03・02・2026
من العدد ٣٠
في ذكرى لقمان؛ ستبقى الحقيقة أقسى من رصاصهم وأطول عمرًا من سلطتهم

 


في ذكرى اغتيال لقمان سليم لا مجال للمواربة ولا مكان للحياد، نحن أمام جريمة سياسية فاشيّة مكتملة الأركان، جريمة ارتُكبت بدم بارد لتكريس حُكم التخويف ولتثبيت معادلة قذرة تقول إن الكلمة الحرة وإن التفكير المستقل جريمة تستحق الإعدام. لقمان سليم أُعدم لأنه رفض الركوع، لأنه لم يُوارب ولأنه قال لا في زمن تحوّلت فيه الطائفة إلى ثكنة وأُسِرت فيه العقول وتحول الناس إلى جمهور مغلوب على أمره ومُرغم على التصفيق أو الصمت. اغتياله كان رسالة ترهيب جمَعية موجهة إلى كل شيعي يفكّر، إلى كل صوت يخرج عن النصّ المرسوم، إلى كل مَن يجرؤ على مساءلة السلاح والقداسة والاحتكار، رسالة تقول إن هذا المجتمع يُسمح له أن يهتف لا أن يسأل؛ وأن يموت لا أن يعترض. 

الأكثر قذارة من القتل هو ما تلاه صمت فاجر، تواطؤ مكشوف، تحقيقات شكلية ووقاحة سياسية تعاملت مع الدم كأنه تفصيل عابر وكأن الضحية هي المتهم وكأن المطالبة بالحقيقة عمل عدائي. وحدث ذلك داخل بيئة تُدار بالتهديد وتُحكم بالخوف.
كان لقمان سليم خطرًا عليهم لأنه فضح الكذبة الكبرى، كذبة حماية الجماعة فيما تُذبح من الداخل، وكذبة المقاومة حين تتحوّل إلى أداة قمع، وكذبة الشرف حين يُغطّى الاغتيال بالصمت. هذا الاغتيال ليس حادثًا أمنيًا بل نظام حكم، ليس فعلًا فرديًا بل ثقافه سياسية ترى في القتل وسيلة وفي الإفلات من العقاب سياسة دائمة.
لقمان سليم قُتل ليكون عبرة، لكن العبرة انقلبت على القتَلة لأن الجريمة التي لا تُحاسَب تتحوَّل إلى لعنة؛ ولأن الدم الذي يُهدر اليوم يعود غدًا سؤالًا لا يُقهر. في ذكرى اغتياله نقولها بوضوح صادح، مَن قتل لقمان سليم قتل ما تبقَى من وهم الحرية داخل هذه الجماعة، ومَن صمَت شريك، ومَن برَّر مجرم، ومَن خاف شجّع، أما الحقيقة فستبقى أقوى وأفعَل من رصاصهم وأطول عمرًا من سلطتهم وسطوَتهم.

مقالات مشابهة
03・02・2026
لقمان سليم ومسار كسر الانسداد التاريخي في الحياة السياسية اللبنانية...
جاد الأخوي
في ذكرى لقمان سليم، لا نكتفي باستحضار المأساة، بل نعود إلى السياق السياسي الذي جعل من لقمان شريكًا أساسيًّا في مسارٍ أراد كسر الانسداد التاريخي في الحياة السياسية اللبنانية. لقمان سليم كان من القلائل الذين قرأوا الأزمة اللبنانية بوصفها أزمة نظام حكم لا أزمة أشخاص أو توازنات ظرفية.
03・02・2026
من أين أبدأ يا لقمان؟ حين صار الخوف صفرًا ولم ننكسر
محمد علي الأمين
صوت يُحرج الصمت قبل السلاح. اخترت أن تقول «لا» في زمنٍ صارت فيه النعم شرطًا للنجاة واخترت أن تكون لبنانيًّا شيعيًّا حرًّا في زمن أُريد فيه للهوية أن تكون قيدًا لا أفقًا. عرفتَ باكرًا أن الخوف ليس شعورًا فرديًّا فقط، بل نظام حكم.
03・02・2026
اغتيال لقمان… حلقة من سلسة تستهدف الفكر...
طارق عزت دندنش
أثبتت التجربة أن الأفكار لا تُغتال. يُقتل الجسد، يُسكت الصوت، لكن النهج يبقى. وكل ذكرى لقمان سليم، كما ذكرى مهدي عامل، تذكير بأن داخل هذه الطائفة، كما في كل لبنان، من لا يزال يؤمن بالدولة، بالقانون، وبأن المستقبل لا يُبنى بالخوف بل بالوعي.
أيضاً للكاتب/ة
16・04・2026
عن المقامرة بالدماء اللبنانية في ساحات التفاوض الاقليمي
علي الضيقة
لقد حان الوقت لنزع القناع عن الوجوه التي باعت بيروت في سوق النخاسة الإقليمي والاعتراف بأن العدو الحقيقي للقمة عيشنا هو ذلك الفكر الظلامي الذي يقدم مصالح «الولي الفقيه» على مصلحة العامل والفلاح والطالب. إن البركان الذي يغلي في صدور الجائعين لن تُخمده الخطابات الرنانة والزلزال الذي بدأ في أمعاء الأطفال الخاوية سيهدم عروش كل الذين تاجروا بآلامنا ليرضوا أسيادهم...
25・03・2026
خراب الإسناد الثالث
علي الضيقة
في تاريخ لبنان الحديث سلسلة طويلة من الشعارات الكبيرة التي انتهت دائمًا بالنتيجة نفسها: الخراب. في كل مرة كان يُقال للبنانيين إن المعركة ليست هنا بل هناك، وإن الواجب القومي يفرض عليهم أن يتحول بلدهم إلى ساحة حرب مفتوحة....
03・03・2026
مصادرة التنوّع: إعادة تشكيل المجتمع الشيعي في لبنان سياسيًّا وثقافيًّا وتاريخيًّا
علي الضيقة
لم تدخل الثقافة الدينية الإيرانية إلى البيئة الشيعية في لبنان بوصفها تفاعلًا ثقافيًّا طبيعيًّا بين مجتمَعين، بل جاءت كمشروعٍ سياسي متكامل يمتلك أدواته الإعلامية والمالية والتنظيمية...