03・02・2026
من العدد ٣٠
من يملك الذاكرة الجنوبية السياسية؟


عندما يستعيد كبارُ السنّ في الجنوب اللبناني ذاكرة السبعينات والثمانينات، يستحضرون مرحلةً كان الجنوب فيها أكثر تنوّعًا سياسيًّا واجتماعيًّا وفكريًّا مما يبدو عليه اليوم. لم تكن الهوية الشيعية آنذاك هي العنوان الوحيد للانتماء. كان الانتماء الوطني - بما حمله من تعدّد أحزاب وحركات وخيارات - جزءًا مركزيًّا من المشهد العام. غير أنّ هذا التنوّع، الذي شكّل حيوية الحياة السياسية والفكرية في تلك الحقبة، أُعيد توصيفه لاحقًا ضمن سردية تُلخّصه بعبارة «مرحلة الضياع»، في محاولةٍ لإنتاج زمن سابق أقلّ شرعية، يُمهّد لشرعية زمن لاحق أكثر أحادية.

منذ ذلك التحوّل، خرجت الهيمنة من إطار السيطرة السياسية المباشرة لتتمركز في البنية الاجتماعية وأنماط العيش واللغة اليومية، وتُعيد إنتاج الذاكرة الجمعية الجنوبية ضمن سردية واحدة مُغلقة. إقصاء القوى السياسية والاجتماعية المنافسة شكّل ركنًا تأسيسيًّا في هذا المسار، وأسهم في تفريغ المجال العام من التعدّدية وتحويله إلى حيّزٍ مضبوط المعايير. مع مرور الوقت، أُديرت الساحة الجنوبية عبر توازنٍ ضيّق حصر الحضور السياسي ضمن أطر محدودة، فيما فُرضت رواية واحدة لتحديد الهوية الجمعية وتعريف الماضي، وقدِّمت هذه الرواية كحقيقة نهائية لا تقبل النقاش أو المراجعة.

أما اجتماعيًّا، فقد ترافقت هذه الهيمنة مع تحويل الجنوب إلى هويةٍ تُعرّف نفسها من خلال الموت والشهادة في مواجهة العدو الإسرائيلي، ضمن إطار يُعيد احتواء سرديّات الحياة نفسها وإدارتها بالمنطق عينه. العمل، والزراعة، والتعليم، والفرح، والاختلاف، لا تُقصى بالكامل لكنها تُعاد صياغتها لتخدم المعنى ذاته؛ هنا يحضر السؤال: كيف تُدار الذاكرة حين تُختزل الحياة في معنى واحد، ويُعاد ترتيب الماضي ليخدم حاضرًا سياسيًّا بعينه.

فإلى أيّ حدّ يمكن القول إنّ هذه الهيمنة أعادت تشكيل المواطن الجنوبي، كذاتٍ مُسيّسة تُدرج ضمن مشروعٍ سياسي ذي امتدادات خارجية، بما يطرح أسئلةً جوهرية حول معنى المواطنة والانتماء في الجنوب اللبناني؟

وكيف عملت القوى السياسية الحالية لنشر ذاكرة جنوبية جديدة، مشوهةً بذلك كل ما كان قبلها؟

في الأعوام التي سبقت هيمنة «حزب الله» وتجذّره في الجنوب، كانت الأحزاب السياسية متنوّعة.

أولًا: حقبة الستينات - أوائل السبعينات

الجنوب كفضاء تهميش اجتماعي وبداية التسييس الوطني

قبل اندلاع الحرب الأهلية، كان الجنوب اللبناني يعيش تهميشًا اقتصاديًّا وتنمويًّا واضحًا كما الأطراف كعكار والبقاع، وهو ما وثّقته مبكرًا دراسات مهدي عامل (مقّدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني) في تحليله للبنية الطائفية والاقتصاد السياسي في لبنان. هذا التهميش شكّل أرضية خصبة لتسييس الفئات الشعبية، لا سيما في أوساط الشيعة، ولكن ضمن خطاب وطني طبقي لا طائفي.

في هذه المرحلة، بدأ حضور الحزب الشيوعي اللبناني والحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث بالتوسّع في القرى الجنوبية، مستفيدَين من الخطاب الاجتماعي والوطني، ومن ضعف الدولة المركزية. كما لعبت التنظيمات الناصرية دورًا في ربط الجنوب بالقضية الفلسطينية وبفكرة العروبة السياسية

.

الأثر على الجنوب:
تحوّل الجنوب من هامش صامت إلى مساحة احتجاج سياسي، حيث بدأ الوعي السياسي يتشكّل حول مفاهيم العدالة الاجتماعية والانتماء الوطني، لا حول الهوية الدينية.

