بالنظر إلى واقع المرأة الشيعية، يلاحظ أنها تعاني من غياب أو شبه غياب في المشاركة السياسية ومؤسساتها. يُعتبر ذلك واقعاً معقّداً، ويمكن تفسيره وتوضيحه من خلال تجارب نساء مثل بشرى الخليل، التي تُعتبر أول امرأة شيعية ترشحت للانتخابات النيابية في عام ١٩٩٢ في دائرة الجنوب، لكنها لم تَفز. عاودَت الكَرَّة أربع مرات بين عامَي ١٩٩٢ و ٢٠٠٥، ثمَّ عام ٢٠١٩ في الانتخابات الفرعيَّة لمَلء المقعد النيابي الذي شغَر باستقالة نواف الموسوي، ثمَّ في انتخابات ٢٠٢٢ عن دائرة الجنوب الثانية.
في «حزب الله»، بقيَ العملُ البرلماني والترشّح حِكراً على الرجال. ومن المبررات التي قَدّمها أمين عام «حزب الله» السيّد حسن نصر الله قُبيل انتخابات عام ٢٠١٨ النيابيَّة أنه «بكل صراحة [...] ليست لدينا نساء يقُمن بهذه الوظيفة»، ... على اعتبار أنَّ النائب لا يقوم بمهماتٍ تشريعيَّة وإنما بمهمات أخرى، مُسَلِّماً بهذا الدور، كالتعزية وغيرها من المناسبات والتوظيفات الزبائنيَّة [...] حتى إنه عبَّر حينها عن موقفه الرافض الكوتا النسائيَّة، واتهم مَن يطالبُ بها بمحاولة فَرضها على الشعب اللبناني [... و] بموضوع توزير النساء قال إن «الأمر وارد في يوم من الأيام». لا ندري متى؟ وكرَّرتْ ريما فخري حينذاك موقف الأمين العام لحزبها، فقالت: «نحن نرى أنه من واجبِ المرأة المشاركةُ في الحياة السياسيَّة وأنْ تكونَ موجودةً في مراكز القرار، إلا أننا نَتحفَّظُ عن مشاركتها في الانتخابات النيابيَّة لأنَّ ذلك سيكونُ على حساب عائلتها.

وأعادَ المشروعُ الانتخابي للحزب طرحَ نظرته إلى النساء، فوعدَ النائبُ محمد رعد بـ«إصدار التشريعات اللازمة لحماية حقوق المرأة ومشاركتها في العمل السياسي»، بصورة ناخبةٍ ملتزمةٍ بالتكليف الشرعي لا أكثر. ومن أصل ١١١ امرأة تَرشَّحنَ عام ٢٠١٨، كانت بينهنّ تسعُ شيعيات أيْ ما يُعادل ١٠ في المئة، إحداهن المستشارة السابقة في وزارة السياحة سلوى الخليل الأمين المذكورة سابقاً في هذا البحث والتي أكدَت: «كلامُه [نصرالله] لا يَعنيني [...] إننا كنساء مسلمات، وتحديداً النساء الشيعيات موجودات بالمواقع الإداريَّة الرسميَّة [...] لماذا تُمنَع المرأة الحزبيَّة من الترشح للانتخابات النيابيَّة؟ وكيف يُسمَحُ لها بحمل بطاقة [عضويَّة] حِزبيَّة ولا يُسمح لها بالترشح؟».
أمّا أستاذة الحقوق بجامعتَي الحكمة والأميركيَّة _ اللبنانيَّة أُلفت السبع، فقالت: «استفزني وأزعجني كلام نصرالله كثيراً [...] ليس سهلاً عليّ كابنة برج البراجنة الترشّح، وهذا تحدٍّ بالنسبة لي كامرأة مستقلة، وبمجتمع ذكوري وتقليدي، لم يعطِ المرأة كوتا نسائية».
وفي الانتخابات الأخيرة التي أُجريت في ١٥ أيار ٢٠٢٢، بَقِيَ الأمرُ على حالِه بالنسبة إلى «حزب الله».
