(1).jpeg)
حتّى اليوم لم تنتهِ تبِعات الحرب التي بدأت منذ ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣ ولا يزال اللبنانيين يدفعون ثمنها بأشكالٍ مختلفة، وذلك على الرغم من الاتفاق الذي تمّ التوصل إليه بـ«مظلة دولية» والقاضي بوقف الأعمال العدائية بين إسرائيل ولبنان.
هذا الوضع القائم الذي يمكن اختزاله بحالة «اللاحرب، واللاسلم»، شكّل أساس الرأي العام الذي تبلوَر لدى أبناء الطائفة الشيعية وسواهم من أبناء الطوائف الأخرى الذين يعيشون في مناطق سيطرة «حزب الله»، مع ما يندرج في إطار هذه الحالة من مواقف تجاه مجموعة من القضايا وأبرزها، ملف السلاح وتعويضات أضرار الحرب، بالإضافة إلى الاستهدافات الإسرائيلية والخروقات المستمرة لاتفاق وقف الأعمال العدائية.
مع الهجمات الإسرائيلية المستمرة في أكثر من منطقة لبنانية، ومساعي الحكومة اللبنانية نحو حصر السلاح في يد الدولة، تبدّل الشارع مرات عدة بين مؤيّد ومعارض لتسليم السلاح، ليس انطلاقًا من قناعات راسخة، بل من خلال بناء المواقف على أساس ردود فعل كل فئةً في مواجهة الفئات الأخرى. ليتمّ أيضًا ربط المواقف اللبنانية بحرب غزة تارة واتفاق «سلامها»، وأخرى بما يجري على الساحة السورية التي شهدت أحداثًا أثارت الخوف لدى الكثير من اللبنانيين على اختلاف طوائفهم ومشاربهم الفكرية والسياسية.
فقسمٌ كبيرٌ من اللبنانيين يعيش اليوم هاجس الخوف من خطرين، الأول جنوبًا ويتمثّل بإسرائيل، أما الخطر الثاني، فهو على امتداد الحدود الشرقية، ويمثّله نظام سوري ينظرُ إليه هذا القسم بأنه لا يمكن أن يؤمَن جانبه.
في ساحة «حزب الله» أو «البيئة» كما يتمّ تسميتها، لم يعد الموقف من السلاح كما بدا في خضمّ الحرب الإسرائيلية الأخيرة على الحزب، وقتذاك ضاق الكثير من أبناء الطائفة الشيعية ذرعًا بالسلاح واعتبروه، بطريقة أو بأخرى، مصدرًا لاستجلاب الدمار، خصوصًا بعد الضربةة العسكرية التي تعرّض لها الحزب وأظهر خلالها ضعفًا صدم أبناء تلك البيئة قبل سواهم. لكن ما جرى لاحقًا يدعو إلى التساؤل: كيف تبدّلت الأهواء بعد اتفاق وقف الأعمال العدائية، لتعود «البيئة» في غالبيتها إلى سيرتها الأولى مع ما يرافقها من اعتماد مبدأ «الاستعلاء» و«الاستقواء» بالسلاح وكأنّ شيئًا لم يكن. وإن كانت الصورة العامة اختلفت إلى حدٍّ ما، إذ لم يعد التمسك بالسلاح قائم على أساس محاربة إسرائيل فقط، وإنما باعتباره ضرورة لمواجهة الأخطار ومحاولة الحدّ منها، لا لتحقيق «الانتصارات» التي باتت أصعب من ذي قبل بسبب تبدّل موازين القوى. وما يلفت الانتباه أيضًا هو أن العديد من أبناء الجنوب باتوا مع منطق الدولة وضرورة حصر السلاح في يد المؤسسات العسكرية الرسمية، لكنهم يعترضون على الطريقة التي تقارب بها الحكومة تحقيق هذه الغاية، وهذا ما ولّد لديهم موقفًا مضادًّا يتشبثون به باعتبار أن الحكومة تعمل اليوم ضد الطائفة الشيعية وليس ضد «حزب الله» فقط.
وهكذا، سرعان ما تغيّرت المواقف معزَّزة بعوامل عدة: منها ما يتعلق بالساحة الداخلية ومنها ما هو خارجي. وإن كان الجميع يتفق حول الثقة بالجيش اللبناني، إلّا أنّ نظرتهم مجتمعين إلى الدولة تختلف، وبالتالي يتفقون في مكان ما على أنه لا تسليم للسلاح «على هشاشته»، إلّا إذا اقترن بمقابل على أكثر من صعيد.
تحوّل «أبناء البيئة» اليوم إلى خبراء ومحلِّلين في شأن السلاح وفي السياسات العامة التي يجب أن تنتهجها الطائفة «لتنجو ببدَنها»؛ ولكل منهم نظريته الخاصة، ورؤية نابعة من قراءة «شعبوية»، تخلص إلى نتيجة واحدة وهي أن سلاحًا عمره أكثر من ٤٠ عامًا، لا يمكن أن يحدّد مصدره قرار لمجلس وزراء أو موقف لرئيس جمهورية، حتى لو اندرج في خطاب «القسم». بالنسبة إلى هؤلاء فإن الملف يحتاج إلى «طاولة حوار موسعة ومتشعبة»، ليتمّ الاتفاق بعدها على الخطوط العريضة التي قد تحدّد مصير «القوة» التي لطالما تغنّوا واعتدّوا بها، أي أنهم متفقين على المبدأ، لكن بعضهم يختلف على الكيفية.
ينتقد مهدي ش.، وهو صاحب محل تجاري في شارع الجاموس، سياسة عدم الوضوح التي ينتهجها «حزب الله» في تعامله مع قضايا الطائفة الشيعية، ومنها ملف السلاح، «فنحن إلى اليوم لا نعلم كيف يفكر الحزب في هذا الخصوص»؛ يتساءل قبل أن يضيف: «نحن لا نعرف شيئًا، هم يظنون أنهم يعلمون كل شيء، وبالتالي هم يعتقدون أن الواجب يقتضي بأن يفكروا عنّا». لكن على الرغم من ذلك فإن ملف السلاح هو مسألة أخرى بالنسبة إلى مهدي، «لا يمكن التخلّي عن السلاح بلا مقابل»، كما يقول. لكن لماذا؟ بالنسبة إليه إن القضية لم تعد تتعلق بحزب بل بالطائفة الشيعية ككل؛ «فإذا سلّم الحزب سلاحه بلا ضمانة فإن أبناء الطائفة قد يتعرضون للذبح، ويدفعون الثمن، علمًا أنهم لا يتحملون المسؤولية في كل الحروب التي خاضها الحزب، وبعضها حروب محقة كان لا بدَّ منها لأنها كانت حربًا لإزالة الاحتلال من جنوبي لبنان والبقاع الغربي». ويضرب في هذا الإطار مثلًا على الاستهدافات الإسرائيلية المتكرّرة قائلًا: «إلى اليوم لا تزال إسرائيل تعتدي على لبنان وتقصف السيارات في الشوارع وتغتال أبناء الطائفة الشيعية، بغضّ النظر عما إذا كانوا من "حزب الله" أم لا، القضية أعمق بكثير»؛ متسائلًا: «مَن يضمن لنا الأمان إذا ما قام الحزب بتسليم سلاحه، وهل ستوقف إسرائيل اعتداءاتها؟».
