03・02・2026
من العدد ٣٠
الانتخابات التي يخشاها أصحاب الشعارات
قراءة في انقلاب المواقع بين مَن يريد الموعد ومَن يريد التأجيل

منذ أشهر يدور في لبنان نقاشٌ يبدو في ظاهره دستوريًّا وتقنيًّا حول موعد الانتخابات النيابية، لكنه في جوهره سياسي بامتياز. فكل القوى تعلن التزامها إجراء الاستحقاق في موعده، غير أن ما يجري في الكواليس يكشف حقيقة مختلفة: الانقسام الفعلي ليس بين مَن يحترم الدستور ومَن لا يحترمه، بل بين مَن يثق بقدرته على الفوز بالصندوق ومَن يخشى أن يفضحه الصندوق.

على مدى سنوات رُسِّخ في الوعي العام أن محور «حزب الله» هو فريق التعطيل والتأجيل، وأن خصومه هم دُعاة الاحتكام إلى الشعب. إلّا أن تبدّل الظروف بعد الحرب والأزمة الاقتصادية والانهيارات المتتالية قلَب المشهد رأسًا على عقب. اليوم، يبدو الثنائي الشيعي الأكثر حماسة لإجراء الانتخابات في موعدها، فيما تتصرف قوى واسعة من المعارضة وكأنها تبحث عن أي مخرج لتأجيلٍ مقنّع.

لماذا يريد الثنائي الانتخابات الآن؟

الحسابات لدى «حزب الله» و«حركة أمل» واضحة. فبرغم الضربات القاسية التي تعرّض لها الحزب عسكريًّا واقتصاديًّا، ما زال يمتلك أقوى ماكينة تنظيمية في البلاد، وشبكة خدماتية واجتماعية متجذّرة داخل بيئته. التجارب الانتخابية السابقة أثبتت أن المزاج الشيعي، حين يدخل غرفة الاقتراع، يميل إلى إعادة إنتاج الثنائي بوصفه «مظلّة أمان» لا مجرد خيار سياسي. نظرًا للخدمات من توظيف عشوائي إلى تعليم وتعويضات وصحة. من هذا المنطلق، يعتبر الحزب أن أي انتخابات قريبة ستمنحه تفويضًا جديدًا يرمّم ما تضرر من صورته بعد الحرب.

إلى ذلك، تشكّل الانتخابات بالنسبة إليه مدخلًا لاستعادة الشرعية الداخلية في مواجهة الضغوط الدولية المتعلقة بالسلاح والقرار ١٧٠١. فبدلًا من أن يظهر كقوة مفروضة بقوة الأمر الواقع، يريد أن يقول إنه يستند إلى أكثرية شعبية حقيقية داخل طائفته وكتل وازنة لدى حلفائه. مجلس نيابي جديد يعني أيضًا تثبيت رئاسة المجلس، والتأثير الحاسم في تشكيل الحكومة وانتخاب الرئيس، أي إعادة الإمساك بمفاصل الدولة عبر آليات دستورية.

ثم إن عامل الوقت لا يعمل لمصلحة الحزب. الإقليم مفتوح على تحوّلات، وإيران تفاوض من موقع مختلف، والرهان على تبدّل موازين دولية قد يطول. لذلك تبدو الانتخابات السريعة بالنسبة إليه أفضل من انتظار تسوية قد تأتي بشروط أقسى.

معارضة تخشى المرآة

في المقابل، تبدو قوى يفترض أنها رأس حربة التغيير في موقع المتردد. فالمعارضة التقليدية من قوات وكتائب، إضافة إلى جماعات «التغيير» والشخصيات السنّية والشيعية المستقلة، تدخل الاستحقاق وهي أكثر تشتّتًا من أي وقت مضى. تحاول إيجاد برنامجًا موحّدًا، دون التوصل إلى قدرة فعلية على تشكيل لوائح متماسكة في معظم الدوائر. الخلافات التي كانت تُدار خلف الأبواب خرجت إلى العلن، وتحولت المعركة بين مكوّناتها إلى ما يشبه حرب إلغاء صامتة.

