03・02・2026
من العدد ٣٠
لهذا نحن طائفيُّون...


حسَنًا دعونا نتركْ كلَّ هذه الملفاتِ حتّى تهترئَ ونتقاسَمِ السَّرقاتِ فيما بينَنا ونُرضِ هذا الشعبَ المغلوبَ على تفكيرِهِ وإرادتِهِ ببعضِ الفُتاتِ ونسلّطْ عليه رجالَ الدِّينِ المأجورينَ لدينا، والّذين يعتاشونَ على أموالِهِ (أي على أموالِ الشّعب) لإقناعِهِ بأنّ اللهَ قد قسَّمَ الأرزاقَ لعبادِهِ وَفقَ إرادتِهِ وحُكْمِهِ وحِكْمتِهِ، فلا يجوزُ الاعتراضُ على حُكْمِ اللهِ وقدَرِهِ، وإنّ أوّلَ مَن سيدخُلُ الجنّةَ همُ الفقراءُ.

كلُّنا متورّطٌ حتّى العظمِ في الفسَادِ، فملفّاتُ الفسَادِ شائكةٌ ومتداخِلةٌ، وهي أشبَهُ ببيتِ العنكبوت، ومَن ينجُو من بعضِها سيَعلَقُ في ملفّاتٍ أُخرى متداخلةٍ أيضًا كملفّ الكهرباءِ، الّذي كلّفَ الدولةَ خسائرَ ماليّةً قُدِّرت بحوالى (أربعينَ مليارَ دولارٍ)، فيما حلُّ المشكلةِ كان يحتاجُ إلى حوالى مليارٍ ونصفِ مليارِ دولار، وقد تسلّمت «حركةُ أمل» و«التّيّارُ العونيُّ» هذا المِلَفِّ لسنواتٍ طويلةٍ.

وهكذا تَكِرُّ السُّبْحةُ بالنسبةِ إلى العديدِ من الملفّاتِ المُهمّةِ والخطيرةِ الأُخرى، الّتي تسبّبَ الفسادُ فيها بخسائرَ كبيرةٍ جدًّا، مُنِيَت بها خزينةُ الدّولةِ لصالحِ مافيَاتِ السّلطةِ وأزلامِها، منها ملفّاتُ الفيول والأملاكِ البحريّةِ والاتصالاتِ ومِلفّاتُ البواخرِ التركيّةِ والأشغالِ والجماركِ والمرفأ والتّجنيسِ والصّحّةِ والمصارفِ وغيرُها وغيرُها الكثيرُ الكثيرُ من الملفّاتِ الكبيرةِ والشّائكةِ والمتداخلةِ، الّتي لو تمّت محاسبَةُ المتورِّطينَ فيها (لامتلأتِ السّجونُ بهم عن بَكرة أبيها)، ولذلك يجهدُ السّياسيّون في الّلعبِ على المشاعرِ الطّائفيّةِ والمذهبيّةِ واختلاقِ المشكلاتِ الّتي تحمِلُ طابعًا طائفيًّا ومذهبيًّا، فهو السّلاحُ الأمضى للحفاظ على مدّخراتِهم وعروشِهم (ما استطاعُوا إلى ذلك سَبيلًا).

وفي هذا السّياقِ نُقِلَ عن رئيسِ مجلسِ النّوّابِ اللبنانيّ نبيه برّي قولُه: «لولا الطّائفيّةُ لَشَحَطُونا من بيوتنا»: وذلك تعليقًا على مَوجةِ الاحتجاجاتِ الّتي اندلعت في لبنان في الأعوامِ الماضيَةِ على خلفيّةِ مِلفّاتِ الفسادِ المتعدّدةِ، والّتي بلغت أوْجَها في السّابعِ من تشرينَ الأَوَّلِ مِنَ العامِ ٢٠١٩.

إذن ما هو العملُ، وما هو الحَلُّ الأمثلُ لكلِّ هذه الكوارثِ والمصائبِ وَفقَ اعتقادِكَ؟؟؟

نعم، أنا أرى أنّ على مجلسِ النُّوَّابِ إقرارَ قانونِ الإثراءِ غيرِ المشروعِ فورًا لمحاسبةِ اللصوصِ والفاسدين وفضحِهم، وإن كان هذا بعيدَ المنال، لأنّ «دودَ الخلّ منُّو وفيه» إلّا أنّ مطالبةَ مجلسِ النُّوَّابِ بإقرارِ هذا القانونِ ورفضَ المجلسِ له بغالبيَّتِهِ العظمى يُعدُّ فضيحةً كبرى، ترفعُ فئةً منهم وتضعُ آخَرِينَ، وتَمِيزُ الخبيثَ مِنَ الطَّيِّبِ.

