
يحتلّ السيد موسى الصدر موقعًا إشكاليًّا ومركّبًا في التاريخ السياسي - الاجتماعي اللبناني المعاصر، فهو من جهة شخصية مؤسسة عملت على نقل الطائفة الشيعية من منطلقاتها الفكرية والدعوية إلى مركز الفعل العام؛ ومن جهة أخرى تجربة مفتوحة على النقد العلمي الهادئ الذي يفصل بين المقاصد المعلنة والنتائج المتحققة. إنّ مقاربة تجربة الصدر لا تستقيم بمنطق التقديس ولا بمنطق الإدانة، بل عبر قراءة أكاديمية تحليلية تضعها في سياقها التاريخي وتختبر خياراتها البنيوية وتأثيراتها الطويلة الأمد على الدولة والطائفة معًا.
أولى الإشكاليات البنيوية في هذه التجربة تتصل باستحداث «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» بوصفه مجلسًا ملّيًّا جديدًا أُضيف إلى منظومة المجالس الملّية القائمة في لبنان. من الناحية الفقهية - الدستورية، كان هذا الخيار يعكس سعيًا إلى تحقيق مساواة مؤسساتية للطائفة الشيعية مع غيرها من الطوائف، ولا سيما بعد شعور تاريخي بالتهميش في إدارة الشأن الديني والأوقاف والتمثيل الرسمي. غير أنّ السؤال النقدي المشروع يتمثل في ما إذا كان هذا المسار هو الأكثر انسجامًا مع مقاصد الإسلام السياسية والاجتماعية، ومع متطلبات بناء الدولة الوطنية الحديثة. فبدلًا من تعزيز الإطار الإسلامي الجامع ضمن مؤسسة واحدة تتولى الشأن العام للمسلمين، مع حفظ الخصوصيات المذهبية في المسائل الفقهية البحتة، كالأحوال الشخصية والأوقاف وغيرهما، جرى تكريس مسار التفريع الطائفي والمؤسساتي، ما أسهم عمليًّا في توسيع البنية الطائفية للدولة بدل الدفع نحو عقلنتها أو تجاوزها تدريجيًّا.
هذا الخيار، مهما كانت دوافعه التاريخية، ساهم في تحويل «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» من إطار جامع للنخب الدينية والاجتماعية الشيعية إلى ساحة صراع سياسي - حزبي في مراحل لاحقة، الأمر الذي عطّل وظائفه التمثيلية والتوحيدية، وأفرغه من دوره المفترض كبوتقة جامعة. وبدلًا من أن يكون رافعة إصلاح ديني - اجتماعي داخل الطائفة، بات في كثير من محطاته مرآة لانقساماتها، ما يطرح سؤالًا عميقًا حول جدوى توسيع الأطر المذهبية في بلد يقوم أصلًا على توازنات طائفية دقيقة، وحول ما إذا كان هذا المسار قد خدم فعلًا الوحدة الإسلامية والوطنية أم ساهم، ولو من حيث لا يقصد، في إدامة منطق الانقسام المؤسسي.
الإشكالية الثانية، تتعلق برفع شعار «الحرمان» بوصفه مدخلًا لتعبئة الطائفة الشيعية سياسيًّا واجتماعيًّا. لا شك في أنّ مناطق واسعة من الجنوب والبقاع عانت تاريخيًّا من إهمال تنموي مزمن، وأنّ تشخيص مظاهر التفاوت والغُبن كان ضروريًّا لكسر الصمت المفروض على هذه الوقائع. غير أنّ تحويل الحرمان إلى هوية جامعة وخطاب تعبوي دائم حمل آثارًا جانبية عميقة، أبرزها ترسيخ شعور نفسي - سياسي بالعداء تجاه الدولة، أو على الأقل التعامل معها بوصفها كيانًا خارجيًّا لا يمثل أبناء هذه الطائفة ولا يعكس دورهم التاريخي في تأسيس الكيان اللبناني واستقلاله.
