03・02・2026
من العدد ٣٠
لقمان سليم ومسار كسر الانسداد التاريخي في الحياة السياسية اللبنانية...


في ذكرى لقمان سليم، لا نكتفي باستحضار المأساة، بل نعود إلى السياق السياسي الذي جعل من لقمان شريكًا أساسيًّا في مسارٍ أراد كسر الانسداد التاريخي في الحياة السياسية اللبنانية.

لقمان سليم كان من القلائل الذين قرأوا الأزمة اللبنانية بوصفها أزمة نظام حكم لا أزمة أشخاص أو توازنات ظرفية. رأى باكرًا أن ما بعد ٢٠٠٥ لم يُنتج دولة، بل أعاد إنتاج سلطات طائفية مسلّحة وغير مسلّحة، وأن الخلل الجوهري يكمن في مصادرة السياسة لحساب القوة، ومصادرة التمثيل داخل الطوائف لحساب أمر واقع لا يُناقَش. من هنا جاء إيمانه بضرورة بناء أطر سياسية جديدة، لا تُعرّف نفسها ضد طائفة أو من داخلها فقط، بل ضد منطق الاحتكار والاستقواء أينما كان.

في هذا السياق تحديدًا وُلد «ائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين». تأسّس في لحظة انسداد وطني عميق، حين بدا أن الخيار محصور بين سلطات قائمة ومعارضات مشتّتة، وأن الفضاء الديمقراطي يُفرَّغ تدريجيًّا من مضمونه. ما رآه لقمان في الائتلاف لم يكن مجرّد تجمّع سياسي إضافي، بل محاولة جادّة لإعادة وصل السيادة بالديمقراطية، وبناء خطاب وطني عابر للطوائف من دون إنكار خصوصياتها أو الارتهان لها.

لقمان دعم هذا المسار لأنه كان يرى فيه ما يتجاوز اللحظة: مشروعًا يرفض منطق «الاستثناء»، ويصرّ على أن لا سلاح خارج المساءلة، ولا طائفة فوق الدولة، ولا قضية تُستخدم لتبرير إلغاء الإنسان. كان يعتبر أن الائتلاف يقدّم نواة بديلة، بطيئة ربما، لكنها ضرورية، في مواجهة ثقافة الغلَبة والخوف.

اليوم، وبعد اغتيال لقمان، تغيّر الكثير. لم يعد السؤال فقط كيف نُنتج خطابًا ديمقراطيًّا، بل كيف نحميه ونثبّته في ظلّ انهيار شامل وعنف سياسي صريح. من موقعي كرئيس للائتلاف، كان التحدي هو الانتقال من موقع الشهادة على الأزمة إلى موقع تنظيم المواجهة السياسية معها: توضيح الخيارات، تسمية المسؤوليات، ورفض التسويات التي تُعيد إنتاج المأزق نفسه باسم الواقعية.

الفرق اليوم أن ما كان يُعتبر هامشيًّا بات ضروريًّا، وما كان يُحاصَر بات مكشوفًا. اغتيال لقمان لم يلغِ الفكرة التي آمن بها، بل كشف حجم الخوف منها. والاستمرار في هذا المسار ليس وفاءً لشخص، بل التزام بخيار سياسي يرى في الدولة شرطًا للحرية، وفي الديمقراطية شرطًا للسيادة.

بهذا المعنى، تبقى ذكرى لقمان سليم محطة للمراجعة لا للحداد فقط، ولتثبيت قناعة أساسية: إن المعركة طويلة، لكنها واضحة، وإن بناء البديل ـ مهما بدا شاقًا ـ هو الردّ الوحيد على مَن أراد إسكات السياسة بالقتل.

مقالات مشابهة
03・02・2026
من أين أبدأ يا لقمان؟ حين صار الخوف صفرًا ولم ننكسر
محمد علي الأمين
صوت يُحرج الصمت قبل السلاح. اخترت أن تقول «لا» في زمنٍ صارت فيه النعم شرطًا للنجاة واخترت أن تكون لبنانيًّا شيعيًّا حرًّا في زمن أُريد فيه للهوية أن تكون قيدًا لا أفقًا. عرفتَ باكرًا أن الخوف ليس شعورًا فرديًّا فقط، بل نظام حكم.
03・02・2026
اغتيال لقمان… حلقة من سلسة تستهدف الفكر...
طارق عزت دندنش
أثبتت التجربة أن الأفكار لا تُغتال. يُقتل الجسد، يُسكت الصوت، لكن النهج يبقى. وكل ذكرى لقمان سليم، كما ذكرى مهدي عامل، تذكير بأن داخل هذه الطائفة، كما في كل لبنان، من لا يزال يؤمن بالدولة، بالقانون، وبأن المستقبل لا يُبنى بالخوف بل بالوعي.
03・02・2026
في ذكرى لقمان؛ ستبقى الحقيقة أقسى من رصاصهم وأطول عمرًا من سلطتهم
علي الضيقة
لقمان سليم قُتل ليكون عبرة، لكن العبرة انقلبت على القتَلة لأن الجريمة التي لا تُحاسَب تتحوَّل إلى لعنة؛ ولأن الدم الذي يُهدر اليوم يعود غدًا سؤالًا لا يُقهر...
أيضاً للكاتب/ة
14・04・2026
فنّ تحويل الهزائم إلى انتصارات… حين تصبح السردية بديلًا عن الواقع
جاد الأخوي
ليسوا مجرّد طرف في صراع، بل مدرسة كاملة في صناعة الوهم. لديهم قدرة لافتة، تكاد تكون احترافًا متقدّمًا، على تحويل الهزيمة إلى انتصار، والكارثة إلى ملحمة، والدمار إلى «دليل صمود». والأخطر من هذه القدرة في حدّ ذاتها، أنّها لا تبقى خطابًا معلَّقًا في الهواء، بل تجد من يتلقّاها ويكرّسها ويُعيد إنتاجها داخل بيئتها، حتى تصبح الرواية بديلًا من الواقع، لا تفسيرًا له.
03・03・2026
لماذا يتمسّك «الثنائي الشيعي» بإجراء الانتخابات النيابية في موعدها؟
جاد الأخوي
في لبنان، لا تُقرأ الانتخابات النيابية كاستحقاق دستوري دوري فحسب، بل كمحطة مفصلية تُعيد رسم ميزان القوى الداخلي، وتؤشر إلى اتجاهات الشارع، وتمنح شرعية جديدة أو مجددة للسلطة القائمة. في نظام يقوم على توازنات دقيقة بين الطوائف والقوى السياسية، يصبح كل اقتراع بمثابة استفتاء على مرحلة كاملة، لا مجرد اختيار ممثلين.
03・02・2026
الانتخابات التي يخشاها أصحاب الشعارات
جاد الأخوي
منذ أشهر يدور في لبنان نقاشٌ يبدو في ظاهره دستوريًّا وتقنيًّا حول موعد الانتخابات النيابية، لكنه في جوهره سياسي بامتياز. فكل القوى تعلن التزامها إجراء الاستحقاق في موعده، غير أن ما يجري في الكواليس يكشف حقيقة مختلفة...