ثانيًا: حقبة السبعينات - ١٩٨٢

 تعددية الأحزاب وبروز الجنوب كمختبر سياسي مفتوح

مع اندلاع الحرب الأهلية عام ١٩٧٥، تحوّل الجنوب إلى ساحة تداخل سياسي وعسكري كثيف. في هذه المرحلة، كان الجنوب فضاءً تعدديًّا بامتياز:
«الحزب الشيوعي»، «منظمة العمل الشيوعي»، «الحزب القومي»، «التنظيمات الناصرية»، «حزب البعث»، «حركة أمل» في بداياتها، إضافة إلى الحضور الفلسطيني الكثيف (فتح، الجبهة الشعبية، الجبهة الديمقراطية، الصاعقة وغيرها).

تشير دراسات وليد شرارة ووضاح شرارة إلى أنّ هذه التعددية لم تكن شكلية، بل انعكست على الحياة اليومية: في النقابات، في الجامعات، في الأندية الثقافية، وحتى في أنماط العيش والاختلاط الاجتماعي.

 

الأثر على الجنوب:
برز الجنوب كمنطقة سياسية حيّة، فيها نقاش وصراع أفكار، ومشاركة نسائية ملحوظة في الأحزاب اليسارية، ومقاومة للاحتلال تُعرّف نفسها كفعل وطني لا كفعل ديني.

ثالثًا: ١٩٨٢ - منتصف الثمانينات

الاجتياح الإسرائيلي وبداية التحوّل من التعدّد إلى الاحتكار

شكّل الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢ نقطة مفصلية. بعده، وُلدت «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمّول) بقيادة «الحزب الشيوعي» و«منظمة العمل الشيوعي» وحلفائهما، كإطار مقاومة عابر للطوائف. في الوقت نفسه، بدأت تتشكّل نواة «المقاومة الإسلامية» بدعم إيراني مباشر، في سياق إقليمي جديد عقب الثورة الإيرانية.

تشير أبحاث نزار حمزة وأحمد بيضون إلى أنّ هذه المرحلة شهدت تعايشًا متوترًا بين مشروعين للمقاومة:
مشروع وطني علماني؛

 مشروع ديني عقائدي.

لكن مع مرور الوقت، وبفعل الدعم العسكري والمالي والسياسي، بدأ الميزان يميل لمصلحة المشروع الثاني.

 

الأثر على الجنوب:
بدأ التحوّل في الخطاب: من مقاومة متعددة الرايات إلى مقاومة ذات مرجعية دينية متزايدة، ومن تنوّع سياسي إلى بداية التضييق على القوى المنافسة.

رابعًا: أواخر الثمانينات - ١٩٩٢

 إقصاء التعدّدية وإعادة تشكيل الذاكرة السياسية

في هذه المرحلة، ومع احتدام الصراع الداخلي بين القوى الشيعية نفسها، جرى إقصاء ممنهج للقوى اليسارية عن الجنوب، سواء عبر العنف المباشر أو عبر التضييق الاجتماعي والسياسي. توثّق دراسات وشهادات منشورة في مجلة «الثقافة الوطنية» الصادرة عن الحزب الشيوعي اللبناني وعن أرشيف الحزب عمليات تهجير واعتقال طالت مقاومين سابقين.

تزامن ذلك مع بداية إنتاج خطاب يعتبر المرحلة السابقة «مرحلة ضياع»، في مقابل تقديم المشروع الجديد كحالة خلاص.

 

الأثر على الجنوب:
تفكّك التعدّد السياسي، وانحسرت المساحة العامة للنقاش، وبدأت عملية إعادة كتابة التاريخ على أساس سردية واحدة، تُمهّد لما بعد اتفاق الطائف.

خامسًا: ما بعد ١٩٩٢

تثبيت الهيمنة وتحويل الماضي إلى رواية واحدة

بعد انتخابات ١٩٩٢، دخل «حزب الله» الحياة السياسية رسميًّا، عبر المشاركة في البرلمان، وتكرّست الثنائية مع «حركة أمل». منذ تلك اللحظة، لم تعد التعدّدية جزءًا من الواقع الجنوبي. تُظهر دراسات الذاكرة التي قامت بها جمعية «أمم»، وتلك التي قام بها «المعهد الفرنسي للشرق الأدنى لبنان» (IFPO) [MH١] كيف جرى تحويل التاريخ المتعدّد إلى رواية بطولية واحدة، تُنتَج عبر الإعلام، المناهج، والخطاب الديني.