على الجانب الآخر، في حركة أمل، فإن قضية تمثيل المرأة في السياسة لم تُناقش بشكل صريح، وقليلة هنّ النساء اللواتي ترشّحن للمناصب السياسية، ورغم أنَّ البيانَ السياسي الرسمي للحركة ينظرُ إلى المساواة على المستويَين الفردي والمجتمعي، فإنَّ قضيَّةَ التمثيل السياسي للمرأة لا يتمُّ التطرقُ إليها بشكل صريح. فلم تُرشِّحِ الحركةُ في تاريخها إلّا امرأة واحدة للانتخابات البرلمانيَّة خلال العقدَين الماضيين، ولم تُسمّ غيرها للتوزير: هي عناية عز الدين التي تولَّتِ النيابة في دورتي عامَي ٢٠١٨ و٢٠٢٢. ووفق أرقام الاتحاد البرلماني الدولي، لبنان في المرتبة ١٨ بين الدول العربيَّة لناحية وجودِ النساء في البرلمانات.
«هذا الواقع ليس مُستجدّاً. فتاريخيّاً، قضَت طبيعةُ النظام الطائفي البطريركي على فُرصِ المرأة في الحياة السياسيَّة»، كما كتبت صحافيَّة في جريدة «الأخبار» المُقرَّبة من «حزب الله». وبينما يتحدث رئيس «حركة أمل» رئيس مجلس النواب نبيه بري، عن مشاركة النسوة، فإنَّ الأمرَ مختلفٌ عند الممارسة، والدليلُ ما قامَ به مُمثلو حركته عندما طرحَتْ زميلتُهم عناية عز الدين الكوتا النسائيَّة في البرلمان، إذ لم يُقيموا لها أيَّ اعتبار فخرجَتْ من الجلسة غاضبة، ما يعني أن موقفَ الثنائي الشيعي، «حزب الله» و«حركة أمل» مُوحَّدٌ حيال النساء.
ولفتت ليلى مروة، الرئيسة السابقة لـ«التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني»، إلى «التمايز ظاهريّاً فقط [...] فالحزب لا يقيمُ لهنّ أي اعتبار ولا يرغبُ في التحسين أو التطوير، سواء على مستوى القوانين أو غيرها». وهي رفضَت ذرائع عدمِ تَقبُّل المجتمع الشيعي ترشيح النساء، مشيرة إلى تقدُّم القضايا النسويَّة خال انتفاضة ١٧ تشرين ٢٠١٩، إذ «شارَكت أعدادٌ كبيرة من النساء الشيعيات، هذا الأمرُ جعلها تتوقع تَرشُّح عدداً [كذا في الأصل] أكبر من النساء». ولكنَّ الرقمَ تَقلَّص عما كان عليه قبل أربع سنوات. فقد فاق عدد المقاعد المخصصة للشيعة نسبة المرشحات: ٢٠ امرأة شيعيَّة فقط تَرشَّحنَ في كُلِّ لبنان عن ٢٧ مقعداً. وانخفض العددُ إلى ١٥ امرأة بعد تسجيل اللوائح، وكانت نسبة الشيعيات الأدنى بين اللبنانيات.
على سبيل المثال، وردّاً على ترشح الشابة سارة زعيتر عن أحد المقاعد الشِّيعيَّة في بعلبك _ الهرمل، أشارت العشيرةُ في بيانٍ إلى أنها «لا تُمثِّل العائلة». وفي المقابل، وإذ أقرَّت الناشطةُ بعدمِ قدرتِها على التغيير بمفردِها، قالت إنها تستطيعُ إيصالَ صوتها و«كسر هذا النمط من التفكير الذكوري العشائري». وبرغم تَطويقها، حصلت على ١٠٨٢ صوتاً تفضيليّاً. وترشّحَتْ في الدائرة ذاتها امرأةٌ أخرى هي شهرزاد حميَّة التي حازَتْ تسعة أصوات تفضيليَّة. وتكرَّر سيناريو الترويع في زحلة مع ديمة أبو ديّا، وقد صدر موقفٌ مُذيَّل باسم العائلة يتبرّأ منها. ومع ذلك نالت ٢٢٥ صوتاً تفضيليّاً.


