
هذه الولاية اغتالت التشيّع نفسه. المذهب الذي عاش قرونًا في موقع النقد والرّيبة من السلطان جرى تحويله إلى أيديولوجيا طاعة عمياء. الغيبة أُلغيت عمليًا والانتظار استُبدل بالوصاية والفقه تحوّل إلى مرسوم أمني. فقيه غير منتخَب، غير قابل للمساءلة نُصّب إلهًا سياسيًّا يقرر الحرب والسلم ومصير الشعوب ويُطالب الناس بالخضوع باسم السماء. هذا ليس دينًا بل استبداد لاهوتي فجّ. وحين فُقدت الشرعية جرى تعويضها بالعنف. التاريخ سُلِّح وكربلاء حُوّلت إلى خندق والحسين اختُطف ليُستعمَل راية قتل. كل معارض صار «يزيديًّا» وكل دولة مستقلة صارت عدوًّا وكل مجتمع ساحة حرب. هكذا اشتعلت المنطقة، دول مكسورة، مجتمعات منهَكة وحروب أهلية تُدار بعقلية ثأر ديني مزيّف بينما الحقيقة واحدة هي صراع نفوذ عارٍ يُدار باسم الله. ولاية الفقيه لا تعترف بالأوطان بل بالأدوات. لا ترى شعوبًا بل جماعات وظيفية. حيثما حضرت، غابت الدولة وحضر السلاح، انهار الاقتصاد وانتشرت شبكات التهريب وتحوّل الفقر إلى سياسة والخراب إلى نظام. إيران نفسها صارت دليلًا دامغًا: بلد غني محكوم بالجوع وشعب محاصَر فيما الحرس الثوري يبني إمبراطورية فساد ودم خارج الحدود.
اليوم، حين يهتف الشعب الإيراني ضد المرشد، فهو لا يطالب بإصلاح بل يُعلن نهاية الأسطورة. ولاية الفقيه لا تسقط لأنها قصّرت بل لأنها كذبة كبرى. لا الله فوّضها ولا التاريخ يرحمها ولا الشعوب ستغفر لها. ما نشهده ليس أزمة نظام بل انهيار خرافة وسقوط آخر طغيان تجرّأ على ارتداء عباءة القداسة.