 

الأثر على الجنوب:
تحوّل الجنوب من فضاء سياسي مفتوح إلى فضاء مُغلَق السردية، تُختزل فيه الهوية بالمقاومة والشهادة، وتُهمَّش سرديات الحياة والاختلاف.

 

الرواية البطولية الواحدة

لم يعد «حزب الله» يعتمد، في تثبيت سرديته عن الجنوب والمقاومة من خلال الذاكرة الشفوية او الحكايات المتناقلة، فقد كان أبرز احتكار تاريخي مارسه هو إنتاج مسلسل «الغالبون» الذي حوّل الماضي المتعدّد إلى رواية درامية واحدة، تُقدَّم على أنها الرواية الشرعية الوحيدة للمقاومة في الجنوب؛ وبهذا المعنى، أسهم «حزب الله» في إعادة إنتاج تاريخ الجنوب لجمهوره من خلال سردية أيديولوجية واضحة، استُخدمت فيها وسائل الإعلام والدراما لترسيخ أحقية الدفاع عن الجنوب ضمن إطار واحد، على حساب التعدّد التاريخي للروايات.

وهذه الرواية لم تبقَ حبيسة الشاشة أو محصورة ضمن العمل الدرامي والمشاهد، فمع تطور «السوشيل ميديا» والحضور الإلكتروني، بل صارت هي الرواية الثابتة المتناقلة بين الشباب ضمن هذه البيئة، لتغدو هذه السردية إحدى أدوات تشويه الذاكرة الجنوبية، عبر إقصاء الروايات الأخرى وتحويل التاريخ إلى مادة مُغلقة لا تحتمل التعدّد أو النقاش.

ثم ينتقل الإقصاء إلى دور النساء في المقاومة ضد العدو الاسرائيلي .

 

النساء في العمل المقاوم

عندما نذكر النساء المناضلات، تأتي شهادة أمّ علي، السبعينية اليوم، والتي تعمل في زراعة أرضها في إحدى قرى الجنوب؛ كانت في شبابها واحدة من المناضلات في العمل النقابي والحزبي. تحكي عن نضالها في صباها وكيف استمرت في العمل النقابي وهي أُم وعلّمت أولادها معنى الأرض والمقاومة الوطنية في سبيل ردع الاحتلال. تمثّل أمُّ علي نموذجًا لامرأة جنوبية انخرطت في العمل النضالي والعسكري، انطلاقًا من إيمانها بالفعل المقاوم وبمساواتها مع الرجل في هذا الدور. جاءت مشاركتها ضمن ممارسة سياسية واجتماعية طبيعية في سياقٍ شهد حضورًا نسويًّا فاعلًا في مختلف أشكال النضال.

وتكشف رواية أُمّ علي تجربةً مشتركة لعدد كبير من النساء الجنوبيات اللواتي شكّلن حالة نضالية حقيقية خلال حقبات المقاومة اللبنانية في جنوب لبنان. ففي خلال السبعينات والثمانينات، انخرطت النساء في أشكال متعدّدة من العمل المقاوم شملت المشاركة العسكرية المباشرة، والانخراط في العمل التنظيمي والنقابي الداعم لها؛ إضافة إلى أدوار ميدانية أساسية في تأمين استمرارية الحياة اليومية في سياق الحرب والصراع مع إسرائيل.

وتتقاطع سردية أُمّ علي مع شهادات نسوية موثّقة ضمن مقابلات التاريخ الشفوي في أرشيف جمعية «أمم للتوثيق والأبحاث»، حيث يظهر نمط متكرّر لانخراط النساء الجنوبيات في العمل الحزبي والنقابي خلال السبعينات والثمانينات. تُظهر هذه  الشهادات مشاركة نسوية واسعة في الأحزاب اليسارية والقومية، واللجان الشعبية والنقابات، والعمل التنظيمي المرتبط بالمقاومة، إضافة إلى أدوار ميدانية وداعمة للحياة اليومية أسهمت في الحفاظ على تماسك المجتمع المحلي خلال الحرب. 

تكشف الشهادات أنّ النساء نظرن إلى مشاركتهن بوصفها ممارسة سياسية طبيعية قائمة على المساواة مع الرجل في النضال والعمل العام. هذا الحضور الفاعل جرى لاحقًا تهميشه ضمن السرديات السائدة واستبدال أدوار النساء إلى ملتزمات بالصبر والانتظار والتضحية، وهذا أدى إلى سلب الاعتراف بالنساء كصاحبات موقف وتاريخ نضالي طويل.

