه بناءً اجتماعيًّا، يبرز من خلال تجربة الأفراد للحيِّز العام وتفاعلهم معهُ.