
في المجتمع الذي تحلّ عليه الكارثة وتتوالى فيه الأزمات، وتُلبَس القرارات المصيرية فيه لباس الفضيلة، لا يبقى الصراع سياسيًّا أو عسكريًّا فحسب، بل يتحول إلى صراع فكْر، ويصبح من الضروري إخضاع الخطاب والسردية لا الفعل وحده، لمساءلة عقلانية وأخلاقية وفقهية. مساءلة في ظلال المصلحة العامة وحق المجتمع في العيش بأمان وسلام وكرامة.
إن المراقب لسلوك «حزب الله» على الصعيد الداخلي وعلى صعيد حروبه العسكرية، سواء تلك التي خاضها في سوريا أو غيرها، أو الحرب الأخيرة التي أطلقها إسنادًا لغزة، يجد أنه يبني سردياتها على أساس مصلحي ضيق، ومنهج تبريري أمام الآخرين، ومنهم البيئة الشيعية التي دفعت أثمانًا باهظةً نتيجة ذلك. لذلك نجد أن ما يطرحه من عناوين في نطاق ما، يناقضها في آخر. ويسلك في التخريج لهذا التناقض أداة التشخيص الذاتي المناسب التي يعطي لنفسه الحق الحصري فيه. وهذا أمر طبيعي عنده، ولم ينطلق فيه حصرًا من عامل القوة الذي كان يملكه، بل من عنوان آخر آيديولوجي يتبناه ويعتقد به، وهو «الولاية». فالحزب يعتبر أن له الولاية في كل شيء يراه مناسبًا، ولاية على البلاد والعباد.
يُعتبَر يوم ٨ أوكتوبر ٢٠٢٣ يوما تاريخيًّا لا يُنسى من ذاكرة اللبنانيين عمومًا والطائفة الشيعية خصوصًا وشيعة الجنوب بأخصّ الأخص، كونهم تحمّلوا فاتورة الكلفة الأكبر من هذا التهوّر الذي حصل عبر فتح جبهة الجنوب بعد مرور يوم واحد من عملية «طوفان الأقصى» التي بدأتها «حركة حماس» في غزة ومحيطها.
بالنسبة إلى الجنوبيين، لا يمكن تجاوز آثار ما حصل قبل سنوات طويلة قادمة. فالحرب لم تتوقف بعد ، حتى اليوم، بل هي مستمرة وآخذة شكلًا جديدًا متوافقًا ومنسجمًا مع نتائج الحرب المفتوحة التي أطلق الحزب عليها اسم حرب «أُولي البأس»، وانتهت في ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤ من خلال اتفاق استسلامي، ما زال الحزب يحاول التنكّر له في خطاباته وسلوكياته. وخسائر ما بدأه الحزب مستمرة يوميًّا بنزيف مستمر بشريًّا وماديًّا، جغرافيًّا وديموغرافيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا...
بسبب الكلفة الكبيرة التي وقعت، وبدل مصارحة الشعب اللبناني عامة، والشيعي خاصة، وإضافة لعناوين الواجب الديني والإنساني، عمد الحزب وفي مناسبات عديدة لتعميم فكرة «الواجب الأخلاقي» على الطريقة الكانطية، نسبة للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، في أبعاد محددة مجتزأة منها لتبرير ما أقدم عليه. في هذه السردية، عمد ولا يزال إلى تسويق تدخله الكارثيّ النتائج في هذه الحرب، والذي لا يمكن فصله عن مسار المحور الإيراني المنتمي إليه، على أنه عمل أخلاقي افتقده غيره، وقائم على دعم المستضعَفين ومساندتهم في العدوان الإسرائيلي عليهم وحماية حقوقهم وتحقيق أهدافها. وكأنه بذلك يَروم تجاوز كل خطابات السنين الماضية السياسية والعسكرية عن وحدة الساحات والمعركة الكبرى المنتظرة ودخول الجليل والصلاة في القدس وغيرها.
إن تقمّص الحزب لسردية الأخلاق الكانطية، كحصان ركبه هربًا من النتائج، لا يتناسب مع هوية الحزب الدينية والأصول - فقهية. فالسلوك العملي للواجب الأخلاقي الذي يعتمد النيّة الحسَنة بعيدًا من النتائج المترتبة على الفعل، وتقييم الفعل على هذا الأساس، يصطدم بعنوان أصولي - فقهي قائم على التزاحم في المصالح وكيفية ممارسته، والذي يميل بشكل ما إلى النظرية النفعية في الأخلاق التي تُقَيّم الأفعال بناء للنتائج.
إن قاعدة التزاحم هي قاعدة أصولية تتناول تعارُض واجبَين شرعيّين في مورد واحد لا يمكن الجمع بينهما. وقد تنوّعت التعريفات لها بين المتخصصين، ولكنها كلها دارت في مقام التنافي بين حكمَين لعدم القدرة على الجمع بينهما. وقد عرّفها الراحل محمد باقر الصدر بأنها «التنافي بين الحكمَين بسبب عدم قدرة المكلّف على الجمع بينهما».
