03・01・2026
من العدد ٢٩
بين النهج الحسيني والواقع الحاضر: قرابين على مذبح مصالح «الولاية»

النهج الجعفري الحسيني يفرض قطيعة تامّة مع كل ظالم لكن التنظيمات الشيعية مزّقت هذا النهج بوقاحة وذهبت تدافع عن أكثر الطُغاة دموية، عن بشّار الأسد الذي قتل شعبه ودمّر مدنه فحوّلوه من جلّاد إلى حليف ونسوا أن الحسين مات كي لا يمدّ الشريف يده نحو قاتل غارق بالدم. لم يكتفوا بذلك بل تحالفوا مع الفاسد الكبير جبران باسيل الذي خنق الدولة بالصفقات والمحاصصات ومع نبيه برّي الذي حوّل السلطة إلى مزرعة محمية بالميليشيا السياسية. وقفوا معهما ضد الناس، ضد الحق، ضد الكرامة وكأنهم يقولون نحن أبناء كربلاء لكن في خدمة يزيد. ثم احتضنوا أخسَّ الناس ورفعوا الساقطين إلى مناصب لا يستحقونها وأمّروا الصغار على الأحرار ووضعوا الجهَلة على رؤوس أبناء البيوتات الكريمة الذين صنعوا تاريخ هذه الأرض. جعلوا الرخيص سيّدًا والنبيل تابعًا والمنافق وجهًا للمرحلة. هذه ليست خيانة سياسية، هذه إهانة مباشرة لخط الحسين ولشرف التشيّع. من دافع عن الأسد ومن حالف باسيل وبرّي ومن أمّر الخسيس على الكريم لا يحق له أن يتلفّظ باسم الحسين. هؤلاء شوّهوا كل شيء: الدين، التاريخ، الكرامة والمقاومة. وسيسجّلهم الزمن في خانة واحدة لا غير هي خانة خوَنة النهج، خَدَمُ الفاسدين وسقوطٌ لا يغفره أحد.

أكثر من أربعة عقود وأنتم تتقاسمون الكراسي كما تتقاسم الضواري فريستها، وكلما فتحتم فمكم بالشعارات كان البلد يُقفل بابًا جديدًا من أبواب حياته. أربعون عامًا من شراكة الحكم والنهب والتجارة بكل شيء، بالوطن، بالناس، بالدم، وبالخراب وبالممنوعات. وعندما نفتح دفتر الحساب لا نجد سطرًا واحدًا يبيّض الوجه، لا نهضة، لا عدالة، لا دولة، فقط جثث على الطرقات، شباب هاجروا أو قُتلوا وعائلات تفتش في الركام عمّا تبقّى من كرامتها. أنتم لم تقدّموا للبنان إلّا أنهارًا من الدم وجبالًا من الدمار وحبلًا لا ينتهي من الأكاذيب. تصرخون بالمقاومة وأنتم أوّل من قاوم الدولة، تهتفون بالإصلاح وأنتم بيوت الفساد، وتتشدّقون بالأخلاق وأنتم أوّل من هتكَها. هذا البلد لم يُدمَّر من الحروب فقط، بل منكم، من جشعكم، من تحالفاتكم العفنة، من صفقاتكم الخفية ومن ولائكم لكل شيء إلّا للبنان. والآن حين تُسألون ماذا قدّمتم؟ الجواب واضحًا وقاسيًا كالحقيقة نفسها، قدّمتم وطنًا مكسورًا واقتصادًا محروقًا وشعبًا ممزقًا ومستقبلًا مسروقًا. قدّمتم الخراب ولا شيء غير الخراب.

عند مداخل القرى الشيعية تستقبلك عشرات الوجوه اليافعة التي خُطفت من أحلامها وزُجّ بها في أتون حروب عبثية. صوَر لشباب تلوح على الجدران كقائمة طويلة لضحايا الفقر والتضليل والاستغلال، شبابٌ استُدرجوا بالشعارات الرنانة والطاعة العمياء بينما من أرسلهم بقي محاطًا بالرفاهية والحماية والسلطة. خلف كل صورة يتيم يبحث عن يد كانت تُمسكه، أرمله تقاتل وحدها قسوة الحياة، أمٌّ ثكلى تحدّق في السماء علّها تفهم لماذا خُطِف ابنها منها باسم معركة لا تعرف حدودها ولا أهدافها؛ عائلةٌ مكسورة الظهر وبيت فارغ لا يسمع سوى الصمت. هذه ليست مداخل قرى إنها شوارع تفيض بالدموع وجدران مُسجّلة بأسماء كان يمكن أن تصبح علماء ومعلّمين وآباء وشبابًا يملأون الحياة ضحكًا بدل أن يملأوا المقابر. لا مجد في موت يُصنع للفقراء فقط ولا بطولة في حرب يدفع ثمنها الأيتام والأرامل والأمهات الثكالى بينما يكتفي الزعماء بالخطابات. الحقيقة التي يخشاها الجميع واضحة كالدم على الجدران، من يملك القوة ينجو ومن يملك الفقر يُدفَن. وكل صورة تصرخ: كفاكم سرقة شبابنا وكفاكم صناعة أيتامٍ وأرامل، كفاكم تعبئة المقابر بأحلام كان يجب أن تعيش.