وبالاتجاه جنوبًا لا تختلف النظرة كثيرًا، وإذا كانت ثقة أبناء «البيئة» في المناطق الجنوبية بالجيش كبيرة، إلّا أنهم يرون في السلاح مسألة أخرى لا يمكن البحث بها في ظلّ الوضع الراهن. وفي هذا الإطار يقول الدكتور م. ج.، وهو أحد الأطباء العاملين في الجنوب، بأن الجيش هو مؤسسة مهنية كفؤة وتتمتع بثقة الناس غير أن موضوع حماية الأرض هي قضية أخرى، ففي ظلّ الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على الجنوب، لا يمكن الطلب من أهالي المنطقة أن يتخلّوا عن مصدر قوّتهم وهو بطبيعة الحال السلاح. ويلفت م. ج. إلى أن الجيش يحتاج إلى قوة تسانده وهذه القوة يجب أن تكون شعبية وممثلة لكل اللبنانيين بتركيبتهم المختلفة لا أن تكون حكرًا على طائفةً دون أخرى، مشيرًا إلى محاولات سابقة لتأسيس «حرس وطني» لمساندة الجيش في أوقات الاعتداءات والشدة. وعلى هذا الأساس فإن «نزع سلاح "حزب الله" من دون اتفاق سياسي بين مختلف المكوّنات اللبنانية لا يُجدي نفعًا»، فهذه العملية، من وجهة نظره، تحتاج إلى بحث معمّق «لأنه لا يمكن للبنان أن يتخلّى عن أحد مصادر قوته من دون أن يحصل على ضمانات مقابلة. وحتى لا نستمر في هذه الحالة غير المفهومة فنحن لا نعلم إذا ما كنا في حالة حرب أو سلم. إسرائيل تتصرف كما يحلو لها ونحن لا حول لنا ولا قوة سوى التمسّك بما في أيدينا حتى لا نُقتل على الطرقات».
ويتدّخل زميل للدكتور م. ج. في النقاش محاولًا توضيح بعض النقاط: «في الوقت الحالي وفي ظلّ استمرار الاحتلال للتلال الخمس ومزارع شبعا وكفرشوبا، وما يرافق ذلك من اعتداءات إسرائيلية تؤدّي إلى تيتُّم أطفال أو استشهاد أطفال، فإن الغالبية العظمى من أبناء الطائفة الشيعية لا يؤيدون نزع السلاح، بالطريقة التي تريد أن تقاربها حكومة نواف سلام»؛ ويضيف: «حتى اليوم لا تزال إسرائيل تمارس اعتداءاتها على المنطقة وتنفّذ غارات جوية عنيفة في منطقة أجمع الكل أن الجيش بسط سلطته فيها (جنوب الليطاني). في ظلّ هذه الممارسات لا يمكن إقناع الناس بالوقوف إلى جانب قرار نزع السلاح. وبما أن الطرف الآخر، أي إسرائيل، غير ملتزمة باتفاق وقف الأعمال القتالية، فلا أحد يؤيّد نزع السلاح من دون ضمانات بأنها لن تعتدي على الجنوب مجدّدًا».
وعليه فإن أبناء «البيئة»، خصوصًا في المناطق الجنوبية، يعيشون حالة خوف كبير، وتسكنهم نظرية المؤامرة. ويقول الطبيب الزميل هـ. أ.: «إن أبناء هذه المنطقة (الجنوبية) يشعرون بأن العالم كله ضدهم وأن إسرائيل تصول وتجول وتُعربد، فيما لا يجرؤ العالم على إدانتها في مجلس الأمن أو حتى مجرد انتقادها، فكيف يمكن لبيئة الحزب أن تقبل بنزع سلاحه بهذه السهولة»؛ لكن إذا تأمن البديل؟ يرد هـ. أ.: «نحن نشعر بتهديد الداخل والخارج، وإذا كان المقصود أن يكون الجيش هو البديل، فمع كامل احترامنا وتقديرنا للجيش اللبناني، إلّا أنه لا يمكنه أن يكون بديلًا عن المقاومة، فنحن نعيش هنا في المناطق الحدودية، ونرى إمكانات الجيش أو ما هو متاح له، من خلال تجهيزاته، فإن الجيش لم يرسَل إلى هذه المنطقة من أجل الدفاع عنها عسكريًّا بل من أجل تحقيق نوع من الاستقرار الأمني، يؤدّي إلى خفض التوترات على الحدود، ونحن لا نلومه على ذلك ونتمنى أن يكون هو القوة الوحيدة المسيطرة في منطقتنا، لكنه يحتاج إلى تجهيزات لوجستية مادية وبشرية حتى يتمكن من القيام بمهمته».
وفيما تترقب الأوساط اللبنانية، السياسية والشعبية، ما الذي سيقوم به الجيش حول نزع السلاح، وإلى ماذا ستؤول، فإن «البيئة» لا تزال على قناعتها بأنه لا يمكن نزع السلاح بالقوة، «فهذا الأمر يحتاج إلى قرار سياسي واتفاق بين الأطراف السياسية، ويمكن أن يتمّ ذلك بالاتفاق والتنسيق والتسليم الطوعي للسلاح، أما خلاف ذلك لا يملك الجيش القدرات اللازمة لنزع السلاح بالقوة، وأشدِّد على أن نزع السلاح لا يمكن أن يحدث إلّا بالسياسة»؛ يقول ط. أ.، ويستطرد: «بصراحة إن معظم أبناء البيئة لا يرون أن الجيش قادر على تنفيذ قرار الحكومة بالقوة، ليس لأن الجيش لا يريد أو لا يرغب بذلك أو انتقاصًا من قيمته، وصحيح أنه مؤسسة مهنية لكنهم يرون أنه لا يملك القوة اللازمة على صعيد العتاد والعديد كما لا يمتلك الإمكانات المادية واللوجستية، لتأمين الحماية اللازمة من الأخطار الإسرائيلية التي قد تنجم عن نزع سلاح "حزب الله"».
