
على مدى سنوات رُسِّخ في الوعي العام أن محور «حزب الله» هو فريق التعطيل والتأجيل، وأن خصومه هم دُعاة الاحتكام إلى الشعب. إلّا أن تبدّل الظروف بعد الحرب والأزمة الاقتصادية والانهيارات المتتالية قلَب المشهد رأسًا على عقب. اليوم، يبدو الثنائي الشيعي الأكثر حماسة لإجراء الانتخابات في موعدها، فيما تتصرف قوى واسعة من المعارضة وكأنها تبحث عن أي مخرج لتأجيلٍ مقنّع.
الحسابات لدى «حزب الله» و«حركة أمل» واضحة. فبرغم الضربات القاسية التي تعرّض لها الحزب عسكريًّا واقتصاديًّا، ما زال يمتلك أقوى ماكينة تنظيمية في البلاد، وشبكة خدماتية واجتماعية متجذّرة داخل بيئته. التجارب الانتخابية السابقة أثبتت أن المزاج الشيعي، حين يدخل غرفة الاقتراع، يميل إلى إعادة إنتاج الثنائي بوصفه «مظلّة أمان» لا مجرد خيار سياسي. نظرًا للخدمات من توظيف عشوائي إلى تعليم وتعويضات وصحة. من هذا المنطلق، يعتبر الحزب أن أي انتخابات قريبة ستمنحه تفويضًا جديدًا يرمّم ما تضرر من صورته بعد الحرب.
إلى ذلك، تشكّل الانتخابات بالنسبة إليه مدخلًا لاستعادة الشرعية الداخلية في مواجهة الضغوط الدولية المتعلقة بالسلاح والقرار ١٧٠١. فبدلًا من أن يظهر كقوة مفروضة بقوة الأمر الواقع، يريد أن يقول إنه يستند إلى أكثرية شعبية حقيقية داخل طائفته وكتل وازنة لدى حلفائه. مجلس نيابي جديد يعني أيضًا تثبيت رئاسة المجلس، والتأثير الحاسم في تشكيل الحكومة وانتخاب الرئيس، أي إعادة الإمساك بمفاصل الدولة عبر آليات دستورية.
ثم إن عامل الوقت لا يعمل لمصلحة الحزب. الإقليم مفتوح على تحوّلات، وإيران تفاوض من موقع مختلف، والرهان على تبدّل موازين دولية قد يطول. لذلك تبدو الانتخابات السريعة بالنسبة إليه أفضل من انتظار تسوية قد تأتي بشروط أقسى.
في المقابل، تبدو قوى يفترض أنها رأس حربة التغيير في موقع المتردد. فالمعارضة التقليدية من قوات وكتائب، إضافة إلى جماعات «التغيير» والشخصيات السنّية والشيعية المستقلة، تدخل الاستحقاق وهي أكثر تشتّتًا من أي وقت مضى. تحاول إيجاد برنامجًا موحّدًا، دون التوصل إلى قدرة فعلية على تشكيل لوائح متماسكة في معظم الدوائر. الخلافات التي كانت تُدار خلف الأبواب خرجت إلى العلن، وتحولت المعركة بين مكوّناتها إلى ما يشبه حرب إلغاء صامتة.
هذا التشرذم يجعل كثيرين داخل هذه القوى يخشون نتيجة قاسية قد تعيد إنتاج الأكثرية نفسها، فتنهار السردية التي بُنيت منذ ٢٠١٩ حول «نهاية زمن "حزب الله"». لذلك برز خطاب جديد يتحدث عن ضرورة تهيئة الظروف قبل الانتخابات: سلاح متفلّت، بيئة غير آمنة، تصويت الاغتراب لـ١٢٨ نائبًا وليس لستة نواب، «ميغاسنتر» لأمن الاقتراع النزيه، ضرورة حكومة انتقالية، قانون انتخاب جديد، إشراف دولي موسّع… وكلها عناوين تبدو للوهلة الأولى منطقية، لكنها عمليًّا تؤدّي إلى هدف واحد: كسب الوقت.
هناك أيضًا رهان غير معلن على متغيّر خارجي. فجزء من المعارضة ما زال يعتقد أن الضغط الدولي أو الإقليمي يمكن أن يضعف الثنائي إلى حدّ يسمح بهزيمته انتخابيًّا. لكن التجارب علّمت أن الخارج لا يصنع أكثريات داخل الصناديق، وأن المزاج الشعبي لا يتبدّل بقرارات أممية.
هكذا ينقلب المشهد: الفريق الذي يملك القوة على الأرض يريد الاحتكام إلى الصندوق، والفريق الذي يملك الصوت الأعلى في الإعلام يخشى حكم الناس. يتحول شعار «الانتخابات الآن» إلى ورقة بيد من كان يُتَّهم بالتعطيل، بينما يصبح دُعاة التغيير أسرى هاجس الهزيمة.
المشكلة الأعمق أن التأجيل، أيًّا كانت ذرائعه، سيعني عمليًّا تمديد الأزمة لا حلّها. فلبنان عاش فراغ شرعيات متراكمًا: رئاسة معلّقة، حكومات متعثّرة، ومجلس فقَد تمثيله المعنوي. وحدها الانتخابات قادرة على إعادة إنتاج سلطة تملك حق التفاوض باسم اللبنانيين، سواء حول السلاح أو الاقتصاد أو إعادة الإعمار. أما الهروب منها فلن يؤدّي إلّا إلى مزيد من الانقسام وإلى فتح الباب أمام تسويات فوقية.
لا أحد بريئًا في هذه اللعبة. الثنائي يريد الانتخابات لأنها تناسبه اليوم، لا لأنه تحوّل فجأة إلى حارسٍ للدستور. والمعارضة مترددة لأنها غير جاهزة، لا لأنها اكتشفت فجأة مخاطر السلاح والمال السياسي. لكن الدولة لا تُبنى على حسابات اللحظة، بل على قواعد ثابتة، وأولها احترام المواعيد الدستورية.
الانتخابات ليست حلًّا سحريًّا لكل أزمات لبنان، لكنها الاختبار الوحيد المتاح لقياس الأحجام الحقيقية. مَن يخاف الصندوق يخاف الحقيقة. ومَن يطالب بالديموقراطية عليه أن يقبل باحتمال الخسارة قبل الفوز. أما تحويل الاستحقاق إلى ورقة ابتزاز متبادلة فلن يُنتج سوى مزيد من الانهيار.
في النهاية، السؤال ليس مَن سيربح المقاعد، بل هل سيجرؤ اللبنانيون على خوض لحظة الحقيقة؟ فالبلد الذي يؤجّل انتخاباته بحجة الخوف على مستقبله، يكون قد حكَم على هذا المستقبل بالإعدام المعلّق.