اليوم، لا يحضر هذا الدور في المجتمعات الصغيرة إلّا ذاكرة عابرة، منزوعة القدرة على إحداث أي تغيير في الخطاب العام أو على تشكيل نموذج يُحتذى به لدى الأجيال الجديدة. تكتسب هذه الشهادات أهميتها في سياق تحليل تشويه الذاكرة الجنوبية، إذ تُبيّن كيف جرى لاحقًا إقصاء هذه التجربة النسوية الجمعية من السردية السائدة، واستبدالها برواية واحدة تختزل المرأة في أدوار رمزية، وتُقصي فعلها السياسي بوصفه جزءًا أصيلًا من تاريخ الجنوب. وبين السياسة، وإقصاء القوى المنافسة، وتآكل التنوّع الفكري، وتهميش أدوار النساء، يشهد الجنوب اليوم حالة غيبوية سياسية حقيقية تكشف مسارًا سياسيًّا جرى رسمه منذ بداية التسعينات، وتراكَمَت آثاره وصولًا إلى الواقع الراهن.

 

السياق التاريخي

تأتي هذه المقاربة التاريخية كإعادة قراءة للتاريخ الجديد، وكيفية تغيير السردية الحالية، إذ إنّ ما يُقال اليوم لا يُثبت بالضرورة الحكاية الأساسية. ويبدو الخطر مستقبليًّا واضحًا في أنّ جيل الشباب قد لا تصله أي أفكار أو روايات خارج السياق المفروض، لتصل إليه فقط سرديات تُضاف ضمن إطار واحد، يُقدَّم فيه الجنوب بوصفه فاقدًا للهوية، وتُصوَّر فيه الرؤية السياسية والنضالية السابقة على أنّها متزعزعة أو بلا معنى.

في هذا السياق، يُستحضر طرح بيار بورديو في النظرية الاجتماعية حول إعادة تشكيل المجتمع، حيث يوضح أنّ الهيمنة تتمّ عبر إنتاج المعنى وتطبيع سرديات معيّنة داخل الحقل الاجتماعي، إلى حدّ تتحوّل معه هذه السرديات إلى بديهيات غير قابلة للمساءلة.

هنا يبقى السؤال الأساسي: هل سيؤدّي تشويه الذاكرة الجنوبية وإقصاء رموزها، أو حصرها ضمن روايات عابرة، إلى تثبيت رواية واحدة عن الماضي، بحيث يتشكّل وعي الأجيال الجديدة ضمن حدود سردية مغلقة تُقدَّم بوصفها الحقيقة الوحيدة الممكنة؟

مقالات مشابهة
25・04・2026
العودة إلى الجنوب اللبناني بعد الحرب الأخيرة: أي عودة؟
آلاء نجم
ما يجري اليوم في جنوب لبنان يبدو أقرب إلى حركة نزوح معكوسة من عودة حقيقية. يعود الناس إلى قراهم وبلداتهم ليجدوا فراغًا واسعًا: بيوتًا مهدّمة، محلات مشلّعة أبوابها، بُنى تحتية مُدمَّرة، وحقولًا متضررة، وأرضًا ما زالت تحت التهديد المباشر بالنار والاحتلال. عاد كثيرون ليتفقدوا الركام أكثر مما عادوا ليستأنفوا الحياة. وعاد آخرون لأن كلفة النزوح باتت فوق قدرتهم، لا لأن شروط الاستقرار توافرت.
24・04・2026
رحلة النزوح مستمرة… ٢٤ ساعة على حافة القلق في الطريق إلى الجنوب ومنه
أحمد خواجة
انطلقنا بالسيارة باتجاه قريتنا في قضاء بنت جبيل عند الثامنة صباحًا، زحمة سير كان يمكن ملاحظتها ابتداءً من خلدة، سيارات وآليات ودراجات نارية، مواطنون حملوا بعض المقتنيات، ابتاعوا بعض الأطعمة، قاصدين بيوتهم التي تركوها على حين غرّة، حين استيقظوا منتصف أحد ليالي رمضان على أخبار إطلاق صواريخ من لبنان باتجاه إسرائيل، وإعلان الأخيرة شنّ هجوم وحشي على لبنان.
22・04・2026
عن الحرب وأمّي… وعن كلّ الأمهات وفلذات أكبادِهن
فراس حمية
كانت أمي في «حيّ السلم»/ «حيّ الكرامة» يوم الأربعاء الأسود، حين استهدفت إسرائيل مبنى يبعد مئة متر عن البناية التي يقطنها أهلي. كانت أمي مع بعض إخوتي وأخواتي وأحفادها في المبنى، مطمئنين إلى أن حيًّا فقيرًا «حيّ السلم»/ «حيّ الكرامة» لن يطاله الاستهداف، لكن ظنّهم خاب، وكان دويّ الصواريخ أكبر مما يمكن تخيّله أو شرحه.