ويضيف: «خلاصة القول إن أغلب أبناء المنطقة الجنوبية يعارضون نزع السلاح بالقوة لأنهم يعتبرون سلاح "حزب الله" يشكل عامل ردع ضد إسرائيل ويخشون من فراغ أمني حتى من بين مَن لا يرضون عن بعض ممارسات الحزب، كثيرون يخشون نزع السلاح المفاجئ».
فالسلاح إذن بالنسبة إلى الجنوبيين لم يعد مسألة تتعلق بالحزب وحده، بل تعدّته لتصبح قضية الطائفة؛ ولكن على الرغم من «التمترس» خلفه، فإن آراءً أخرى بدأت تطفو على الساحة السياسية، في «بيئة» الحزب تحديدًا، أو من الذين يعيشون في كنَفها، وينتمون إلى طوائف أخرى أو مذاهب إسلامية مختلفة، لكنهم موجودون بحكم واقع بلداتهم في مناطق سيطرة «حزب الله». فبعض هؤلاء بدأ يفكّر بمرحلة ما بعد السلاح، وفي السياق تُجاهر آ. ع.، وهي من بلدة راميا الحدودية، التي تعرّضت لدمار كبير خلال الحرب الأخيرة، بأنها مع نزع السلاح، فتقول: «أنا مع نزع السلاح، لأن الحرب أثبتت أنه غير قادر على حماية الشيعة، وهذا بخلاف ما روّج له الحزب». وترسم آ. ع.، رؤيتها لمستقبل المنطقة من خلال الاعتماد على الجيش في بسط الأمن، وبخلاف ما يكاد يُجمع عليه أبناء المنطقة، تعتبر أن الجيش يمكنه أن يؤمن الحماية المطلوبة، وأن يمنع الاعتداءات الإسرائيلية، فمن وجهة نظرها، «الجيش يمكنه ببساطة القيام بهذه المهمة إذا ما تأمّنت له الظروف السياسية المناسبة، وأنا أفضّل مشروعه على المشروع المقابل. بالنسبة لي فإن "حزب الله" هو امتداد لمشروع إيراني غريب عن بيئتنا اللبنانية وحتى الجنوبية، فالشيعة لم يكونوا بهذا التقوقع منذ أن وُجدوا في لبنان، لكن "حزب الله" أدخلهم في الكثير من حالات الانغلاق والتعصّب، أنا أراه سوادًا وهو يريد أن يتميّز بهذا السواد ويضفي على نفسه هالة من القدسية وما شابهها، وهذا لا يتفق ولا يتماشى مع المبادئ التي أؤمن بها، والتي يجب أن تسود بين أوساط الطائفة الشيعية، كبديل عن سياسة العزلة والانعزال عن بقية المكوّنات اللبنانية، فهذا البلد محكوم بالشراكة، ويجب احترام ذلك».
وبينما لا تبدي آ. ع.، رأيها في الطريقة التي يجب أن يُنزع فيها السلاح؛ تقول ف. س.، وهي صحافية تعمل في المناطق الجنوبية، إنها مع حصرية السلاح بيد الدولة «لأنني أؤمن أنه إذا وقفنا جميعنا إلى جانب الدولة وعملنا لمصلحتها، فعندها سيكون الجيش قادرًا على تحقيق مهمته وإنجازها على أكمل وجه، وهي مهمة تحقيق الأمن والاستقرار في الجنوب، وفي الوقت نفسه تحقيق الحماية اللازمة لأبناء المنطقة». وتضيف: «كنت سابقًا مع فكرة المقاومة لأنني كنت أعتبر بأنها تؤمِّن الحماية الفعلية للجنوب، أمّا اليوم وبعد كل ما مرّت به المقاومة في الحرب الأخيرة، أثبتت أنها لم تتمكّن من حماية نفسها فكيف ستكون قادرة على حماية الجنوب؟». وتتابع ف.س. قائلة: «أضف إلى أنني واقعية وأرى وكلنا نرى، حجم التطور التكنولوجي لدى إسرائيل وقدرتها على الخرق الأمني العميق لبنية الحزب ومعرفتها لأدقّ التفاصيل وسيطرتها الكاملة على أجوائنا ولاحقًا ربما السيطرة على أراضينا والدعم الأميركي لها، وهذا ما يصعّب مهمة مقاومتها». وتستطرد ف. س. قائلة: «لم يعد الحزب يُقنعني بأي خطوة ولا بأي خطاب». لكن كيف يمكن نزع السلاح؟ تجيب ف. س.: «ليس بالقوة، لكن باحتواء البيئة الشيعية ومحاولة إقناعها بأن السلاح أصبح خطرًا علينا جميعنا. لم يعد أداة حماية، وهذا ما لمسته لدى البيئة الشيعية في المنطقة، والتي باتت مقتنعة بهذا الأمر بشكل كامل، لكنها لا تجاهر به وهي تتحدث عن ذلك بالخفاء. وبالتالي إذا تمكنّا من احتواء هذه البيئة وأقنعناها بالثورة من الداخل، وأن تخوض المعارضة من الداخل، فعندها نكون قد قطعنا خطوة مهمة في مشوار الألف ميل». وتوضح ف. س. أن «خطة نزع السلاح موجودة اليوم، ولا بأس بها. فإذا تحقق التعاون الفعلي بين "حزب الله" والجيش فعندها يصبح بمقدورنا سحب السلاح بطريقة سلسة ومدروسة، تحت شعار أن السلاح يتمّ تسليمه للدولة القادرة على حمايته ووضعه حيث يجب أن يكون، وبالتالي لن تفرّط به».
