
النهج الجعفري الحسيني يفرض قطيعة تامّة مع كل ظالم لكن التنظيمات الشيعية مزّقت هذا النهج بوقاحة وذهبت تدافع عن أكثر الطُغاة دموية، عن بشّار الأسد الذي قتل شعبه ودمّر مدنه فحوّلوه من جلّاد إلى حليف ونسوا أن الحسين مات كي لا يمدّ الشريف يده نحو قاتل غارق بالدم. لم يكتفوا بذلك بل تحالفوا مع الفاسد الكبير جبران باسيل الذي خنق الدولة بالصفقات والمحاصصات ومع نبيه برّي الذي حوّل السلطة إلى مزرعة محمية بالميليشيا السياسية. وقفوا معهما ضد الناس، ضد الحق، ضد الكرامة وكأنهم يقولون نحن أبناء كربلاء لكن في خدمة يزيد. ثم احتضنوا أخسَّ الناس ورفعوا الساقطين إلى مناصب لا يستحقونها وأمّروا الصغار على الأحرار ووضعوا الجهَلة على رؤوس أبناء البيوتات الكريمة الذين صنعوا تاريخ هذه الأرض. جعلوا الرخيص سيّدًا والنبيل تابعًا والمنافق وجهًا للمرحلة. هذه ليست خيانة سياسية، هذه إهانة مباشرة لخط الحسين ولشرف التشيّع. من دافع عن الأسد ومن حالف باسيل وبرّي ومن أمّر الخسيس على الكريم لا يحق له أن يتلفّظ باسم الحسين. هؤلاء شوّهوا كل شيء: الدين، التاريخ، الكرامة والمقاومة. وسيسجّلهم الزمن في خانة واحدة لا غير هي خانة خوَنة النهج، خَدَمُ الفاسدين وسقوطٌ لا يغفره أحد.
أكثر من أربعة عقود وأنتم تتقاسمون الكراسي كما تتقاسم الضواري فريستها، وكلما فتحتم فمكم بالشعارات كان البلد يُقفل بابًا جديدًا من أبواب حياته. أربعون عامًا من شراكة الحكم والنهب والتجارة بكل شيء، بالوطن، بالناس، بالدم، وبالخراب وبالممنوعات. وعندما نفتح دفتر الحساب لا نجد سطرًا واحدًا يبيّض الوجه، لا نهضة، لا عدالة، لا دولة، فقط جثث على الطرقات، شباب هاجروا أو قُتلوا وعائلات تفتش في الركام عمّا تبقّى من كرامتها. أنتم لم تقدّموا للبنان إلّا أنهارًا من الدم وجبالًا من الدمار وحبلًا لا ينتهي من الأكاذيب. تصرخون بالمقاومة وأنتم أوّل من قاوم الدولة، تهتفون بالإصلاح وأنتم بيوت الفساد، وتتشدّقون بالأخلاق وأنتم أوّل من هتكَها. هذا البلد لم يُدمَّر من الحروب فقط، بل منكم، من جشعكم، من تحالفاتكم العفنة، من صفقاتكم الخفية ومن ولائكم لكل شيء إلّا للبنان. والآن حين تُسألون ماذا قدّمتم؟ الجواب واضحًا وقاسيًا كالحقيقة نفسها، قدّمتم وطنًا مكسورًا واقتصادًا محروقًا وشعبًا ممزقًا ومستقبلًا مسروقًا. قدّمتم الخراب ولا شيء غير الخراب.
عند مداخل القرى الشيعية تستقبلك عشرات الوجوه اليافعة التي خُطفت من أحلامها وزُجّ بها في أتون حروب عبثية. صوَر لشباب تلوح على الجدران كقائمة طويلة لضحايا الفقر والتضليل والاستغلال، شبابٌ استُدرجوا بالشعارات الرنانة والطاعة العمياء بينما من أرسلهم بقي محاطًا بالرفاهية والحماية والسلطة. خلف كل صورة يتيم يبحث عن يد كانت تُمسكه، أرمله تقاتل وحدها قسوة الحياة، أمٌّ ثكلى تحدّق في السماء علّها تفهم لماذا خُطِف ابنها منها باسم معركة لا تعرف حدودها ولا أهدافها؛ عائلةٌ مكسورة الظهر وبيت فارغ لا يسمع سوى الصمت. هذه ليست مداخل قرى إنها شوارع تفيض بالدموع وجدران مُسجّلة بأسماء كان يمكن أن تصبح علماء ومعلّمين وآباء وشبابًا يملأون الحياة ضحكًا بدل أن يملأوا المقابر. لا مجد في موت يُصنع للفقراء فقط ولا بطولة في حرب يدفع ثمنها الأيتام والأرامل والأمهات الثكالى بينما يكتفي الزعماء بالخطابات. الحقيقة التي يخشاها الجميع واضحة كالدم على الجدران، من يملك القوة ينجو ومن يملك الفقر يُدفَن. وكل صورة تصرخ: كفاكم سرقة شبابنا وكفاكم صناعة أيتامٍ وأرامل، كفاكم تعبئة المقابر بأحلام كان يجب أن تعيش.