نعم ولا بُدَّ من حكومةٍ قويّةٍ عادلةٍ، عمادُها التّكنوقراط.

ويجبُ العملُ على تنظيمِ العَمالةِ الأجنبيَّةِ في لبنان في أسرعِ وقتٍ ممكنٍ، حفاظًا على ما تبقّى من عَمالةٍ لبنانيَّةٍ، ولمكافحةِ البِطالةِ والحَدِّ من هجرةِ الشَّبابِ.

نعم، ويجبُ بناءُ مَسَاكنَ شعبيَّةٍ والعملُ على إنشاءِ مشاريعَ حَيَويَّة، لإسعافِ العائلاتِ ومَنعِ تفكّكِ الأُسَرِ وبناءُ شبكةِ أمَانٍ بين مُختلفِ المذاهبِ والطَّوائف، لتبقى الدَّولةُ هي الحاضنةَ الوحيدةَ لكُلِّ أبنائِها، على مُختلِفِ أطيافِهم وانتماءاتِهم.

وماذا عن أحزمةِ البُؤسِ في ضواحي بيروت؟

نعم، يجبُ تدميرُ مناطقِ أحزمةِ البؤسِ في كلِّ المناطقِ سيَّما في ضواحي بيروت، وإعادةُ إعمارِها بطرقٍ عصريَّةٍ وحضاريَّةٍ، للحؤُولِ دون قيامِ مَافياتِ المخدِّراتِ والسّرقة وتجارةِ السّلاح باستغلالِ عُنصرِ الشَّبابِ.

ويجبُ إدخالُ الرّجالِ إلى معاهدَ وجامعاتٍ وصرفُ رواتبَ لهم للحَدِّ من انتشارِ وباءِ الأُمّيَّةِ على غرارِ ما يحدثُ في دولِ الغربِ وأُوروبَّا.

ويجبُ العملُ لدى الدُّولِ الأوروبيَّةِ والغربيَّةِ من أجلِ ترحيلِ الفلسطينيِّينَ إلى الخارجِ وإغلاقِ مِلَفِّ المخيَّماتِ إلى الأبد.

ولقد قضَتِ الحربُ في بلادِنا على أعدادٍ كبيرةٍ منَ الرِّجالِ، حتّى زادت أعدادُ النِّسَاءِ أضعَافَ أضعَافِ أعدادِ الرِّجالِ، ما أدّى إلى تزايدِ أعدادِ الفَتَيَاتِ غيرِ المتزوِّجاتِ، بشكلٍ مُخيفٍ وغيرِ مسبُوقٍ، وهجرةِ الشَّبابِ، وتجويعِ وإفقارِ مئاتِ آلافِ العائلاتِ، عَدا عن تزايدِ أعدادِ الجرائمِ المختلِفةِ من قتلٍ واغتِصَابٍ وسرقةٍ وو...

فالحربُ خاسرةٌ بكلِّ المقاييْسِ الإنسانيّةِ، ولذلكَ أقولُ لكم: دَعُوا فلسطينَ، فحُجّةُ فلسطينَ هذِهِ جلبَتِ الكوارثَ الجَمَّةَ على لبنانَ والمِنْطقةِ، فلقد دُمِّرَ لبنانُ عشرَاتِ المَرّاتِ، وسُرِقَتْ خزينتُهُ مئاتِ المَرّات، وقتَلَ الاخُ أخاهُ تحتَ شعارِ تحريرِ فلسطين، وها هيَ اليومَ سوريا واليمنُ والعراقُ الّتي تعادلُ بمِسَاحَاتِها أضعافَ أضعافِ مِساحةِ فلسطين قد دُمِّرت باسمِ فلسطين، و«الحَبْلُ على الجرّار»، فهل تستحِقُ بُقعةُ أرضٍ صغيرةٍ بمِساحتِها كلَّ هذا التَّدميرِ والخرابِ والقتلِ والتّهجيرِ والتّنكيْلِ بالأبرياءِ؟؟؟!!! 

وإلَّا سيبقَى اللبنانيُّ يعيشُ وَهْمَ الدِّفاعِ عن لبنانَ وفلسطين.

هل يمكنُكَ أن تُقارنَ بين أزمةِ لبنان الاقتصاديَّةِ وبين الأزمَةِ الاقتصاديَّةِ الّتي ضربَتِ اليونانَ في نيسَانَ مِنَ العامِ ألفَينِ وعَشَرَةٍ والّتي أدّت إلى انهيَارِ الاقتصادِ اليُونانيِّ بشكلٍ مُخيفٍ وتُوضِّحَ لنَا السِّيَاساتِ الّتي اعتمدَها القيِّمونَ على شُؤونِ البلادِ في اليونان، والوسائلَ الّتي استخدموها في معالجةِ أزمةٍ اعتُبرت من أخطرِ الأزمَاتِ الّتي مَرَّت بها البلادُ، لَعَلَّنا نستفيدُ من تجارِبِهم، رَغمَ أنّني غيرُ مُتفائلٍ، إلى حَدٍّ بعيدٍ، فتأريخُ سياسيِّينا لا يُطمئنُ، و«المؤمنُ لا يُلدَغُ من جُحرٍ مَرَّتين»؟؟؟

نعم، لبنانُ على شَفيرِ الهاويَة، واليونانُ أُنمُوذَجًا...