هذا التشرذم يجعل كثيرين داخل هذه القوى يخشون نتيجة قاسية قد تعيد إنتاج الأكثرية نفسها، فتنهار السردية التي بُنيت منذ ٢٠١٩ حول «نهاية زمن "حزب الله"». لذلك برز خطاب جديد يتحدث عن ضرورة تهيئة الظروف قبل الانتخابات: سلاح متفلّت، بيئة غير آمنة، تصويت الاغتراب لـ١٢٨ نائبًا وليس لستة نواب، «ميغاسنتر» لأمن الاقتراع النزيه، ضرورة حكومة انتقالية، قانون انتخاب جديد، إشراف دولي موسّع… وكلها عناوين تبدو للوهلة الأولى منطقية، لكنها عمليًّا تؤدّي إلى هدف واحد: كسب الوقت.

هناك أيضًا رهان غير معلن على متغيّر خارجي. فجزء من المعارضة ما زال يعتقد أن الضغط الدولي أو الإقليمي يمكن أن يضعف الثنائي إلى حدّ يسمح بهزيمته انتخابيًّا. لكن التجارب علّمت أن الخارج لا يصنع أكثريات داخل الصناديق، وأن المزاج الشعبي لا يتبدّل بقرارات أممية.

مفارقة المشهد

هكذا ينقلب المشهد: الفريق الذي يملك القوة على الأرض يريد الاحتكام إلى الصندوق، والفريق الذي يملك الصوت الأعلى في الإعلام يخشى حكم الناس. يتحول شعار «الانتخابات الآن» إلى ورقة بيد من كان يُتَّهم بالتعطيل، بينما يصبح دُعاة التغيير أسرى هاجس الهزيمة.

 

المشكلة الأعمق أن التأجيل، أيًّا كانت ذرائعه، سيعني عمليًّا تمديد الأزمة لا حلّها. فلبنان عاش فراغ شرعيات متراكمًا: رئاسة معلّقة، حكومات متعثّرة، ومجلس فقَد تمثيله المعنوي. وحدها الانتخابات قادرة على إعادة إنتاج سلطة تملك حق التفاوض باسم اللبنانيين، سواء حول السلاح أو الاقتصاد أو إعادة الإعمار. أما الهروب منها فلن يؤدّي إلّا إلى مزيد من الانقسام وإلى فتح الباب أمام تسويات فوقية.

بين الدستور والخوف

لا أحد بريئًا في هذه اللعبة. الثنائي يريد الانتخابات لأنها تناسبه اليوم، لا لأنه تحوّل فجأة إلى حارسٍ للدستور. والمعارضة مترددة لأنها غير جاهزة، لا لأنها اكتشفت فجأة مخاطر السلاح والمال السياسي. لكن الدولة لا تُبنى على حسابات اللحظة، بل على قواعد ثابتة، وأولها احترام المواعيد الدستورية.

الانتخابات ليست حلًّا سحريًّا لكل أزمات لبنان، لكنها الاختبار الوحيد المتاح لقياس الأحجام الحقيقية. مَن يخاف الصندوق يخاف الحقيقة. ومَن يطالب بالديموقراطية عليه أن يقبل باحتمال الخسارة قبل الفوز. أما تحويل الاستحقاق إلى ورقة ابتزاز متبادلة فلن يُنتج سوى مزيد من الانهيار.

في النهاية، السؤال ليس مَن سيربح المقاعد، بل هل سيجرؤ اللبنانيون على خوض لحظة الحقيقة؟ فالبلد الذي يؤجّل انتخاباته بحجة الخوف على مستقبله، يكون قد حكَم على هذا المستقبل بالإعدام المعلّق.

