.jpg)
بين اتفاقٍ أُسقط بالشعارات، واتفاقات أُقرت بالتراضي، ضاعت حقوق لبنان تباعًا، لا بالهزيمة العسكرية بل بالتنازل السياسي المقنّع. المقارنة بين ١٧ أيار ١٩٨٣ و٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤، وكاريش، ليست دفاعًا عن اتفاق ولا تبرئة لمرحلة، بل بحثٌ صريح عن اللحظة التي بدأ فيها التفريط الفعلي بالسيادة.
في اتفاق ١٧ أيار، ورغم كل ما قيل عنه، لم تُمسّ حدود لبنان البرية ولا حقوقه البحرية. لم يتضمّن أي بند يعترف للكيان الإسرائيلي
بأرض أو مياه أو ثروات. الاتفاق كان أمنيًّا سياسيًا هدفه وقف الحرب وتنظيم الانسحاب، وبقي ضمن إطار لم يُسجَّل فيه أي تنازل
جغرافي أو اقتصادي. أسقطوه لأنه «اتفاق مع العدو»، لا لأنه فرّط بحقوق لبنان.
في ٢٧ تشرين، بدأ التراجع الصامت. تحت عنوان وقف الحرب وتثبيت الاستقرار، قُبل بترتيبات فرضت وقائع جديدة، وربطت أمن
لبنان بتوازنات إقليمية لم تكن في صالحه. هنا لم تُسلب الحقوق بنصٍّ مباشر، بل ضاعت بالقبول بالأمر الواقع، وبالتسليم بميزان قوى مختلّ، فَتح الباب أمام تنازلات لاحقة أخطر.
أما في اتفاق كاريش، فضاعت الحقوق بشكل واضح وموثّق. الخط ٢٩، الذي يُعدّ حقًّا لبنانيًّا ثابتًا وفق الدراسات التقنية والقانونية، جرى التخلّي عنه. مساحات بحرية واعدة بالثروات خرجت من السيادة اللبنانية، ومُنح العدو حق الاستثمار والاستخراج، فيما قُدّم الاتفاق للرأي العام كإنجاز يمنع الحرب. ما لم يخسره لبنان في ١٧ أيار، خسره في كاريش، وبقرار لبناني هذه المرة.
المفارقة أن من أسقط ١٧ أيار بحجة السيادة، هو نفسه مَن وافق على ٢٧ تشرين، ووقّع على كاريش. هنا تُطرح الحقيقة المرة: حقوق لبنان لم تُضع في اتفاق أُسقط، بل في اتفاقات أُقرّت ودافع عنها أصحاب الشعارات أنفسهم.
حقوق الدول لا تضيع دفعة واحدة، بل تُستنزف خطوة خطوة. وبين ١٧ أيار و٢٧ تشرين وكاريش، يمكن تحديد اللحظة بدقة: ضاعت حقوق لبنان عندما استُبدلت السيادة بالشعارات، والحقوق بالتبرير، والتنازل باسم الواقعية.





