
تشير معطيات دبلوماسية متقاطعة إلى أن المنطقة قد تكون على أعتاب تحوّل استراتيجي بالغ الدلالة، مع اقتراب بلوَرة تفاهم شامل بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، بوساطة تركية، يُتوقع أن يضع حدًّا لعقود من القطيعة والصدام غير المباشر منذ عام ١٩٧٩. هذا المسار، إن اكتمل، لا يمكن قراءته كاتفاق تقني محصور بالملف النووي، بل كتسوية سياسية أمنية واسعة تُعيد رسم قواعد الاشتباك، وتُعيد توزيع الأدوار والنفوذ في الإقليم.
وفق ما يتسرّب من بنود، يتجاوز الاتفاق منطق الاحتواء المتبادل إلى شراكة مضبوطة، تبدأ بإعادة فتح السفارات واستئناف العلاقات الدبلوماسية، وتُتوَّج بالتزام أميركي مكتوب بعدم تهديد إيران أو السعي إلى إسقاط نظامها. في المقابل، تحصل طهران على مكسب استراتيجي طال انتظاره، يتمثل في الرفع الكامل للعقوبات، بما يعني عمليًّا إعادة إدماجها في الاقتصاد العالمي بعد سنوات من العقوبات والخنق المالي والسياسي.
غير أن الثمن الإيراني يبدو واضحًا: إنهاء الطموح النووي العسكري بشكل نهائي، وبضمانة غير مسبوقة تتمثل في وثيقة موقّعة من المرشد الأعلى نفسه، ونقل كامل مخزون اليورانيوم المخصَّب إلى خارج الأراضي الإيرانية، تحديدًا إلى تركيا، في خطوة تهدف إلى تبديد أي شكوك مستقبلية حول إمكان العودة إلى نقطة الصفر.
في المقابل، يُسمح لإيران بالاحتفاظ ببرنامج نووي سلمي، لكن هذه المرة تحت إشراف مباشر وخارجي، مع وجود خبراء أميركيين على الأرض، ما يشكّل سابقة في طبيعة العلاقة بين الطرفين، ويعكس انتقال واشنطن من سياسة الردع إلى سياسة الضبط والمراقبة من الداخل.
الشق الدفاعي من الاتفاق لا يقلّ أهمية، إذ يجري التفاوض على إعادة تعريف منظومة الصواريخ البالستية الإيرانية، ليس عبر نزعها، بل عبر تحجيم دورها ومداها، وحصرها ضمن إطار دفاعي بحت لا يتجاوز ٥٠٠ كيلومتر. وهو ما يعكس مقاربة أميركية واقعية: تقليص التهديد بدل السعي إلى إلغائه بالقوة.
اقتصاديًّا، يبدو الاتفاق بمثابة فتح سوق إيرانية ضخمة أمام الشركات الأميركية، بالتوازي مع عودة النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية بأسعار متوازنة، بما يخدم مصالح الطرفين في مرحلة تتسم بتقلّبات حادة في أسواق الطاقة.
لكن البُعد الأخطر والأكثر حساسية يبقى إقليميًّا، لا سيما في ما يتعلق بأذرع إيران العسكرية خارج حدودها. فوفق المعطيات، يستعد المرشد الأعلى لإصدار فتوى سياسية دينية تُعيد تعريف وظيفة هذه التنظيمات، وعلى رأسها «حزب الله» في لبنان و«الحشد الشعبي» في العراق، بحيث يصبح اندماجها في الدولة قرارًا، وتؤول مسألة السلاح والمصير الأمني والسياسي إلى السلطات الوطنية حصراً. وبعبارة أوضح: نهاية دور القوى الرديفة وبداية مرحلة احتكار الدولة للسلاح.
في حال نجاح هذا الاتفاق، من المرجّح أن يعتمد حزب إيران في لبنان خطابًا تبريريًّا عالي السقف، يُقدّم التحوّل بوصفه نتيجة صمود استراتيجي أثمر اعترافًا دوليًّا بإيران، ومحورًا انتقل من المواجهة إلى فرض شروطه السياسية. إلّا أن هذا الخطاب، مهما بلغ من تماسك، سيصطدم بأسئلة داخلية لا يمكن تجاهلها.
أبرز هذه الأسئلة يتعلّق بالبُعد المعيشي والتنظيمي: ما مصير الرواتب؟
فرفع العقوبات عن إيران لا يعني تلقائيًّا استمرار نموذج التمويل السابق، بل على العكس، قد يدفع طهران إلى إعادة ترتيب أولوياتها، والانتقال من تمويل الأذرع الخارجية إلى الاستثمار في الداخل الإيراني. وعليه، قد يجد آلاف المنتسبين أنفسهم أمام واقع جديد، تُستبدل فيه الوظيفة العقائدية بمسار إدماج تدريجي في مؤسسات الدولة اللبنانية، أو بإعادة هيكلة داخلية تقلّص الأعباء المالية وتُنهي زمن الامتيازات.
هنا تحديدًا، يكمن الامتحان الأصعب: هل يستطيع الحزب الانتقال من كيان عسكري عابر للدولة، إلى فاعل سياسي منزوع السلاح، خاضع لقواعد الدولة وتوازناتها؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحدّد مستقبل الحزب فحسب، بل ستكشف ما إذا كان الاتفاق الأميركي الإيراني مجرّد تسوية مصالح، أم بداية فعلية لنهاية مرحلة كاملة من تاريخ الصراعات في المنطقة.