هذا الخطاب، وإن استهدف شحذ الهِمم والمطالبة بالحقوق، أسهم عمليًّا في إعادة تعريف علاقة شريحة واسعة من الشيعة بالدولة على قاعدة الشك لا الشراكة، في حين أنّ الوقائع التاريخية والاجتماعية تشير إلى أنّ أبناء هذه الطائفة كانوا جزءًا أصيلًا من النسيج المؤسِّس للبنان، ومن ملاّك الأراضي، وروّاد التعليم، والمشاركين في الحياة الاقتصادية والثقافية. وبدلًا من توجيه الطاقات نحو استثمار هذه المقوّمات في مسار تنموي إنتاجي متكامل، ساهم خطاب الحرمان في دفع فئات واسعة نحو الهجرة الداخلية والاستقرار في أحزمة الفقر المحيطة بالعاصمة، ما أنتج لاحقًا اختلالات اجتماعية واقتصادية عميقة لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.
أما الإشكالية الثالثة، فتتصل بالبعد الرمزي - الثقافي لرفع شعار «السلاح زينة الرجال»، ولا سيما في مناطق مثل بعلبك - الهرمل. ففي سياق تاريخي يتسم بضعف الدولة وانتشار السلاح، يمكن فهم هذا الشعار بوصفه انعكاسًا لثقافة دفاعية محلية، غير أنّ تحويله إلى خطاب تعبوي عام ساهم في تكريس منظومة قيَم تُعلي من شأن القوة المسلحة على حساب المعرفة والعقل والتعليم. وكان الأجدى، من منظور تنموي - حضاري، ربط أي خطاب تعبوي بخطة عملانية تجعل من العلم والعقل رأس المال الحقيقي للمجتمع وزينة النساء والرجال معًا، ومن التعليم بوابة الارتقاء الفردي والجمعي، خصوصًا في بيئات عانت من التهميش واحتاجت إلى أدوات تمكين مستدامة لا إلى رموز قوة ظرفية.
إنّ نقد هذه الشعارات لا يعني إنكار السياق التاريخي الذي نشأت فيه، بل يهدف إلى مساءلة آثارها التراكمية على الوعي الجمعي، حيث أسهمت، بقصد أو بغير قصد، في إنتاج ثقافة سياسية واجتماعية اختزلت الكرامة بالقوة، والحقوق بالصدام، بدل ربطها بالمواطنة والمؤسسات والتنمية البشرية. ومع مرور الزمن، تحوّل هذا الإرث الرمزي إلى أحد مداخل عسكرة المجتمع وإضعاف مناعة الدولة، وهو ما يتناقض مع أي مشروع إصلاحي طويل الأمد.
في النتيجة، يمكن القول إنّ تجربة السيد موسى الصدر انطلقت من نيّات إصلاحية حقيقية وسَعت إلى إنصاف فئة شعرت بالغُبن، لكنها حملت في بنيتها خيارات إشكالية تركت آثارًا عميقة على الطائفة الشيعية وعلى الدولة اللبنانية. فبين توسيع الأطر المذهبية، وتكريس خطاب الحرمان، وتعزيز رمزية السلاح، تبلورت مسارات كان يمكن أن تُدار على نحو مختلف لو جرى إعطاء أولوية أوضح للوحدة الإسلامية الجامعة، وللشراكة الوطنية، وللاستثمار في الإنسان بوصفه الثروة الأهم. ومن هنا، فإنّ النقد العلمي لهذه التجربة لا يستهدف شخص المؤسِّس، بقدر ما يسعى إلى استخلاص دروس تاريخية تتيح إعادة التفكير في العلاقة بين الطائفة والدولة، وبين الهوية والاندماج، وبين القوة والمعرفة، في لحظة لبنانية لم تعد تحتمل أخطاء إضافية.
(*) دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال



