
يحدث التحوّل في إدارة الرأي العام داخل البيئة الشيعية دفعة واحدة، ولم يأتِ نتيجة قرار مركزي أو تغيير مُعلن في السياسات الإعلامية. لقد تشكّل تدريجيًّا، بصمت، مستفيدًا من الإرهاق العام، ومن تغيّر عادات التلقّي، ومن الانهيارات المتلاحقة التي أصابت المجتمع والدولة معًا. في هذا السياق، بدأ العقل الإعلامي التقليدي، القائم على التخطيط المسبق واللغة الرسمية والخطاب المنضبط، يفقد فاعليته، لا لأنه بات خاطئًا بالضرورة، بل لأنه أصبح بطيئًا في زمن السرعة، وثقيلًا في زمن الاختزال.
كان هذا العقل الإعلامي يفترض وجود جمهور مستعد للاستماع، جمهور يملك وقتًا ذهنيًّا يسمح له بمتابعة السرديات الطويلة، وتحليل المواقف، وانتظار النتائج. لكن الواقع تغيّر. الجمهور نفسه بات يعيش ضغطًا معيشيًّا خانقًا، وقلقًا دائمًا، وشعورًا عامًا بالتهديد وعدم اليقين. في مثل هذا المناخ، لم يعد الخطاب العقلاني قادرًا على المنافسة أمام الرسائل السريعة، العاطفية، والمباشرة.
العقل الإعلامي الذي حكَم مرحلة طويلة من العمل السياسي والإعلامي في البيئة الشيعية كان يقوم على مركزية القرار وعلى ضبط الرسائل. اللغة كانت مدروسة، المفردات محسوبة، والنبرة متّزنة حتى في أشدّ اللحظات توترًا. كان هناك إيمان بأن السيطرة على السردية تعني السيطرة على الرأي العام، وأن الانضباط هو مصدر القوة.
إلّا أن هذا النموذج اصطدم بواقع جديد. لم تعد القنوات التقليدية هي المصدر الأول للمعلومة، ولم يعد البيان الرسمي قادرًا على منافسة تسجيل صوتي مجهول المصدر يصل إلى الهاتف المحمول في لحظة، محمّلًا بشحنة عاطفية عالية. مع الوقت، بدا وكأن هذا العقل الإعلامي يخاطب جمهورًا لم يعد موجودًا، أو لم يعد يشبه نفسه السابقة.
في الفراغ الذي خلّفه تراجع الإعلام التقليدي، برزت مقاربة مختلفة تمامًا، لا تشبه الإعلام بقدر ما تشبه التسويق. هذه المقاربة لا تسأل عن الحقيقة بقدر ما تسأل عن التأثير، ولا تهتم ببناء سردية متكاملة بقدر ما تركّز على إنتاج صدمة صغيرة ومتكرّرة. إنها مقاربة تقوم على الشعبوية بوصفها أداة فعّالة لتحريك الجماهير، لا لإقناعهم، بل لدفعهم إلى الاصطفاف والانفعال.
القبعة التسويقية الشعبوية لا تحتاج إلى مؤسسات ولا إلى هياكل تنظيمية واضحة. يكفي هاتف ذكي، وشبكة علاقات اجتماعية، وفهم بسيط لما يحرّك المشاعر الجمعية. هكذا، تحوّل الرأي العام إلى ما يشبه السوق المفتوحة، تُضخّ فيها الرسائل كما تُضخّ الإعلانات، وتُقاس قيمتها بمدى انتشارها لا بمضمونها.
لم يكن اختيار مجموعات واتسآب كأداة مركزية لهذا التحوّل أمرًا عشوائيًّا. واتسآب يتمتّع بخصوصية عالية داخل البيئة الشيعية، فهو تطبيق عائلي، اجتماعي، ويُنظر إليه باعتباره مساحة آمنة نسبيًّا لتبادل الآراء والمعلومات. الرسائل التي تصل عبره لا تبدو كإعلام، بل كحديث بين معارف، ما يمنحها مصداقية تلقائية حتى قبل التحقق منها.
