03・02・2026
من العدد ٣٠
ولاية الفقيه: من عقيده مُعلَّقة إلى سلطة مُطلَقة

ولاية الفقيه لم تكن خطًا في التطبيق بل جريمة في الفكرة. هي ليست اجتهادًا فقهيًّا ولا قراءة سياسية بل استيلاء كامل على الدِّين وتحويله إلى أداة حكم قسري. ما سُمّي مشروع عدالة كان منذ لحظته الأولى مشروع سلطة مطلقة صادر الله لحساب فقيه وصادر الناس لحساب جهاز أمني وصادر الدولة لحساب ميليشيا. هنا لا نتحدث عن نظام أخفق بل عن خرافة فُرضت بالقوة ثم انهارت تحت ثقل دمها وخرابها.

هذه الولاية اغتالت التشيّع نفسه. المذهب الذي عاش قرونًا في موقع النقد والرّيبة من السلطان جرى تحويله إلى أيديولوجيا طاعة عمياء. الغيبة أُلغيت عمليًا والانتظار استُبدل بالوصاية والفقه تحوّل إلى مرسوم أمني. فقيه غير منتخَب، غير قابل للمساءلة نُصّب إلهًا سياسيًّا يقرر الحرب والسلم ومصير الشعوب ويُطالب الناس بالخضوع باسم السماء. هذا ليس دينًا بل استبداد لاهوتي فجّ. وحين فُقدت الشرعية جرى تعويضها بالعنف. التاريخ سُلِّح وكربلاء حُوّلت إلى خندق والحسين اختُطف ليُستعمَل راية قتل. كل معارض صار «يزيديًّا» وكل دولة مستقلة صارت عدوًّا وكل مجتمع ساحة حرب. هكذا اشتعلت المنطقة، دول مكسورة، مجتمعات منهَكة وحروب أهلية تُدار بعقلية ثأر ديني مزيّف بينما الحقيقة واحدة هي صراع نفوذ عارٍ يُدار باسم الله. ولاية الفقيه لا تعترف بالأوطان بل بالأدوات. لا ترى شعوبًا بل جماعات وظيفية. حيثما حضرت، غابت الدولة وحضر السلاح، انهار الاقتصاد وانتشرت شبكات التهريب وتحوّل الفقر إلى سياسة والخراب إلى نظام. إيران نفسها صارت دليلًا دامغًا: بلد غني محكوم بالجوع وشعب محاصَر فيما الحرس الثوري يبني إمبراطورية فساد ودم خارج الحدود.

اليوم، حين يهتف الشعب الإيراني ضد المرشد، فهو لا يطالب بإصلاح بل يُعلن نهاية الأسطورة. ولاية الفقيه لا تسقط لأنها قصّرت بل لأنها كذبة كبرى. لا الله فوّضها ولا التاريخ يرحمها ولا الشعوب ستغفر لها. ما نشهده ليس أزمة نظام بل انهيار خرافة وسقوط آخر طغيان تجرّأ على ارتداء عباءة القداسة. 

مقالات مشابهة
29・07・2026
تقديرات أوَّلية: فاتورة الدمار ٢٥ مليار دولار وخسارة غير مسبوقة في القدرة الإنتاجية
داود رمّال
تشير تقديرات أولية وتقارير اقتصادية دولية يجري إعدادها إلى أن نحو ٣٠ في المئة من القدرة الإنتاجية للبنان أصبحت عمليًّا خارج دائرة العمل نتيجة الواقع العسكري في الجنوب، حيث أدّت السيطرة الإسرائيلية المباشرة أو بالنيران على مساحات واسعة منه إلى تعطيل النشاط الاقتصادي في منطقة تمثّل أحد أهم محركات الاقتصاد الحقيقي. ولا يتعلق الأمر فقط بتوقف المؤسسات عن العمل..
21・07・2026
أوهام الانتصار الرمزي: كيف يهرب الخطاب الخشبي من كلفة الواقع؟
أكرم محمود
في أحد خطابات للشيخ نعيم قاسم اعتبر فيه أن «منع إسرائيل من الاستقرار في الأرض وقتلنا ليس بالشيء الهيِّن»، يمثل ذروة هذا النهج الهروبي. إنه منطق يعتمد بالدرجة الأولى على تزوير الحقائق القريبة، وقلب الأدوار، وصناعة ذرائع وهمية لتبرير كارثة استراتيجية دفع ثمنها، لبنان وجنوبه، من دمائه ومستقبله.
14・07・2026
لبنان بين مفاوضات واشنطن وسويسرا: استفادة محتملة أم ثمن مدفوع؟
جاد الأخوي
الخلاصة الأقرب إلى الواقع أن لبنان لا يقف اليوم في موقع المستفيد الأول ولا في موقع الضحية الكاملة، بل في منطقة وسطى بين المعادلتين. فهو يستفيد من كون مصلحة إيران في إنجاح تفاهماتها مع واشنطن تدفعها إلى ممارسة ضغوط لتثبيت وقف النار في لبنان، وهو زخم دولي لم يكن متوافرًا بهذا المستوى من قبل.
أيضاً للكاتب/ة
09・07・2026
الدويلة تلتهم الدولة أو معادلة الوطن في خدمة «المقاومة»
علي الضيقة
أسّس هذا التحالف الميليشياوي لـ«دولة الفساد العميقة» التي حمَت الكارتيلات الاحتكارية والمصارف وهرّبت الثروات والمواد الأساسية عبر الحدود. هذا النهب المنظَّم لم يكن طعنة في ظهر الوطن فحسب بل كان، للمفارقة، الطعنة الأكبر الموجهة لـ«جمهور المقاومة» نفسه، للـ«بيئة الحاضنة» والجمهور العام الشيعي.
19・05・2026
وطن يأكل أبناءه، بعلبك الهرمل... ساحة العزاء المفتوحة
علي الضيقة
إنها الجنائز التي لا تنتهي والمواكب التي تشقُّ صمت البقاع لتزرع في ترابه غصّة لا تُمحى. تمتد الطريق من بعلبك إلى الهرمل كشريط من الوجع المعلّق فوق هامات الجبال، هناك حيث يسير الموت متبخترًا ببدلته المرقطة، يخطف شبابنا الذين ما زالوا في عمر الورد ويقتلعهم من أحضان أمهاتهم ومن بين يدَي أطفالهم ليُعيدهم إلينا جثامين باردة وصوَرًا تُعلَّق على الجدران الصامتة.
16・04・2026
عن المقامرة بالدماء اللبنانية في ساحات التفاوض الاقليمي
علي الضيقة
لقد حان الوقت لنزع القناع عن الوجوه التي باعت بيروت في سوق النخاسة الإقليمي والاعتراف بأن العدو الحقيقي للقمة عيشنا هو ذلك الفكر الظلامي الذي يقدم مصالح «الولي الفقيه» على مصلحة العامل والفلاح والطالب. إن البركان الذي يغلي في صدور الجائعين لن تُخمده الخطابات الرنانة والزلزال الذي بدأ في أمعاء الأطفال الخاوية سيهدم عروش كل الذين تاجروا بآلامنا ليرضوا أسيادهم...