وتشير ف. س. إلى أن «هناك نقطة مهمة، وهي أن الجانب اللبناني نفّذ ما عليه من التزامات بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، لكن إسرائيل لم تلتزم به، فيما لا نسمع مواقف مستنكِرة، أكانت محلية أم دولية، لهذه الاعتداءات المتكررة. وربما ذلك ما أثار حنَق الجنوبيين. مع ما يُضاف إلى ذلك الالتباس الذي تضمّنه اتفاق وقف إطلاق النار، بحيث فسَّره كل طرف على هواه، وهذا ما ولّد مشاعر سلبية لدى المتضررين خصوصًا في مناطق الجنوب أو مناطق تسكنها الطائفة الشيعية». وتتابع ف. س. قائلة: «بعض الناس يقولون إنهم تعوَّدوا على حالات الاستهدافات المتكرّرة. ويزعمون أن غارة هنا أو أخرى هناك لا فرق، نريد العيش. هذا أمر مؤسف. لكن في المقابل ثمة من يعبّر صراحة عن استيائه من الوضع القائم ويقول: نريد العيش ولا نعلم كيف سنستمر في العَيش؟».
يرى بعض أبناء «البيئة» أن هناك حلولًا يمكن أن تسّهل مهمة الدولة عبر مؤسساتها، وتقول ف. س.، إن همّ إسرائيل كما تدّعي هو تأمين الحماية لسكّان المناطق الشمالية، وإزالة التهديدات من جنوبي لبنان، وبالتالي يمكن في هذا السياق التوصّل إلى اتفاق ما، عبر لجنة «الميكانيزم» ليكون هناك اتفاقًا واضحًا قولًا ونصًّا وترجمةً عملية «لا أن يكون ازداوجيًّا أو متباينًا وحمّال أوجه وتفسيرات متناقضة، فإن أي اتفاق يجب أن يكون واضحًا ويُعمل به بحذافيره، وهذا الأمر ليس خطًا ويمكن أن نسير على هديه من أجل التوصل إلى السلام. وفي حال حدوث خلل ما في هذا الاتفاق، فعندها نكون كلبنانيين فعَلنا ما يجب علينا، ولا يلومنا أحد إذا ذهبنا باتجاهات أخرى». وتخلُص إلى القول: «كفى، لم يعد في إمكاننا القول: النصر أو الشهادة بشكل دائم».
وفي خضّم التطورات الجارية، يرى بعض أبناء «البيئة» أن هناك فرصة اليوم من أجل تسليم السلاح والقبول بالمعروض علينا، محليًّا ودوليًّا، من قِبل «حزب الله». فبالنسبة لهؤلاء، يجب تسليم السلاح وتفكيك البنية العسكرية للحزب وكل الميليشيات على كامل الأراضي اللبنانية. يقول ج. ي.: «أنا مع نزع السلاح اليوم قبل الغد، لأنه في ظلّ توازن القوى الإقليمي والدولي السائد حاليًّا فإن ما سنرفضه اليوم سنتمنّى أن نحصل على نصفه غدًا وربما أقل ولنا في "حركة حماس" نموذج، وهو الاتفاق الذي تمّ التوصل إليه، علمًا أن ما عُرض عليها قبلًا كان أكثر بكثير. وبالنسبة إلى لبنان فإن ما عُرض على "حزب الله" لوقف "جبهة الإسناد" كان أكبر بكثير، لكن في وقت لاحق تمّ إبلاغ الحكومة اللبنانية بالقبول باتفاق ينصّ على تفكيك ونزع سلاح الحزب جنوب الليطاني، مع ما نراه من اتفاق اليوم أباح لإسرائيل أن تفعل ما يحلو لها في لبنان من دون حسيب أو رقيب».
هذا الوضع، يدفع بالكثير من أبناء الطائفة الشيعية إلى تفضيل تسليم السلاح تحسُّبًا لما هو قادم للمنطقة. ويشرح ج. ي.، أن هناك أسبابًا عدة «تدفعنا إلى المطالبة بتسليم السلاح حتى لا نصل إلى مرحلة نتمنى فيها الحصول على نصف أو ربع المعروض علينا حاليًّا. وبالتالي يجب على الحزب أن يستغل الفرص المتاحة، من دون ربط سلاحه بمسألة الاحتلال الإسرائيلي لعدد من النقاط في الجنوب، فالحرب الأخيرة أثبتت فشل سردية القوة التي روَّج لها الحزب، فقد اتضح أن هناك فرقًا كبيرًا في موازين القوى بين الحزب وإسرائيل، وثبت بالدليل أن مشهدية السلاح في صورته الحزبية فشلت في تحقيق الهدف الذي وُجد ذلك السلاح من أجله».
وينبع ذلك كله من اعتقاد بات راسخًا لدى عدد كبير من أبناء الطائفة الشيعية، وهي مسألة هزيمة الحزب في الحرب الأخيرة، وهذا الشعور بات ليس لدى المعارضين للحزب فحسب بل امتد إلى المؤيّدين الذين يعبّرون عن قناعتهم بأن الحزب خسر المعركة ولا يرون في ما وقع نصرًا لا من قريب ولا من بعيد، ويستدلون على ذلك بمقتل أمين عام الحزب حسن نصرالله وغالبية قادة الصف الأول ويتحدثون عن الخروقات الأمنية والاستخباراتية التي تعرض لها خصوصًا عملية تفجير «البايجرز». فيعلق ج. ي. : «على الحزب أن يقتنع بالهزيمة ويُقنع البيئة بذلك ويبدأ في مرحلة الحد من الخسائر، وعدم اللجوء إلى خيارات انتحارية أخرى تؤدي إلى المزيد من الدمار، ليس للطائفة فحسب، بل لكل لبنان وعلى كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فالقيام بأي فكرة مقاومة على طريقة السائد صارت شبه معدومة».
لذا فإن من الأفضل بالنسبة إلى ج. ي.: «هو، أولًا الإقرار بالهزيمة، ثم لملمة الخسائر والعمل من أجل الحفاظ على الطائفة الشيعية التي تواجه خطرًا حقيقيًّا في المرحلة الحالية، على مستوى التهجير والتغيير الديموغرافي. هذه الطائفة تواجه أخطارًا كبيرة وعلى الحزب أن يُدرك جيدًا أن الأولوية هي يجب أن نتكون مواجهة تلك التحديات بطريقة مُغايرة عن السابق».
لكن ما هي تلك الأولويات؟ يجيب ج. ي.: «تكون بالتخلّي عن السلاح، والالتفات إلى إعمار القرى والبلدات التي تعرضت للدمار في الجنوب، من أجل تثبيت الناس في أرضهم». وإذ يشدّد ج. ي. على أن قضية السلاح كحامٍ للأرض لم تعد تنطلي على أحد في لبنان، يلفت إلى أن ملف التعويضات أيضًا يكتنفه الكثير من الغموض، وهذا يضيف مشكلة إضافية ومخيفة مع مجموعة المشاكل الأخرى المتعلقة بالسلاح والاستهدافات المستمرة، ويقول: «أبناء هذه الطائفة يواجهون مصيرهم ويتعرضون للاستهداف وفي الوقت نفسه لا يقدّم لهم ما يستحقونه في مقابل الدمار الذي تعرضت له بيوتهم وأرزاقهم»، وطبيعي أن يثير ذلك النقمة لدى شريحة واسعة من أبناء الطائفة الشيعية وإن لم يجاهروا بذلك علنًا.