داخل هذه المجموعات، تُضخّ الرسائل بوتيرة عالية. تسجيلات صوتية قصيرة، صوَر مرفقة بعبارات دينية أو شعبية، مقاطع فيديو مجتزأة، ونصوص مكتوبة بلغة قريبة من الشارع. لا أحد يسأل عن المصدر، ولا أحد ينتظر تأكيدًا رسميًّا. القيمة هنا ليست في الدقة، بل في التكرار، وفي الإحساس بأن الجميع يتحدّث عن الشيء نفسه.
في هذا السياق، يُنظر إلى واتسآب باعتباره مساحة شبه خاصة، أو ما يشبه الغرفة الداخلية للجماعة، حيث تختفي المسافة بين المرسِل والمتلقّي. الرسالة التي تصل عبر هذه المنصة لا تحمل طابع الإعلام بالمعنى التقليدي، ولا تُستقبل بوصفها مادة دعائية أو خطابًا موجّهًا، بل تظهر كأنها جزء من حديث عفوي بين معارف، أو رأي شخص قريب، أو معلومة «موثوقة» لأن مصدرها أحد أفراد الدائرة الاجتماعية نفسها. هذه الخصوصية تمنح الرسائل مصداقية تلقائية، تسبق أي محاولة للتحقق أو التشكيك، وتجعل عملية التلقّي أقرب إلى التفاعل العاطفي منها إلى القراءة النقدية.
ما يلفت في هذا الفضاء هو غياب الأسئلة. لا أحد يسأل عن المصدر، ولا أحد ينتظر تأكيدًا رسميًّا أو نفيًا موثوقًا. المعلومة تُستهلك كما هي، وتُعاد مشاركتها فورًا، وكأن فعل التداول بحد ذاته يمنحها شرعية إضافية. هنا، لا تعود القيمة مرتبطة بصحة المحتوى أو دقّته، بل بمدى انتشاره، وبعدد المرات التي يظهّر فيها أمام المتلقّي، وبالإحساس المتراكم بأن الجميع يتحدّث عن الموضوع نفسه، وبأن الصمت أو التردّد يعني الخروج عن الإيقاع العام.
بهذا المعنى، يتحوّل واتسآب إلى أداة مثالية لإدارة المزاج العام، لا عبر الإقناع المنطقي، بل عبر الإغراق المتواصل بالرسائل، وعبر خلق شعور دائم بالاستعجال والخطر والانخراط الجماعي. إنه فضاء لا يُنتج رأيًا عامًا بالمعنى الكلاسيكي، بل يصنع حالة، ويعيد تشكيل الوعي من خلال التكرار والضغط العاطفي، فيصبح المتلقي جزءًا من التيار قبل أن يعي اتجاهه أو نتائجه.
إلى جانب الدور المركزي الذي أدّته مجموعات واتسآب في هذا التحوّل، برزت على منصّات التواصل الاجتماعي ظاهرة لا تقلّ تأثيرًا، تمثّلت في صعود مجموعة من المؤثرين الشعبويين الذين باتوا يشكّلون عنصرًا أساسيًّا في إدارة المزاج العام داخل البيئة الشيعية. هؤلاء لا يقدّمون أنفسهم بوصفهم إعلاميين محترفين أو محلّلين سياسيين، ولا يدّعون امتلاك أدوات البحث أو المعرفة الأكاديمية، بل يحرصون على الظهور كأشخاص عاديين، أبناء البيئة نفسها«يقولون ما لا يُقال» ويتحدّثون بلسان الشارع لا بلغة النخب.
خطاب هؤلاء المؤثرين يتّسم بالمباشرة الحادّة، وبنبرة هجومية في كثير من الأحيان، ويعتمد على التبسيط المفرط للقضايا السياسية المعقّدة، وعلى اختزال الصراعات والسياقات في ثنائيات سهلة التداول. السخرية، التهكّم، والاستهزاء بالخصوم أو بالمواقف المخالفة تشكّل أدوات أساسية في هذا الخطاب، لا بوصفها وسائل نقد عقلاني، بل كآليات تعبئة عاطفية تهدف إلى نزع الشرعية عن أي رأي لا ينسجم مع المزاج السائد داخل الجمهور المستهدَف.
في هذا المشهد، تحوّلت أسماء مثل علي برو، حسين مرتضى، عباس زهري وفادي أبو دية إلى نقاط ارتكاز أساسية، حيث باتت مقاطعهم تُتداول على نطاق واسع، ليس فقط عبر المنصّات التي ينشطون عليها، بل خصوصًا داخل مجموعات واتسآب، التي تشكّل الحلقة الأهم في عملية إعادة النشر والتكثيف. هذه المقاطع، غالبًا ما تكون قصيرة، حادّة الإيقاع، ومشحونة بالعاطفة، ما يجعلها قابلة للاستهلاك السريع، وسهلة التداول، ومناسبة تمامًا لبيئة لا تحتمل الشرح الطويل أو التحليل المعقّد.
الدور الذي يلعبه هؤلاء المؤثرون لا يقتصر على نقل رسالة أو التعبير عن موقف، بل يتعدّاه إلى إعادة صياغة الخطاب السياسي نفسه ضمن قالب شعبي، يُفرغ المفاهيم من تعقيدها، ويحوّل النقاش العام إلى مساحة انفعال لا إلى مساحة تفكير. هم لا يناقشون الوقائع بقدر ما يعيدون ترتيبها سرديًّا بما يخدم حالة شعورية محدّدة، وغالبًا ما يتمّ تقديم الرأي بوصفه حقيقة مكتملة، لا تحتمل الشك أو النقاش.
اللافت أن الغالبية الساحقة من هذا الخطاب تبقى بعيدة كل البعد عن المنطق التحليلي أو المقاربة الأكاديمية للسياسة. لا مكان هنا للتاريخ، ولا للسياق، ولا لتوازن المصالح، ولا لتعدّد زوايا النظر. السياسة تُختزل إلى مواقف أخلاقية حادّة، وإلى أحكام قطعية، وإلى لغة تقوم على الاستثارة لا على الفهم. هذا الابتعاد عن التحليل العقلاني لا يُعدّ ضعفًا في هذا النموذج، بل أحد أسباب قوّته، لأنه ينسجم مع جمهور مُنهك، لا يبحث عن تفسير بقدر ما يبحث عن موقف واضح يخفّف عنه عبء التفكير.
بهذا المعنى، يصبح المؤثر الشعبوي حلقة وصل مثالية بين الرسالة الخام التي تُضخّ عبر واتسآب، وبين الجمهور الواسع الذي يتلقّاها ويعيد تدويرها. هو يمنح الرسالة وجهًا وصوتًا، ويُكسبها شرعية شعبية إضافية، لأنه يبدو كأنه يتحدّث من داخل الجماعة لا من خارجها. ومع تكرار الظهور، وتراكم المقاطع، يتحوّل هؤلاء إلى مرجعيات غير رسمية، تُؤخذ مواقفهم بوصفها بديهيات، لا تحتاج إلى تدقيق أو مساءلة.
غير أن هذا الصعود، على الرغم من فاعليته التعبوية، يرسّخ نمطًا من الخطاب العام يقوم على الإقصاء، وتسطيح الوعي السياسي، وتهميش أي محاولة للنقاش الهادئ أو التحليل المتماسك. هكذا، لا يعود الرأي العام نتاج تفاعل عقلاني بين أفكار ومواقف، بل نتيجة عملية تسويق مستمر لخطاب شعبوي، يربح بالضجيج، ويخسر بالمعنى.
ولا يكتمل فهم دور هؤلاء المؤثرين الشعبويين من دون التوقّف عند البعد الأخطر في خطابهم، والمتمثّل في الاستثمار المنهجي في التحريض الطائفي بوصفه أداة تعبئة فعّالة وسريعة التأثير. فجزء أساسي من حضورهم وتأثيرهم لا يقوم فقط على التبسيط أو السخرية أو الخطاب الحاد، بل على تغذية شعور دائم بالخوف، وإعادة إنتاج صورة الآخر الطائفي بوصفه تهديدًا وجوديًّا، لا شريكًا في الوطن أو خصمًا سياسيًّا يمكن الاختلاف معه.
في هذا السياق، لا يُقدَّم الجمهور بوصفه مجموعة من المواطنين القادرين على التفكير النقدي، بل ككتلة خائفة يجب شدّ عصبها باستمرار. يتمّ تضخيم الأحداث، واجتزاء الوقائع، وإخراجها من سياقاتها، ثم إعادة تركيبها ضمن سرديات تقوم على منطق المؤامرة والاستهداف الدائم. الطوائف الأخرى لا تظهر في هذا الخطاب ككيانات اجتماعية متنوّعة، بل كجسم واحد متربّص، يُحمَّل مسؤولية كل أزمة، ويُستخدم كفزّاعة جاهزة لإقفال أي نقاش داخلي أو مساءلة سياسية.
بهذه الطريقة، يمارس عدد كبير من هؤلاء المؤثرين عملية خداع ممنهجة للجمهور، لا عبر الكذب الصريح دائمًا، بل عبر توجيه الخوف، واستثماره، وتحويله إلى هوية سياسية بديلة. الجمهور لا يُدفع إلى التفكير في أسباب أزماته الاقتصادية أو خياراته السياسية، بل يُعاد توجيه غضبه نحو الخارج الطائفي، وكأن الخطر يأتي دائمًا من الآخر، لا من داخل البنية السياسية والاجتماعية نفسها.
الخطير في هذا النمط من الخطاب أنه يقدّم نفسه بلباس الدفاع لا الهجوم، وبمنطق الحماية لا التحريض. المؤثر الشعبوي لا يقول إنه يحرّض، بل إنه «يحذّر»، ولا يدّعي أنه يزرع الكراهية، بل إنه «يكشف النوايا». هذه اللغة الملتبسة تمنح الخطاب شرعية أخلاقية زائفة، وتجعله أكثر قابلية للتداول، خصوصًا داخل مجموعات واتسآب التي تًعيد نشر المقاطع من دون أي مساءلة أو نقاش.
ومع تكرار هذا الخطاب، يتحوّل الخوف إلى حالة دائمة، وتصبح الطائفية أداة تعبئة يومية لا استثناءً ظرفيًّا. الجمهور يُعبَّأ طائفيًّا عبر جرعات متتالية من القلق والتحريض، ويُدفع إلى الاصطفاف الغريزي بدل الفهم السياسي. في هذه البيئة، لا يعود المنطق ولا التحليل الأكاديمي ولا النقاش العقلاني عناصر ذات قيمة، بل تُصوَّر أحيانًا كعلامات ضعف أو خيانة أو انفصال عن «نبض الشارع».
هكذا، لا يكتفي المؤثر الشعبوي بإعادة إنتاج خطاب سطحي بعيد عن التحليل السياسي الرصين، بل يساهم فعليًّا في تعميق الانقسامات الطائفية، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي على أساس الخوف لا المصالح، وعلى أساس الهوية المغلقة لا النقاش المفتوح. ومع كل مقطع جديد، ومع كل رسالة مُعاد تدويرها، تتكرّس معادلة خطيرة: جمهور مُنهك يُدار بالخوف، وخطاب يربح بالتحريض، ورأي عام يُصاغ بعيدًا من أي أفق وطني أو عقلاني جامع.
يشرح الدكتور رواد منذر، دكتور في القانون، قائلًا: إن ما شهدته البيئة الشيعية في السنوات الأخيرة لا يمكن اختزاله بتبدّل في الوسائل الإعلامية أو تطوّر تقني طبيعي، بل هو تحوّل عميق في طبيعة الخطاب نفسه وفي المنطق الذي يحكم إنتاجه وتداوله. فالإعلام الذي كان، في مرحلة سابقة، يقوم على خطاب عقلاني نسبيًّا، يستند إلى لغة رسمية، ومفاهيم سياسية واضحة، ومحاولة - ولو محدودة - لتبرير المواقف وتفسيرها، انتقل اليوم إلى نموذج مختلف جذريًّا، يقوم على الرسالة العاطفية السريعة، لا على الفكرة، وعلى التأثير النفسي لا على الإقناع المنطقي.
ويشير الدكتور منذر إلى أن هذا التحوّل لم يكن بريئًا ولا عفويًّا، بل جاء نتيجة إدراك متزايد بأن الجمهور المُنهك اقتصاديًّا واجتماعيًّا لم يعد قابلًا للتفاعل مع الخطاب التحليلي أو القانوني أو السياسي المعقّد. في بيئة تتراكم فيها الأزمات ويغيب فيها الأفق، يصبح العقل عبئًا، وتتحوّل العاطفة إلى المدخل الأسهل للتأثير. من هنا، تراجع الخطاب الذي يخاطب المواطن بوصفه فردًا قادرًا على الفهم والمساءلة، وصعَد خطاب يخاطبه بوصفه كائنًا خائفًا، غاضبًا، وباحثًا عن حماية وهوية.
من وجهة نظر قانونية، يرى الدكتور منذر أن أخطر ما في هذا التحوّل هو الانفصال المتعمّد بين الخطاب الإعلامي وبين أي منطق عقلاني أو معياري. فالرسائل المتداولة اليوم، سواء عبر مجموعات واتسآب أو عبر المؤثرين الشعبويين، لا تهدف إلى شرح الوقائع أو تقديم سردية متماسكة، بل إلى إثارة ردّة فعل فورية. تُبنى الرسالة على الخوف، على الاستفزاز، وعلى استدعاء الغرائز الجماعية، وغالبًا ما تُغلَّف برموز دينية أو طائفية تمنحها حصانة عاطفية تحول دون مساءلتها.
ويؤكد الدكتور منذر أن هذا الانتقال من الخطاب العقلاني إلى الرسالة العاطفية ترافق مع تراجع واضح لفكرة المسؤولية الإعلامية. فحين يُستبدل التحليل بالصراخ، والتفسير بالتحريض، يصبح من السهل تضليل الجمهور، ودفعه إلى تبنّي مواقف لا تخدم مصالحه الفعلية. الإعلام، في هذه الحالة، لا يعود أداة نقل معرفة، بل يتحوّل إلى وسيلة تعبئة، أو ما يشبه أداة تعبئة نفسية جماعية، تُستخدم لإدارة الغضب وتوجيهه بدل معالجته.
ويحذّر الدكتور منذر من أن هذا النموذج الإعلامي، وإن بدا فعّالًا على المدى القصير، يحمل في طيّاته مخاطر قانونية واجتماعية جسيمة. فالتحريض العاطفي، خصوصًا حين يتقاطع مع الخطاب الطائفي، يفتح الباب أمام تآكل مفهوم المواطنة، ويُضعف الثقة بأي إطار جامع، ويحوّل الاختلاف السياسي إلى صراع هوياتي مغلق. من منظور القانون، هذا المسار لا ينتج رأيًا عامًّا واعيًا، بل جمهورًا مُعبًّا، سهل التوجيه، وتصعب عودته إلى منطق الدولة والمؤسسات.
ويخلص الدكتور رواد منذر إلى أن المشكلة الأساسية ليست في استخدام أدوات جديدة أو منصّات مختلفة، بل في التخلي الكامل عن العقل بوصفه مرجعية. فالإعلام الذي يتنازل عن العقلانية لصالح العاطفة المطلقة، لا يخسر فقط دوره التنويري، بل يساهم في إعادة إنتاج الأزمات نفسها، عبر تغذية الخوف بدل تفكيكه، وتكريس الانقسام بدل إدارة الخلاف. في مثل هذا المناخ، تصبح الحقيقة مسألة شعورية لا واقعية، ويصبح الرأي العام نتاجًا للتأثير لا للفهم.
من وجهة نظر الدكتور رواد منذر، لا يمكن فهم نجاح المقاربة التسويقية الشعبوية خارج سياق اللحظة التاريخية والاجتماعية التي تعيشها البيئة الشيعية، بل المجتمع اللبناني عمومًا. هذا النجاح لا يرتبط بأي تفوّق أخلاقي أو معرفي، ولا يدلّ على تطوّر في الوعي السياسي، بل يعكس انسجامًا شبه كامل مع شروط مرحلة تتّسم بالإنهاك، وفقدان الثقة، وتسارع الإيقاع اليومي. فحين تتآكل الدولة، وتضعف المؤسسات، ويتراجع الإحساس بالاستقرار، تصبح الرسالة البسيطة والعاطفية أكثر قدرة على النفاذ من أي خطاب عقلاني معقّد.
