
في ذكرى لقمان سليم، لا نكتفي باستحضار المأساة، بل نعود إلى السياق السياسي الذي جعل من لقمان شريكًا أساسيًّا في مسارٍ أراد كسر الانسداد التاريخي في الحياة السياسية اللبنانية.
لقمان سليم كان من القلائل الذين قرأوا الأزمة اللبنانية بوصفها أزمة نظام حكم لا أزمة أشخاص أو توازنات ظرفية. رأى باكرًا أن ما بعد ٢٠٠٥ لم يُنتج دولة، بل أعاد إنتاج سلطات طائفية مسلّحة وغير مسلّحة، وأن الخلل الجوهري يكمن في مصادرة السياسة لحساب القوة، ومصادرة التمثيل داخل الطوائف لحساب أمر واقع لا يُناقَش. من هنا جاء إيمانه بضرورة بناء أطر سياسية جديدة، لا تُعرّف نفسها ضد طائفة أو من داخلها فقط، بل ضد منطق الاحتكار والاستقواء أينما كان.
في هذا السياق تحديدًا وُلد «ائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين». تأسّس في لحظة انسداد وطني عميق، حين بدا أن الخيار محصور بين سلطات قائمة ومعارضات مشتّتة، وأن الفضاء الديمقراطي يُفرَّغ تدريجيًّا من مضمونه. ما رآه لقمان في الائتلاف لم يكن مجرّد تجمّع سياسي إضافي، بل محاولة جادّة لإعادة وصل السيادة بالديمقراطية، وبناء خطاب وطني عابر للطوائف من دون إنكار خصوصياتها أو الارتهان لها.
لقمان دعم هذا المسار لأنه كان يرى فيه ما يتجاوز اللحظة: مشروعًا يرفض منطق «الاستثناء»، ويصرّ على أن لا سلاح خارج المساءلة، ولا طائفة فوق الدولة، ولا قضية تُستخدم لتبرير إلغاء الإنسان. كان يعتبر أن الائتلاف يقدّم نواة بديلة، بطيئة ربما، لكنها ضرورية، في مواجهة ثقافة الغلَبة والخوف.
اليوم، وبعد اغتيال لقمان، تغيّر الكثير. لم يعد السؤال فقط كيف نُنتج خطابًا ديمقراطيًّا، بل كيف نحميه ونثبّته في ظلّ انهيار شامل وعنف سياسي صريح. من موقعي كرئيس للائتلاف، كان التحدي هو الانتقال من موقع الشهادة على الأزمة إلى موقع تنظيم المواجهة السياسية معها: توضيح الخيارات، تسمية المسؤوليات، ورفض التسويات التي تُعيد إنتاج المأزق نفسه باسم الواقعية.
الفرق اليوم أن ما كان يُعتبر هامشيًّا بات ضروريًّا، وما كان يُحاصَر بات مكشوفًا. اغتيال لقمان لم يلغِ الفكرة التي آمن بها، بل كشف حجم الخوف منها. والاستمرار في هذا المسار ليس وفاءً لشخص، بل التزام بخيار سياسي يرى في الدولة شرطًا للحرية، وفي الديمقراطية شرطًا للسيادة.
بهذا المعنى، تبقى ذكرى لقمان سليم محطة للمراجعة لا للحداد فقط، ولتثبيت قناعة أساسية: إن المعركة طويلة، لكنها واضحة، وإن بناء البديل ـ مهما بدا شاقًا ـ هو الردّ الوحيد على مَن أراد إسكات السياسة بالقتل.