في خضم ذلك يحاول «حزب الله» كسب الوقت على أمل وجود متغيرات ما في المنطقة، خصوصًا في الملفين الإيراني والسوري، وذلك على أمل تحسين موقعه والعودة إلى المرحلة التي كان عليها ما قبل الحرب الأخيرة. ويقول ح. إ. الذي يقطن في حارة حريك إن «البيئة شبه تائهة، فأنت تشعر في بعض الأحيان أنها مشتتة ولم تستوعب حتى اللحظة، مقتل الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله، بل هي لا تصدّق ذلك، وبين أنها تريد الاستمرار لكنها تشعر بالخوف من هجمات مباغتة إسرائيلية أو من الداخل، هي تريد أن تعيش بسلام وبدأت تفكّر في ترك السلاح جانبًا لكنها تخشى من ردة فعل "حزب الله" من جهة، ومن جهة أخرى هي تعوّل عليه في تأمين الدعم المادي الذي تحتاجه. ففي ظلّ غياب الدولة فإن غالبية أبناء البيئة يلجأون إلى مؤسسات الحزب الاجتماعية والصحية والاقتصادية وكل ما يتصل بها. وبالتالي هم يخشون الحرمان من هذه الامتيازات إن هم فكروا بالتمرد والتغريد خارج سرب الحزب». وعليه يضيف حسن: «بصراحة، لقد ملّت العالم السلاح، لم يعد هناك إيمان به، والقول إنه يؤمّن معادلات قوة ردع هو ضرب من الجنون، فنحن نقاتل بتكنولوجيا ٢٠٠٦ والإسرائيلي يعيش في العام ٢٠٣٥، هو سابق زمنه وعصره، لدرجة أن الشعور السائد حاليًّا هو أن السلاح الذي نملكه هو مجرد خردة، إذا ما قيس بما تمتلكه إسرائيل». لكن الأمر لا يتعلق بالسلاح الثقيل يقول حسن، «الأمر يتعلق أساسًا بالسلاح المتوسط والخفيف لأن الحزب والبيئة يرفضان تسليمه من أجل تأمين الحماية الذاتية في حال حدوث تطورات مفاجئة»، وينتهي إلى القول: «ربما لو مُنح الحزب حوافز داخلية وضمانات خارجية بعدم استهداف قادته وعناصره، حينها قد يقبل بتسليم سلاحه، أو أوعزت له إيران بذلك لا أحد يعلم. لكن ما أريد قوله لك، إن هناك قناعة لدى نسبة كبيرة من الشيعة بأن السلاح لم يعد يُجدي نفعًا».
على مدى أكثر من أربعة عقود عزّز «حزب الله»، ترسانته العسكرية، مرسِّخًا حضوره داخل الطائفة الشيعية كقوة مسلّحة باتت تفرض شروطها على الساحة السياسية. ذلك إنه مع وجود «حزب الله» تحوّلت الطائفة الشيعية إلى كتلة متراصة تستغل قوتها من أجل الحصول على مكاسب اقتصادية وسياسية خارج إطار الدولة. وربما ذلك ما إغرى العديد من أبناء الطائفة للانضمام إلى صفوف الحزب، ففائض القوة أمَّن لهؤلاء الشعور بالنشوة، فشعروا في مرات كثيرة بأنهم أقوى من أجهزة الدولة نفسها، كما يقول ي. ش.، وهو واحد من الذين يعيشون في مناطق «البيئة» وله علاقات صداقة مع منتمين إلى «حركة أمل» و«حزب الله» بحكم طبيعة عمله إذ يمتلك مقهى على أحد التقاطعات في الضاحية الجنوبية، حيث يجتمع لديه الشبان من مختلف الانتماءات.
يقول ي. ش.: «إن مسألة السلاح هي من أكثر القضايا التي تؤرِّق أبناء الطائفة في الوقت الراهن، ويعتقد أن المسألة لن تُغلق في القريب العاجل، خصوصًا في ظلّ "القدسية" التي يُضفيها "حزب الله" ومناصروه على السلاح، فهم يعتبرونه سلاحًا دينيًّا في الدرجة الأولى، وهم في انتظار الإمام المهدي لينصرهم على أعدائهم». ومن وجهة نظره فإن هذا الأمر يصعّب من مهمة الدولة إذا ما أرادت نزع السلاح، متوقعًا خضات أمنية كبيرة إذا فكرت الحكومة أو سواها بنزع السلاح بالقوة، وبالتالي، ومن وجهة نظره، فإن تعاظم الآراء نحو نبذ السلاح، قد لا يعني بالضرورة أن عملية نزعه ستكون قريبة أو سهلة كما يتخيّل بعض اللبنانيين، أو حتى غير اللبنانيين.
وإلى جانب ما تقدّم، ثمة من يرى داخل «البيئة» أن القرارات الكبرى، كقرار بقاء السلاح من عدَمه، لن تكون داخلية بحتة، بل هي متعلقة بأمور إقليمية، أهمها الهيمنة الإيرانية على سلاح الحزب وقراره في هذا الخصوص. ويقول ح. س.، وهو صحافي جنوبي إن: «البيئة ليست هي المؤثر الوحيد في ما يتعلق بتسليم السلاح، فهذه البيئة تتحرك وتميل بحسب أهواء قياداتها لا من تلقاء نفسها، فإذا وافق الحزب على تسليم سلاحه طوعًا، تسير على خطاه وتتبنّى خطابه، وإذا رفض فهي معه، أمّا بالنسبة إلى الموقف من الجيش، فإنها تتبنّى رأي القيادة الحزبية في ما يتعلق به». ويميز ح. س. بين موقفي الحزب و«حركة أمل» من الجيش، إذ تبدو الأخيرة أقرب إلى المؤسسة العسكرية، لاعتبارات تتعلق بأن معظم الضباط أو العناصر الشيعية نخرطون في الجيش من خلالها. ويضيف: «لكن برغم كل ذلك فإن الغالبية العظمى حاليًّا، من البيئة لا تؤيّد نزع السلاح بالقوة، وهذا ينسحب على القيادة وعلى العناصر، وعلى الناس العاديين من غير المنتسبين إلى الحزب رسميًّا». ويضرب على ذلك مثل،ًا الخطاب الذي يسوّق له أبناء «البيئة» عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهم يسخرون من قرار نزع السلاح، والقول بعبارات: «ما في سلاح في هريسة»، وغيرها من المصطلحات الفوقية. ويتابع قائلًا: «هم يلوّحون بانقسام الجيش، ويُذكّرون بـ٦ شباط سرًّا وعلانيّةً، وبالتالي نلاحظ أن الغالبية العظمى تتبنّى هذا المنطق. وربما ما عزّز هذا الفكر لديهم هو استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، والغارات وسقوط شهداء».