يشرح الدكتور منذر أن المقاربة الشعبوية نجحت لأنها تتخلّى عن افتراض أساسي كان يحكم الإعلام التقليدي، وهو افتراض وجود جمهور مستعد للفهم والتحليل والمساءلة. في الواقع الحالي، الجمهور لا يبحث عن تفسير قانوني أو سياسي للأحداث، بل عن معنى نفسي يخفّف عنه وطأة القلق. الخطاب الشعبوي لا يطلب من المتلقّي أن يفكّر، بل أن يشعر، أن يغضب، أن يخاف، أو أن يطمئن. وهذا التحوّل من الفهم إلى الشعور هو جوهر فاعليته.
من منظور قانوني، يرى الدكتور منذر أن هذه المقاربة تعمل خارج منطق المسؤولية والمعايير، لأنها لا تهدف إلى بناء موقفٍ واعٍ، بل إلى إنتاج استجابة فورية. هي سريعة في زمن لم يعد يحتمل الانتظار، وبسيطة في زمن تشابكت فيه الأزمات إلى حدّ العجز عن الإحاطة بها، وعاطفية في زمن بلغ فيه الإرهاق النفسي مستوى يجعل أي خطاب عقلاني يبدو باردًا أو منفصلًا عن الواقع. بهذا المعنى، لا تنافس الشعبوية الإعلام المؤسسي، بل تتجاوزه عبر تغيير قواعد اللعبة نفسها.
خلال رحلتنا عبر التحوّلات التي شهدتها البيئة الشيعية، بات واضحًا أن المشهد الإعلامي لم يعد يشبه ما كان عليه قبل سنوات. العقل الإعلامي التقليدي، المبني على التخطيط المنضبط، واللغة الرسمية، والحجة العقلانية، تراجع أمام مقاربة جديدة تعتمد على العاطفة، والرموز، والسرعة والاستثارة. القبّعة التسويقية الشعبوية حلّت محل العقل الإعلامي، وأثبتت فاعليتها في إدارة المزاج العام، والتحشيد الجماعي، وصناعة الرأي بسرعة تفوق أي جهاز مؤسساتي تقليدي.
غير أن هذا النجاح، على الرغم من فعاليته القصوى، يثير أسئلة عميقة حول مستقبل المجتمع ووعي الجمهور. فحين يصبح الجمهور محاطًا برسائل سريعة، عاطفية، وفي كثير من الأحيان مضلّلة، كيف يمكن للمواطن العادي أن يميّز بين الحقيقة والرواية؟ وكيف يمكن للمجتمع أن يحافظ على النقاش العقلاني والنقد البنّاء إذا كانت العاطفة والخوف هما المحركان الرئيسيّان للرأي العام؟
إضافة إلى ذلك، يطرح الخطاب الطائفي والتعبئة المستمرة أسئلة خطيرة حول الهوية الوطنية والتعايش بين المكوّنات المختلفة. هل سيبقى الانقسام الهوّياتي مجرد وسيلة للتأثير السياسي، أم أنه سيتحول إلى معيار دائم للعلاقات الاجتماعية والسياسية؟ وهل يمكن أن تستعيد الدولة والمجتمع أدوات العقل والمنطق في صياغة الرأي العام، أم أن المجتمع سيظل تحت تأثير الانفعالات المؤثرة التي تولّدها الرسائل الشعبية والشعبوية الرقمية؟
إن هذه التساؤلات، كما يرى الخبراء أمثال الدكتور رواد منذر، ليست مجرد أسئلة نظرية، بل تحديات واقعية تتطلب وقفة جماعية وفهمًا عميقًا لكيفية التعامل مع الإعلام الحديث، ومع استراتيجيات التعبئة العاطفية والشعبوية، قبل أن تتحول هذه الديناميكيات إلى واقع يصعب تغييره أو السيطرة عليه.