مقالات مشابهة
04・06・2026
محمد رعد وخطاب إدارة الهزيمة
داود رمّال
في النداء الأخير لرئيس «كتلة الوفاء للمقاومة» محمد رعد لا تظهر الأزمة بوصفها أزمة حرب فقط، بل أزمة معنى وهوية ووظيفة ودور تاريخ. ويمكن القول إن أخطر ما في نداء محمد رعد ليس مضمونه السياسي المباشر، بل روحه العامة. إنها روح جماعة تشعر في داخلها بأن مرحلة كاملة انتهت، لكنها لا تملك الجرأة على الاعتراف بذلك علنًا.
03・06・2026
مئة عام على الدستور اللبناني: بين ثبات النصّ وتقلُّبات الجغرافيا السياسية
جاد الأخوي
لبنان، بكل أزَماته وانهياراته، حافظ على فكرة الدستور كمرجعية للدولة، حتى عندما انتُهكت هذه المرجعية مرارًا. وهذه حقيقة تستحق التوقف عندها في المئوية الأولى للدستور اللبناني، ليس من باب الاحتفال العاطفي، بل من باب قراءة معنى أن يبقى نص دستوري قائمًا قرنًا كاملًا في منطقة عاشت على إيقاع الانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، وسقوط الجمهوريات، وصعود الأنظمة الأمنية.
01・06・2026
الحرب على الذاكرة تقول: نريد اقتلاعكم
منى فياض
إذن إن استهداف القرى والبلدات في جنوب لبنان ليس مجرد عمل عسكري عابر أو مجرد حرب، ولا يمكن اختزاله بلغة الأرقام: عدد المباني المهدّمة، أو كلفة الخسائر. ما يحدث أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام محاولة منظمة لضرب ما هو أثمن من الحجر: الذاكرة. المشكلة ليست فقط في ما يُهدم، بل في كيف نردّ نحن. تكرار العبارات الجاهزة مثل «سنعيد البناء أفضل مما كان» لا يكفي، بل قد يكون شكلًا من أشكال الهروب.
أيضاً للكاتب/ة
03・06・2026
مئة عام على الدستور اللبناني: بين ثبات النصّ وتقلُّبات الجغرافيا السياسية
جاد الأخوي
لبنان، بكل أزَماته وانهياراته، حافظ على فكرة الدستور كمرجعية للدولة، حتى عندما انتُهكت هذه المرجعية مرارًا. وهذه حقيقة تستحق التوقف عندها في المئوية الأولى للدستور اللبناني، ليس من باب الاحتفال العاطفي، بل من باب قراءة معنى أن يبقى نص دستوري قائمًا قرنًا كاملًا في منطقة عاشت على إيقاع الانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، وسقوط الجمهوريات، وصعود الأنظمة الأمنية.
01・05・2026
لبنان في مهلة وقف إطلاق النار بين اختبار الدولة وخطر تثبيت العجز
جاد الأخوي
في المراحل التي تلي الحروب، لا تُقاس اللحظة بما توقّف، بل بما يُبنى عليه. والمهلة التي مُنحت للبنان لثلاثة أسابيع ليست تفصيلًا تقنيًّا، بل نافذة ضيّقة تختصر صراعًا عميقًا على هوية البلد ودوره. هي ليست استراحة، بل اختبار مكثّف هل لبنان قادر على الانتقال من ساحة إلى دولة، أم أنه سيُعاد تدويره داخل منطق الجبهات المفتوحة....
14・04・2026
فنّ تحويل الهزائم إلى انتصارات… حين تصبح السردية بديلًا عن الواقع
جاد الأخوي
ليسوا مجرّد طرف في صراع، بل مدرسة كاملة في صناعة الوهم. لديهم قدرة لافتة، تكاد تكون احترافًا متقدّمًا، على تحويل الهزيمة إلى انتصار، والكارثة إلى ملحمة، والدمار إلى «دليل صمود». والأخطر من هذه القدرة في حدّ ذاتها، أنّها لا تبقى خطابًا معلَّقًا في الهواء، بل تجد من يتلقّاها ويكرّسها ويُعيد إنتاجها داخل بيئتها، حتى تصبح الرواية بديلًا من الواقع، لا تفسيرًا له.