من جهته، يلفت أ. أ.، المؤيد شخصيًّا لنزع السلاح، إلى أن «أبناء البيئة مع السلاح ليس انطلاقًا من مبدأ المقاومة الذي كان سائدًا قبل الحرب ولا من باب الدفاع والتحرير، بل هم الآن معه لأنه هو السبب في أن الآخرين يأخذون بحسبانهم الطائفة ومكانتها، ولا شيء سواه». وعن الاستهدافات الإسرائيلية شبه اليومية، يقول: «إن هذه الاستهدافات هي التي تبرّر اليوم لأبناء الطائفة الشيعية في المنطقة بأن يتمسّكوا بالسلاح أكثر من أي وقت مضى».
بالإضافة إلى موضوع السلاح، تشكّل تعويضات الحرب هاجسًا لدى الغالبية من أبناء الطائفة الشيعية، والطوائف الأخرى، الذين يعيشون في ضاحية بيروت الجنوبية وسواها من القرى والبلدات الجنوبية التي تعرضت إما لدمار شامل، كبلدات محيبيب والجميجمة، أو إلى دمار كبير، كما هي حال الكثير من المدن والبلدات الجنوبية. فحتى اليوم لا سياسة رسمية واضحة في خصوص إعادة الإعمار، ولا مبادرات من قِبل «حزب الله» الذي تسبب بالحرب للتعويض على الأهالي، باستثناء تعويضات للأضرار الطفيفة، والتي لم يتمّ توزيعها بشكل عادل أو على كل المتضررين، في خطوة اعتبرها بعض أبناء المنطقة بأنها «تمييز» مجهول الأساس. وفي هذا السياق، تقول ف. س. إن «التعويضات لم تشمل الجميع، هناك مَن حصل عليها وهناك من لم ينَلها. والشائع بين الناس في المنطقة هو أن المنتسبين رسميًّا والمنتمين كليًّا لـ"حزب الله" حصلوا على تعويضات مقابل الأضرار التي تعرّضت لها بيوتهم، لكنّ الآخرين غير المحسوبين على الحزب، فلم يحصلوا على دولار واحد. أمّا بالنسبة إلى التعويض مقابل البيوت التي دُمرت بالكامل فإنه لا تعويض عليها حتى اليوم». وتضيف أن «هذا الأمر خلَق نقمة لدى الجنوبيين خصوصًا، ونفور كبير، ومقارنة بين ما يجري اليوم وما حدث بعد حرب العام ٢٠٠٦، وبشكل عام فإن الوضع ليس مريحًا بالنسبة للكثيرين من أبناء المنطقة. هم خائفون اليوم بألّا يحصلوا على التعويضات وألّا يتمكّنوا من العودة إلى بلداتهم، بعد كل ما مرّوا به». وتلفت إلى أن «الناس تقول بخلاف ما تُضمر. فهم لا يتجرّأون على البَوح بمقدار وجعهم حتى لا يُحدث ذلك ردّات فعلٍ انتقامية من قبل "حزب الله" فيخسروا التعويضات التي ينتظرونها بفارغ الصبر».
وفي سياق وجهة النظر هذه، يؤكّد أ. أ.: أن ملف التعويضات أثار الغضب والحقد في الشارع الشيعي، خصوصًا إن «كل المقرَّبين من الحزب قبضوا تعويضاتهم وأجروا الترميمات اللازمة لمنازلهم، فيما الآخرين من غير الحزبيين، إلى الآن لم يلتفت إليهم أحد ولم يحصلوا على التعويضات اللازمة»، ويضيف: «تعامل "حزب الله" مع الناس بطريقة فوقية وفيها الكثير من الكذب والنفاق، وهذا ما أزعج الكثير من الناس وأثار نقمتهم عليه».
بعيدًا من الناس وبغضِّ النظر عن مشاعرها، تنشط في «كواليس» مواقع التواصل الاجتماعي غُرف تُدير حسابات على مواقع أهمها: «أكس» و«فايسبوك» للترويج لسردية الحزب في ما يتعلق بالحرب ونتائجها وآخر تطورات قضية تسليم السلاح. بعض تلك الحسابات تكون وهمية، والآخر حقيقية تحمل أسماء حقيقية، يتفاخر أصحابها بـ«النصر» الذي تحقق في الحرب الأخيرة والإنجازات الكبيرة. وهي إنجازات افتراضية كالحسابات التي تشيّع لها، علمًا أن اصحاب تلك الحسابات أنفسهم يدركون جيدًا واقع الخسائر الكبيرة التي تعرض لها الحزب عسكريًّا، والخسائر البشرية والمادية الأكبر التي تعرّض لها أبناء الطائفة الشيعية. لكن في إطار التبرير لما يُقدم عليه هؤلاء، يتضح بشكل لا لُبس فيه أن الحمَلات الإعلامية التي يقوم بها الناشطون المنضوون تحت لواء «حزب الله» تأتي بالدرجة الأولى كردٍّ على الهجمات والمواقف التي يتعرض لها الحزب والطائفة الشيعية من قِبل حسابات أخرى محسوبة على أحزاب سياسية لبنانية مناوئة له. وقد بالغت الأخيرة في هجومها على الطائفة الشيعية من دون أن تحصر خصومتها مع «حزب الله»، بل تعدَّته إلى الإساءة إلى رموز الطائفة الشيعية ولأبنائها ككل.
