03・02・2026
من العدد ٣٠
بين ١٧ أيار و٢٧ تشرين وكاريش: أين ضاعت حقوق لبنان؟

 

بين اتفاقٍ أُسقط بالشعارات، واتفاقات أُقرت بالتراضي، ضاعت حقوق لبنان تباعًا، لا بالهزيمة العسكرية بل بالتنازل السياسي المقنّع. المقارنة بين ١٧ أيار ١٩٨٣ و٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤، وكاريش، ليست دفاعًا عن اتفاق ولا تبرئة لمرحلة، بل بحثٌ صريح عن اللحظة التي بدأ فيها التفريط الفعلي بالسيادة.

في اتفاق ١٧ أيار، ورغم كل ما قيل عنه، لم تُمسّ حدود لبنان البرية ولا حقوقه البحرية. لم يتضمّن أي بند يعترف للكيان الإسرائيلي

بأرض أو مياه أو ثروات. الاتفاق كان أمنيًّا سياسيًا هدفه وقف الحرب وتنظيم الانسحاب، وبقي ضمن إطار لم يُسجَّل فيه أي تنازل

جغرافي أو اقتصادي. أسقطوه لأنه «اتفاق مع العدو»، لا لأنه فرّط بحقوق لبنان.

في ٢٧ تشرين، بدأ التراجع الصامت. تحت عنوان وقف الحرب وتثبيت الاستقرار، قُبل بترتيبات فرضت وقائع جديدة، وربطت أمن

لبنان بتوازنات إقليمية لم تكن في صالحه. هنا لم تُسلب الحقوق بنصٍّ مباشر، بل ضاعت بالقبول بالأمر الواقع، وبالتسليم بميزان قوى مختلّ، فَتح الباب أمام تنازلات لاحقة أخطر.

أما في اتفاق كاريش، فضاعت الحقوق بشكل واضح وموثّق. الخط ٢٩، الذي يُعدّ حقًّا لبنانيًّا ثابتًا وفق الدراسات التقنية والقانونية، جرى التخلّي عنه. مساحات بحرية واعدة بالثروات خرجت من السيادة اللبنانية، ومُنح العدو حق الاستثمار والاستخراج، فيما قُدّم الاتفاق للرأي العام كإنجاز يمنع الحرب. ما لم يخسره لبنان في ١٧ أيار، خسره في كاريش، وبقرار لبناني هذه المرة.

المفارقة أن من أسقط ١٧ أيار بحجة السيادة، هو نفسه مَن وافق على ٢٧ تشرين، ووقّع على كاريش. هنا تُطرح الحقيقة المرة: حقوق لبنان لم تُضع في اتفاق أُسقط، بل في اتفاقات أُقرّت ودافع عنها أصحاب الشعارات أنفسهم.

حقوق الدول لا تضيع دفعة واحدة، بل تُستنزف خطوة خطوة. وبين ١٧ أيار و٢٧ تشرين وكاريش، يمكن تحديد اللحظة بدقة: ضاعت حقوق لبنان عندما استُبدلت السيادة بالشعارات، والحقوق بالتبرير، والتنازل باسم الواقعية.

مقالات مشابهة
04・06・2026
محمد رعد وخطاب إدارة الهزيمة
داود رمّال
في النداء الأخير لرئيس «كتلة الوفاء للمقاومة» محمد رعد لا تظهر الأزمة بوصفها أزمة حرب فقط، بل أزمة معنى وهوية ووظيفة ودور تاريخ. ويمكن القول إن أخطر ما في نداء محمد رعد ليس مضمونه السياسي المباشر، بل روحه العامة. إنها روح جماعة تشعر في داخلها بأن مرحلة كاملة انتهت، لكنها لا تملك الجرأة على الاعتراف بذلك علنًا.
03・06・2026
مئة عام على الدستور اللبناني: بين ثبات النصّ وتقلُّبات الجغرافيا السياسية
جاد الأخوي
لبنان، بكل أزَماته وانهياراته، حافظ على فكرة الدستور كمرجعية للدولة، حتى عندما انتُهكت هذه المرجعية مرارًا. وهذه حقيقة تستحق التوقف عندها في المئوية الأولى للدستور اللبناني، ليس من باب الاحتفال العاطفي، بل من باب قراءة معنى أن يبقى نص دستوري قائمًا قرنًا كاملًا في منطقة عاشت على إيقاع الانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، وسقوط الجمهوريات، وصعود الأنظمة الأمنية.
01・06・2026
الحرب على الذاكرة تقول: نريد اقتلاعكم
منى فياض
إذن إن استهداف القرى والبلدات في جنوب لبنان ليس مجرد عمل عسكري عابر أو مجرد حرب، ولا يمكن اختزاله بلغة الأرقام: عدد المباني المهدّمة، أو كلفة الخسائر. ما يحدث أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام محاولة منظمة لضرب ما هو أثمن من الحجر: الذاكرة. المشكلة ليست فقط في ما يُهدم، بل في كيف نردّ نحن. تكرار العبارات الجاهزة مثل «سنعيد البناء أفضل مما كان» لا يكفي، بل قد يكون شكلًا من أشكال الهروب.
أيضاً للكاتب/ة
29・05・2026
الهجرة عندما تصبح مشروع النجاة الوحيد...
طارق عزت دندنش
لم تعُد الهجرة في لبنان مجرد خَيار لتحسين الوضع المعيشي، بل أصبحت عند كثير من الشباب مشروع نجاة وهروب من واقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم. شباب يحملون الشهادات والطموحات، لكنهم يصطدمون بدولة عاجزة، واقتصاد منهار، وطبقة سياسية ما زالت تعيش خارج معاناة الناس، وكأن الوطن لم يعد يتّسع لأحلام أبنائه.
25・03・2026
لبنان بين بين فكيّ السلاح وضغط الانهيار؟
طارق عزت دندنش
في الأيام الأخيرة، انفجرت مجموعة مؤشّرات سياسية وأمنية توحي بأنّ لبنان يقف على مفترق تاريخي: حكومة تتحدّث عن حصر السلاح بالدولة، ضغوط دولية متصاعدة على «حزب الله»، محادثات مباشرة مع إسرائيل بعد أربعة عقود، واستنفار أممي للدفع نحو وقف التصعيد..
03・02・2026
اغتيال لقمان… حلقة من سلسة تستهدف الفكر...
طارق عزت دندنش
أثبتت التجربة أن الأفكار لا تُغتال. يُقتل الجسد، يُسكت الصوت، لكن النهج يبقى. وكل ذكرى لقمان سليم، كما ذكرى مهدي عامل، تذكير بأن داخل هذه الطائفة، كما في كل لبنان، من لا يزال يؤمن بالدولة، بالقانون، وبأن المستقبل لا يُبنى بالخوف بل بالوعي.