إنّ شبَحَ الأزمةِ الاقتصاديّةِ والماليَّةِ القاسيَةِ الّتي ضربتِ اليونانَ في نيسانَ عامَ ٢٠١٠ والّتي أدّت إلى انهيار الاقتصادِ اليونانيّ بشكلٍ مُخيفٍ لا يزالُ يُشكّلُ هاجِسًَا لدى اللبنانيّينَ ويُثيرُ مخاوفَهم، في ظِلّ تلكّؤ غالبيّةِ السّياسيّينَ اللبنانيّينَ وتقاعُسِهم عن البحثِ وإيجادِ حلولٍ مناسبةٍ تُنقذُ اللبنانيّينَ من أزماتِهم، كما فعلت اليونانُ إبّانَ أزمتِها الاقتصاديّةِ الكبرى، فنجَحَت رغم حجمِ ديْنِها العام، الّذي وصَلَ آنذاك إلى حُدودِ ثلاثِ مئةٍ وثلاثةَ عَشَرَ مليارِ أُورو في العام ٢٠١٥، في مقابلِ حوالى ثمانينَ مليارَ دولار ديونِ لبنانَ الخارجيّةِ آنذاك، وكأنّ الأمرَ لا يعنيهم.

نجحتِ اليونانُ خلالَ سنواتٍ قليلةٍ في الخروجِ من أزماتِها الخانقةِ، بسَببِ اتّباعِها سياسةً رشيدةً وحكيمةً في إدارةِ أزماتِها الاقتصاديّةِ والماليَّة، غلبَ عليها طابعُ التّقشّفِ في كيفيّةِ التّعاطي معَ الملفّاتِ الاقتصاديّةِ والاداريّة، إضافةً إلى سِلسِلةِ إصلاحاتٍ في الاداراتِ والمؤسَّسَاتِ العامّة، على رأسِها محاربةُ الفسَادِ وضربُه بيَدٍ من حديد، الأمرُ الّذي أعادَ الحياةَ إلى الدّولةِ ومؤسّساتِها وعزّزَ ثقةَ الاتحادِ الأُوروبيّ وصندوقِ النّقدِ الدَّوليّ في الحكومةِ اليونانيّة، ليَحْظوا بدعمٍ ماليٍّ إضافيٍّ من دولِ الاتّحادِ نفسِهِ مقابلَ فوائدَ مخفّضةٍ عجّلَت في خروجِ اليونانِ من أزماتِهِ.

وعلى عكسِ ذلكَ لم تستجبِ الحكوماتُ اللبنانيّةُ المُتعاقِبةُ لتحذيراتِ البنك الدَّوليّ المتكرِّرة، الّذي كان قدَّرَ في العام ٢٠٠٧ أنّ لبنانَ سيُواجِهُ في السّنواتِ القريبةِ المقبلةِ (stop scenario) أي أنّ الدّولةَ اللبنانيّةَ ستبلُغُ حدَّ العجزِ الكامل عن تأمينِ مصادرِ تمويلِها.

"فإلى أين"؟؟؟!!!

لقد وضعتِ الحربُ الأهليّةُ في لبنانَ أوزَارَها منذ أكثرَ من ثلاثةِ عقودٍ من الزّمن ولبنانُ ما زالَ حتّى اليوم يتخبَّطُ في أزمَاتِهِ الماليّةِ والاقتصاديّةِ والسّيَاسيَّةِ والأمنيَّةِ وو... حتى فقَد ثقةَ العالمِ به.

نجحتِ اليونانُ في الامتحانِ الأُوروبيّ ورسَبَ لبنانُ وسَقَطَ في هاويَةِ الفسَادِ والهدرِ والمحاصَصَة وو... فلا باريس ١ ولا باريس ٢ ولا باريس ٣ ولا «سيدر" أفلحت في إنجاحِ لبنانَ وإعادةِ ثِقَةِ العالمِ به.