ومما يمكن ملاحظته بشكل لافت للانتباه، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أن الناشطين والمؤثِّرين المحسوبين على «حزب الله» إضافة إلى السواد الأعظم من أبناء «البيئة» يتطرقون إلى قرار الحكومة حول حصرية السلاح بيد الدولة ونزع السلاح بالدرجة الأولى وبشكل يومي، في حين يتعاملون مع الاستهدافات الإسرائيلية اليومية والمتكرّرة، من منظور إنساني، أمّا الأبرز فهو شبه غياب تام للحديث عن التعويضات والبدَلات المادية وكل ما يتصل بها. وتعليقًا على هذا الأمر يقول أحد المؤثّرين من خارج بيئة الحزب «إن السبب في ذلك هو أن معظم هؤلاء إن لم نقُل جميعهم نالوا تعويضاتهم، هذا في حال تعرضت منازلهم لأضرار خصوصًا أن بعضهم يسكن خارج ضاحية بيروت الجنوبية والمناطق التي تعرّضت للقصف في الحرب الأخيرة. وبالتالي من الطبيعي ألّا يثيروا هذا الملف، لأنهم من المتكسِّبين من الحزب».
تشكل مجموعة المؤثِّرين التي تدور في فلك «حزب الله» ماكينة إعلامية متكاملة. وتعمل تحت شعار عدم الانتماء لـ«حزب الله» أو تمثيله أو تمثيل مؤسساته الإعلامية كحالة المدعو علي الرضا برو، وهو أحد أبرز الناشطين عبر وسائل التواصل خلال الأشهر الأخيرة، بسبب تهكُّمه الدائم على رئيس الحكومة نواف سلام، وما أثاره ذلك من تداعيات خصوصًا عندما أُحيل برو، بسببها، إلى القضاء. وتجدر الإشارة إلى أنه من أصل ١٠٠ فيديو لبرو عبر وسائل التواصل الاجتماعي فإن نسبة ٩٠ في المئة منها تتعلق بنواف سلام والقضايا السياسية المرتبطة بقضية السلاح، أما بالنسبة لموضوع الاستهدافات فتأتي من باب التحشيد الإنساني، فيما تظلّ مسألة التعويضات غائبة عما ينشره.
وإضافة إلى برو ينشط عدد من الإعلاميين والإعلاميات وصنّاع المحتوى في بيئة الحزب، كسحَر غدار وجمال شعيب. وتركّز غدار في محتواها عبر منصة «أكس» على القضايا السياسية والتعبوية بالدرجة الأولى من خلال نشر صوَر وفيديوهات عن «الشهداء»، وفي موازاة ذلك تخوض حملة على رئيس الحكومة نواف سلام، خصوصًا في ما يتعلق بقضية صخرة الروشة التي حازت على اهتمام مغرِّدي الحزب. أما بالنسبة إلى التعويضات فتتبنّى سحَر غدار وجهة النظر التي يطرحها الحزب بشكل عام، ففي إحدى تغريداتها كتبت: «صباح الخير يا جنوب... يا كل الشرف ببلد نسي أنك عنوان ومركز وبوصلة كرامته. أما معركة منع الإعمار صهيونية والّي قايدها بالبلد صهيوني ومكتر...»، ونشرت معها فيديو يتعلّق بالغارات على منطقة المصيلح. ويظهر بوضوح من خلال نشاط غدار الإعلامي بأن المعركة هي ضد الحكومة بشخص نواف سلام، أما المضمون فيعتمد على المنطق التخويني و«صهينة» الآخر وهي الطريقة التي يعتمدها كل مغرّدي الحزب ويُطلقونها على كل مَن يخالفهم الرأي، وهذا بطبيعة الحال «شيطنة» متعمّدة، وقد اعتبرها مغرّدون مناوئون للحزب بأنها تصل حدّ التهديد بالقتل.
أبرزت وسائل التواصل الاجتماعي عمق الهوَّة بين جمهورين متضادين، فـ«البيئة» تصرّ على اعتماد القوالب الجاهزة في الرد على معارضيها، وهي صفات بمجملها تدلّ على توجيه الاتهامات إلى المعارضين بأنهم «عملاء» للخارج على ورأسهم إسرائيل، فيما يتمّ اتهام المعارضين الشيعة بأنهم «شيعة سفارات». وإضافة إلى هذه الاتهامات هناك أخرى متعلقة بالاتهام بـ«التحريض الطائفي وبثّ الفتن والنعرات»؛ وفي إحدى تغريداتها تكتب غدار في إشارة إلى الشيخ حسن مرعب: «أطفأ دار الفتوى الفتنة ومنعها من الصلاة يوم الجمعة».
ثمة حرب كلامية تدور بين «المعسكَرين»، وتجاوزت في مرات كثيرة ولا تزال، حدود الخلاف السياسي إلى الشتم وإطلاق الألفاظ النابية، والإساءات للأعراض وسواها من المصطلحات التي لا تَشي بأنها قائمة على خصومة سياسية. وهذه ليست حكرًا على جمهور معيّن، بل إن غالبية الناشطين والمؤثّرين على وسائل التواصل الاجتماعي باتوا من «الشتّامين»، بحيث إن تعليقاتهم لم تعد تعبّر عن موقف سياسي واضح.
وبالعودة إلى مؤثّري «بيئة حزب الله»، فكما ورد أعلاه، إن القضايا الأساسية بالنسبة لهم هي المتعلقة بالحكومة وقرار نزع السلام، فيما تغيب القضايا المعيشية وعلى رأسها ملف التعويضات. ويركز جمال شعيب في تغريداته على الإشارة إلى قوة «حزب الله»، ومقدرته على الحشد، ومنها قضية «كشافة المهدي»، إذ يشير في هذا السياق إلى أن لـ«حزب الله» أكثر من ٧٤ ألف كشفي، بالإضافة إلى كل ما يرتبط بالقوة العسكرية لـ«حزب الله» وإيران، وكل ما يتعلق بالمقاومة لإسرائيل. أما بالنسبة إلى التعويضات وملف إعادة الإعمار فيتمّ دائمًا ربطه بالدولة اللبنانية.
ومن خلال الحوارات المباشرة وقراءة وسائل التواصل الاجتماعي يمكن تسجيل عدد من الملاحظات:
- إن موقف أبناء الطائفة الشيعية ليس موحّدًا بالنسبة للعديد من القضايا الطارئة والملحّة. كما أنهم لا يبيحون للإعلام بما في نفوسهم وذلك لأسباب لا تقوم على الخوف فقط، وإنما لاعتبارات الخوف من سخرية الآخرين، وبعضهم يُدرجها في إطار الحفاظ على مصلحة الطائفة الشيعية، وأن الوقت الراهن هو للتكاتف من أجل مواجهة الأخطار المحدِقة بالطائفة.