ورغم تضادها أو تناقضها مع نظريته الأخلاقية التي تبنّاها بخصوص فتح جبهة لبنان في ٨ أوكتوبر، استخدم «حزب الله» هذه القاعدة التزاحمية في سياسته الداخلية في لبنان لمصلحته الحزبية، ووظّف لها جمعًا من المعمَّمين تناولوها شرحًا وتبريرًا، وكله على حساب مصالح لبنان والعباد. وعلى هذه القاعدة التزاحمية أقام الحزب تحالفات، وسكت عن الفساد، ودعم أركان المنظومة السياسية، ووقف في وجه مطالب الناس. فطارت الودائع، وانهارت البلاد، وضاعت مصالح العباد، وهاجرت الشباب. وكانت السردية عنده لكل ما حصل تقوم على ترجيح واجب السلام والهدوء الداخلي على حساب واجب بناء الدولة العادلة ومحاربة الفساد وغيره.
لكن هل فعل ذلك في الملف الأقسى، ملف المواجهة مع إسرائيل عندما قرر منفردًا فتح جبهة الجحيم على لبنان يوم ٨ أوكتوبر؟ هل درس تزاحم المصالح بين واجبه الأخلاقي تجاه الشعب الفلسطيني من جهة وواجبه تجاه لبنان وشعبه عامة، ومجتمعه الشيعي اللبناني خاصة، من جهة أخرى؟
ذكر علماء الأصول احتمالات على ترجيح أحد المتزاحمَين على الآخر، أحدها من حيث الملاك والمصلحة فعلًا وتركًا هو «تقديم الأهم على المهم» سواء بخصوص النفع أو دفع الضرر. وهذا التقديم يتناغم مع مقاصد الشريعة المستقاة من القرآن والروايات بخصوص الترجيح. تلك المقاصد التي تتضمن في ما تتضمنه حفظ النفس والمال. فهل كان الحزب يرى موضوع فلسطين أهم نفعًا من موضوع لبنان وشعبه وطائفته؟ وهل كان يرى أن فتح جبهة لبنان في هذه الظروف أقل ضررًا من إبقائها هادئة؟ وهل كان يرى فعله منسجمًا مع مقاصد الشريعة التي تتضمن حفظ النفس والمال؟
اليوم، وبعد وقوع الواقعة التي ليس لوقْعتها كاذبة، لم يعد يعني الشعب اللبناني والمجتمع الشيعي فيه ما كان يدور بخُلد أصحاب القرار في الحزب، وكيف وفّقوا بين هذه التناقضات في سلوكياتهم. ما يعنيهم بالضرورة هو أين هم اليوم وإلى أين سائرون، وهل سيكبح «حزب الله» جماح مصالحه الشخصية لإيقاف المذبحة التي قادَهم إليها. فالمتابع لسلوك الحزب بعد نهاية الحرب يرى بوضوح أن شيئًا لم يتغير في ذهنية هؤلاء وكيفية تعاطيهم مع الأمور، رغم كل ما حصل. وأنهم لا زالوا يغرّدون خارج سرب المصلحة العامة الوطنية والاجتماعية والاقتصادية، وحتى خارج مصلحة وجود مجتمعهم الشيعي الخاص، وهم مستمرون في تبنّي سردية خطاب عتيق أو مُعاد التدوير.
ختامًا، إن ما حصل في ٨ أوكتوبر لم يكن إلّا خلَلًا في ميزان الأولويات. ولا يمكن لأي جهة كانت أن تصادرَ حق أي مجتمع في الحياة، ولا أن تقفزَ فوق الكلفة البشرية والاجتماعية والاقتصادية الباهظة، بخطابات رنّانة متنوعة تدور حول الولاية والواجب الأخلاقي وغيرهما. فالعناوين الدينية والأخلاقية التي تُنزَع عن مقاصدها ونتائجها من الطبيعي أن تتحولَ إلى أداة سلطة. واليوم باتت الأولوية لسؤال حقيقي ضروري هو: إلى متى سيبقى المجتمع اللبناني عمومًا، والشيعي خصوصًا، وقودًا لصراعات يدفع فيها ثمن خيارات لم يُستشَر بها، ولم تراعَ فيها مصلحتُه، ولم تُحسَب كلفتُها في أي ميزان واقعي بعيدًا عن تخريجات السرديات الموجّهة؟






دائمًا، عند أقرب فرصة، تتكرّر جدليّة الالتحاق بالمحاور كمادّة للنقاش. فخَيار الانضمام إليها سياسيٍّا وعسكريًّا ليس شيئًا جديدًا في السياسة والعسكر، بل هو أمر ضارب في جذور التاريخ.