مقالات مشابهة
04・06・2026
محمد رعد وخطاب إدارة الهزيمة
داود رمّال
في النداء الأخير لرئيس «كتلة الوفاء للمقاومة» محمد رعد لا تظهر الأزمة بوصفها أزمة حرب فقط، بل أزمة معنى وهوية ووظيفة ودور تاريخ. ويمكن القول إن أخطر ما في نداء محمد رعد ليس مضمونه السياسي المباشر، بل روحه العامة. إنها روح جماعة تشعر في داخلها بأن مرحلة كاملة انتهت، لكنها لا تملك الجرأة على الاعتراف بذلك علنًا.
03・06・2026
مئة عام على الدستور اللبناني: بين ثبات النصّ وتقلُّبات الجغرافيا السياسية
جاد الأخوي
لبنان، بكل أزَماته وانهياراته، حافظ على فكرة الدستور كمرجعية للدولة، حتى عندما انتُهكت هذه المرجعية مرارًا. وهذه حقيقة تستحق التوقف عندها في المئوية الأولى للدستور اللبناني، ليس من باب الاحتفال العاطفي، بل من باب قراءة معنى أن يبقى نص دستوري قائمًا قرنًا كاملًا في منطقة عاشت على إيقاع الانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، وسقوط الجمهوريات، وصعود الأنظمة الأمنية.
01・06・2026
الحرب على الذاكرة تقول: نريد اقتلاعكم
منى فياض
إذن إن استهداف القرى والبلدات في جنوب لبنان ليس مجرد عمل عسكري عابر أو مجرد حرب، ولا يمكن اختزاله بلغة الأرقام: عدد المباني المهدّمة، أو كلفة الخسائر. ما يحدث أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام محاولة منظمة لضرب ما هو أثمن من الحجر: الذاكرة. المشكلة ليست فقط في ما يُهدم، بل في كيف نردّ نحن. تكرار العبارات الجاهزة مثل «سنعيد البناء أفضل مما كان» لا يكفي، بل قد يكون شكلًا من أشكال الهروب.
أيضاً للكاتب/ة
19・05・2026
وطن يأكل أبناءه، بعلبك الهرمل... ساحة العزاء المفتوحة
علي الضيقة
إنها الجنائز التي لا تنتهي والمواكب التي تشقُّ صمت البقاع لتزرع في ترابه غصّة لا تُمحى. تمتد الطريق من بعلبك إلى الهرمل كشريط من الوجع المعلّق فوق هامات الجبال، هناك حيث يسير الموت متبخترًا ببدلته المرقطة، يخطف شبابنا الذين ما زالوا في عمر الورد ويقتلعهم من أحضان أمهاتهم ومن بين يدَي أطفالهم ليُعيدهم إلينا جثامين باردة وصوَرًا تُعلَّق على الجدران الصامتة.
16・04・2026
عن المقامرة بالدماء اللبنانية في ساحات التفاوض الاقليمي
علي الضيقة
لقد حان الوقت لنزع القناع عن الوجوه التي باعت بيروت في سوق النخاسة الإقليمي والاعتراف بأن العدو الحقيقي للقمة عيشنا هو ذلك الفكر الظلامي الذي يقدم مصالح «الولي الفقيه» على مصلحة العامل والفلاح والطالب. إن البركان الذي يغلي في صدور الجائعين لن تُخمده الخطابات الرنانة والزلزال الذي بدأ في أمعاء الأطفال الخاوية سيهدم عروش كل الذين تاجروا بآلامنا ليرضوا أسيادهم...
25・03・2026
خراب الإسناد الثالث
علي الضيقة
في تاريخ لبنان الحديث سلسلة طويلة من الشعارات الكبيرة التي انتهت دائمًا بالنتيجة نفسها: الخراب. في كل مرة كان يُقال للبنانيين إن المعركة ليست هنا بل هناك، وإن الواجب القومي يفرض عليهم أن يتحول بلدهم إلى ساحة حرب مفتوحة....