- تختلف آراء أبناء الطائفة الشيعية، حتى مَن هم من داخل «بيئة» الحزب. فبعد الحرب الأخيرة تنامت القناعة بأن السلاح المتوافر حاليًّا لن يكون في مقدوره مواجهة إسرائيل بسبب الفوارق في التسليح، وبسبب الشعور بأن «البيئة» مخترَقة، وبالتالي فإن الحزب لم ينجح أمنيًّا وعسكريًّا وعليه، لا يمكنه اعتماد نموذج المقاومة السابقة إذا ما أراد محاربة إسرائيل.
- ارتفع عدد المطالبين بحصرية السلاح بيد الدولة، ووجوب أن تتولّى الدولة مهمة حماية الجنوب وأهله، لكن الاختلاف حول الطريقة فغالبية المطالبين بحصرية السلاح يفضلون أن يتمّ ذلك طوعًا وعن طريق الحوار منعًا لإثارة الفتنة والحرب الأهلية.
- معظم أبناء «البيئة» يتبنّون مواقف قياداتهم في ما يتعلّق بالسلاح أو الجيش أو الدولة، والقيادة موزّعة بين «حركة أمل» و«حزب الله»، هي التي توجّه جمهورها في الاتجاه الذي تريده. كما تلعب القيادة دورًا في تشكيل الوعي السياسي لدى «البيئة». يرى البعض أن التغيير يجب أن يتمّ من داخل «حزب الله» نفسه، وأن يجري العمل للتوصل إلى تفاهمات مع الحزب من أجل إقناعه بضرورة تسليم السلاح للحفاظ على الطائفة الشيعية وأبنائها. لكنهم يُجمعون على أن نزع السلاح لا يمكن أن يتمّ بالقوة ويرفضون هذا الأمر جملةً وتفصيلًا، باستثناء بعض الأصوات التي ترى أن على الدولة أن تقوم بواجبها بالطريقة التي ترغب بها.
- الخروقات والانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار تشكّل هاجسًا لدى أبناء البيئة، وخلقت لديهم شعورًا بالإحباط إذ باتوا يقارنون بين المراحل السابقة والحالية، ويرون أن إسرائيل لم تعد مردوعة كما في السابق وأن أي حرب جديدة معها ستؤدّي إلى دمار أكبر من الحرب السابقة وخسائر أكبر. ويعلل الكثير من أبناء «البيئة» موضوع سكوت «حزب الله» على الاعتداءات بحجة أنه يعمل في لبنان، وهذا الأخير ليس مجتمعًا من لون طائفي واحد كغزة وبالتالي لم يعد بمقدوره جرِّ اللبنانيين الآخرين إلى حروب لا يُريدونها.
- يرى غالبية أبناء «البيئة» أن الدولة غائبة عن مشاكلهم وقضاياهم، بل غير موجودة كليًّا، وعليه يتساءلون: كيف نطمئن للدولة وهي تتخذ موقف المتفرج من الاستهدافات والاعتداءات التي تُشنُّ من قِبل إسرائيل ؟ وعلى هذا الأساس يُجمع هؤلاء بأنهم مع منطق الدولة إذا التفتت لهم واهتمت لقضاياهم.
- يُثير ملف التعويضات الحنَق داخل بعض أبناء «البيئة»، خصوصًا في ظلّ التمييز الذي تمّ في بعض القرى على صعيد توزيع البدَلات المادية، إذ يتردد أن الحزب عوَّض، بالنسبة للأضرار الجزئية أو البسيطة، على المقرّبين منه فيما لم يمنح آخرين هذه البدَلات. وتختلف الآراء بين أبناء المناطق المتضررة بين مَن يعترض بغضب لكنه يرفض البَوح بموقفه علنًا حتى لا يتم ّحرمانه من التعويض، وبين مَن يؤيّد دون تردّد موقف الحزب ويرمي مشكلة التعويض على الدولة اللبنانية. وهذا بدوره يثير الجدل بين أبناء البيئة خصوصًا أن بعضهم يرى أن الدولة ليست هي مَن أعلنت الحرب وإنما «حزب الله» وبالتالي، فإن الأخير هو المسؤول عن التعويض، لكن في المقابل يردّ المؤيّدون بأن الحزب كان يمكن أن يعوّض لو لم تشترك الدولة في حصار الحزب ماليًّا ومنع إدخال الأموال الإيرانية إلى البلد.
- تبرز وسائل التواصل الاجتماعي عمق الفجوَة بين الواقع والعالم الافتراضي، إذ تعمد بعض الحسابات المناصرة لـ«حزب الله» إلى الترويج والتسويق لانتصارات باتت افتراضية أكثر من كونها واقعية، فجزء يسير من أبناء الطائفة الشيعية باتوا على قناعة تامة بأن الحديث عن انتصار في الحرب الأخيرة ليس سوى مسألة افتراضية لا تمتّ إلى الواقع بصلة، ويدلّون على ذلك بالاغتيالات والغارات المستمرة في لبنان على الرغم من توقيع اتفاق وقف العمليات العسكرية.
- وفي الختام يعوّل الكثير من أبناء الطائفة الشيعية على متغيّرات تتعلّق بالوعي الثقافي والسياسي لأبناء الطائفة وأجيالها الجديدة، ويرون أن التغيير لا بدّ أن يحدث من داخل بيئة «حزب الله» و«حركة أمل» حتى لو كان ذلك بالانقلاب على المفاهيم السائدة، وذلك إذا كانت هناك رغبة حقيقية بالحفاظ على الطائفة الشيعية ومكتسباتها.
في المحصلة، يبقى واضحًا أن موقف أبناء الطائفة الشيعية حتى المحسوبين على بيئة الحزب أو ما يسمى بالثنائي الشيعي، ليس واحدًا، إذ يختلفون في ما بينهم حول جملة قضايا، لعل أبرزها ما يتعلق بضرورة حصرية السلاح بيد الدولة وعدم بقاء مناطقهم كجبهة مفتوحة في سبيل إسناد جهات خارجية، وما يتفرّع عن ذلك من الملفات المتعلّقة بالإعمار، وإن كانوا يُجمعون على أحقّية أهل الجنوب في الدفاع عن أرضهم ورفضهم للاعتداءات الإسرائيلية المستمرة. وبالتالي فإن ما ينتظره هؤلاء هو تغيير جذري ينقل الطائفة الشيعية من موقعها الحالي إلى موقع آخر تحتفظ فيه بقوتها لكن في إطار الحسابات المحلية لا الإقليمية أو الدولية.