مقالات مشابهة
02・11・2026
رصاص ليس ضد إسرائيل: شرخ علني داخل تحالف الثنائي
أدهم جابر
على هذا الأساس يرفض المسؤولون في «حركة أمل» و«حزب الله» الحديث عن الواقعة باعتبار أنها مرّت بسلام. ويوضح الشاهد أن الوضع حساس خصوصًا في إقليم التفاح على خلفية صراع الثمانينات بين الحركة والحزب، المعروف بحرب الإقليم، لافتًا إلى أن الكثيرين من أبناء المنطقة وتحديدًا المقاتلين القدامى في «حركة أمل» لا يزالون يكنّون مشاعر البغض تجاه «حزب الله».
30・10・2026
حين تتحوّل الزعامة إلى عبء على أهلها
علي الضيقة
لم يُبتلَ الشيعة في لبنان بأشدّ من زعامات جعلت من الصراع نهجًا، ومن الخصومة سياسة ومن تعبئة الناس ضدّ شركائهم في الوطن وسيلة لترسيخ النفوذ وإدامة السلطة. فُتحت الجبهات مع الفلسطينيين والشيوعيين والاشتراكيين والقوميين والمرابطون وسائر القوى الوطنية وكأنّ العداء للآخر شرط من شروط الزعامة وكأنّ الوطن ساحة لتصفية الحسابات لا مساحة للشراكة والحياة.
29・10・2026
عندما سيُطلق نعيم قاسم الصواريخ مجدّدًا
أحمد عياش
لا يزال الكثيرون يتذكرون، لا سيما سكان الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع فجر الثاني من آذار الماضي، عندما كان الصائمون يحضّرون وجبة السحور في يوم جديد من أيام شهر رمضان. فقد توالت الأنباء العاجلة يومها، عبر وسائل التواصل تفيد أن «حزب الله» أطلق صواريخ نحو إسرائيل. علِم سكان تلك المناطق فورًا أن الحرب قد وقعت، كما كانت الحال في أيلول ٢٠٢٤ والتي أدّت الى عمليات قصف إسرائيلية...
أيضاً للكاتب/ة
23・10・2026
الطّائِفَةُ الشِّيعيَّةُ بينَ وَصايا الحُكَماءِ ومَغامَراتِ الأَدْعِياء
علي مازح
وفي موقفٍ لآفتٍ يعكسُ مدى استياءِ واستهجانِ واستنكارِ القوى الشّيعيَّةِ الحُرَّةِ، الّتي يحاولُ الكثيرون إقصاءَها خوفًا على مصالِحِهم، الّتي تتقاطعُ مع «حزبِ اللهِ» قال العلّامة السّيّد علي الأمين في ما يخصُّ الوطنَ والطّائفةَ الشِّيعيَّةَ: «أفيُعقلُ أنّ الطّائفةَ الشّيعيَّةَ الّتي كانت طليعةِ الطّوائفِ الّتي تُقاتلُ من أجلِ الدَّولةِ اللبنانيّةِ تُصبحُ الآن تُدعى إلى الدّولةِ ولا تُجيب»؟!
18・09・2026
النّكبَةُ الشِّيعيَّةُ: بين الماضي والحاضر
علي مازح
وبعد انتصارِ عامِ ٢٠٠٦ المزعومِ، بدأ الإمامُ شمس الدّين يُعبِّرُ بوضوحٍ عن قلقِهِ من استثمارِ هذا النّصرِ من جانبِ إيران و«حزبِ اللهِ»، لا بوصفِهِ نهايةَ صراعٍ دفاعيّ، بل بوصفِهِ بدايةَ مشروعٍ إقليميٍّ مفتوح، يجعلُ من الطّائفةِ الشّيعيَّةِ وَقودًا لا شريكًا، لذلك رفعَ الصَّوتَ عاليًا، إذ قالَ في إحدى وَصاياهُ:«أوصي الشِّيعةَ في لبنانَ بأن لا ينخرطُوا في مشروعٍ خاصّ، لا سياسيٍّ ولا أمنيٍّ ولا عسكري
13・09・2026
هل يتحَمّلُ «حزبُ اللهِ» وِزْرَ تدميرِ لبنان ؟!
علي مازح
لقد قلتُ منذ سنواتٍ وقبل اندلاعِ الحربِ الإسرائيليَّةِ على «حزبِ اللهِ»، ردًّا على ما يُسمَّى «مساندةَ غزَّة»، قلتُ: «إذا أرادَ "حزبُ اللهِ" تجنيبَ لبنانَ الدّمارَ والخرابَ في حالِ أرادت إسرائيلُ فعلًا مهاجمتَه (الحزب) لتدميرِهِ والقضاءِ عليه فعليْهِ تسليمُ أسلحتِه إلى الجيشِ اللبنانيّ والانخراطُ "إنْ سَنَحَت له الفرصةُ" في صفوفِهِ وصفوفِ الأجهزةِ الأمنيّةِ والعسكريّةِ الأُخرى...