
لنقُل الأمور كما هي، بلا مواربة لغوية ولا تجميل سياسي: ما جرى على طريق مطار بيروت في بداية الشهر الماضي لم يكن «استقبالًا شعبيًّا» لرأس الكنيسة الكاثوليكية، بل محاولة مصادرة سياسية متعمّدة لحدَث ديني عالمي. لم يكن تعبيرًا عن التنوّع، بل إعلان سيطرة. ولم يكن مشهدًا جامعًا، بل لحظة كشف عن حقيقة الفضاء العام في لبنان: لا شيء يمرّ من دون ختم القوّة المهيمنة على طريق المطار.
حين عبر موكب البابا، لم تُرفع فقط أعلام الفاتيكان والأعلام اللبنانيّة كما جرى في سائر المناطق، بل فُرضت رايات «حزب الله»، وصوَره، وشعاراته، وإشاراته التعبويّة. هذا لم يكن خطأ تنظيميًّا ولا تصرّفًا فرديًّا. كان قرارًا سياسيًّا واعيًا، مدروسًا، ومشحونًا بالرسائل. الرسالة الأولى كانت واضحة: لا قداسة تعلو فوق السرديّة، ولا مناسبة تُعفى من الاستعراض.
«حزب الله» لم يستقبل البابا… بل استولى على مشهد استقباله.
الفرق جوهري. الاستقبال يعني الترحيب. الاستحواذ يعني إعادة تعريف الحدث وفق ميزان القوة. وهذا ما حصل بالضبط. فالحزب لم يخفّف حضوره احترامًا للمناسبة، بل ضاعَفه، كأنه يقول: «نحن المرجعية هنا، حتى عندما يمرّ رمز عالمي».
ليس تفصيلًا، وليس صدفة، وليس اختلاف أذواق. ما جرى كان خرقًا سياسيًّا مقصودًا.
في كل المناطق اللبنانيّة، التزم الناس - بمختلف انتماءاتهم - ورُفعت أعلام الفاتيكان والأعلام اللبنانيّة فقط. التزموا بالحد الأدنى من احترام المناسبة، ووافقوا، ولو ضمنيًّا، على فصل لحظة الزيارة عن الصراع اليومي، وعن الاستعراضات الحزبيّة، وعن لغة الغلَبة.
إلّا أنّ هذا الإجماع توقّف فجأة عند طريق المطار.هناك فقط، رُفعت الرايات الحزبية، ظهرت الصوَر السياسية، فُرضت رموز لا تمتّ بصلة إلى قداسة الحدث ولا إلى طابعه الجامع. وكأنّ هذه البقعة الجغرافية قرّرت أن تقول للبنانيّين جميعًا: قواعدكم لا تنطبق هنا.
هذا ليس «تعبيرًا عن هوية»، بل فرض هوية. وليس «تنوّعًا»، بل كسرًا متعمّدًا للإجماع. وليس «موقفًا شعبيًّا»، بل قرارًا سياسيًّا باستخدام المكان والتوقيت لإرسال رسالة قوة.
السؤال لم يعد: لماذا رُفعت الرايات؟ السؤال الحقيقي هو: لماذا لم تُرفع إلّا هنا؟
الجواب واضح لمن لا يريد الهروب من الحقيقة: لأنّ طريق المطار يُعامل كمساحة سيادية خاصة، لا كجزء من الدولة. ولأنّ هناك من أراد أن يذكّر الجميع، في لحظة يفترض أنها جامعة، بأنّ السيطرة الرمزيّة لا تزال قائمة، وأنّ أي إجماع وطني يبقى ناقصًا إن لم يمرّ عبر هذا الشارع تحديدًا.
الصورة الأكثر دلالة لم تكن الأعلام بحدّ ذاتها، بل الإشارة: إشارة «التابوت».
لغة تهديد عسكرية، مرتبطة بخطاب حرب ودم ومواجهة، تُستعاد في لحظة «استقبال» البابا على طريق المطار «استقبالًا شعبيًّا».
هنا لا مجال للتذرّع بـ«تعبير شعبي» أو «تصرّف فردي». هذه إشارات جزء من ثقافة سياسيّة منظّمة، تُستخدم بوعي، وتُفهم فورًا من جمهورها. إدخالها إلى هذا المشهد تحديدًا ليس بريئًا، بل يقول بوضوح إنّ لغة القوة لا تتوقف، حتى في لحظة يُفترض أنها رسالة سلام.
السؤال البديهي: ما علاقة خطاب التهديد العسكري بزيارة دينيّة عالميّة؟
الجواب في منطق الحزب معروف: لا تعارُض بين السلام والتهديد، ولا بين القداسة والاستعراض. كلاهما أدوات في معركة واحدة على الرمزيّة.
في تسعينيّات القرن الماضي، التزم الحزب الصمت والحذَر. لاحقًا، انتقل إلى الترحيب المشروط. اليوم، وصل إلى الفرض بلا مواربة.
ما تغيّر ليس الخطاب فقط، بل ميزان القوة. عندما كان الحزب بحاجة إلى شرعيّة، تجنّب الاستفزاز. عندما امتلك مفاتيح الشارع، لم يعد يرى ضرورة للمجاملة. وهذه هي المشكلة البنيويّة: الاستقواء تحوّل من استثناء إلى قاعدة. قد يكون الحزب خدم سرديّته، وثبّت صورته أمام جمهوره.
الصورة التي خرجت إلى الخارج لم تكن صورة بلد يحترم رموزه الجامعة، بل صورة بلد غير قادر على حماية لحظاته الاستثنائية من التسييس. بلد لا يستطيع أن يقول: «هنا نتوقّف عن الصراع، ولو لساعات».
المشكلة ليست في استقبال الشيعة للبابا، ولا في التنوّع، ولا في الاختلاف السياسي. المشكلة أنّ طرفًا واحدًا قرّر أن يكون السقف الوحيد لكلّ حدث، حتى لزيارة بابويّة.
لا يمكن فصل ما جرى على طريق المطار عن المناخ السياسي الذي صاغه الخطاب الأخير للأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم. ففي ذلك الخطاب، لم يكن الحديث موجّهًا إلى الخارج بقدر ما كان موجّهًا إلى الداخل الشيعي تحديدًا. الرسائل كانت واضحة، مباشرة، وخالية من أي التباس: السلاح خارج النقاش، والضغوط لا تُغيّر الوقائع، وأي محاولة لفتح هذا الملف ستُواجَه بمنطق «الجاهزية» لا بمنطق التسويات. هذا الخطاب لم يكن توصيفًا للمرحلة فحسب، بل كان تعبئة سياسيّة مسبقة، أعادت شدّ العصب، ورفعت سقف التوقّعات، ورسّخت لدى الجمهور قناعة بأنّ المرحلة المقبلة هي مرحلة تثبيت لا تنازل.
من هنا، يصبح مشهد الرايات على طريق المطار امتدادًا عمليًّا للخطاب لا حدثًا منفصلًا عنه. فالجمهور الذي خرج لم يكن يتحرّك في فراغ، بل ضمن سرديّة صيغت بعناية: إحساس بالاستهداف، شعور بضغط خارجي، واستدعاء دائم لمنطق «الصمود». خطاب قاسم أعاد ترتيب أولويّات القاعدة الشعبيّة، وذكّرها بأنّ أي حدث حتى لو كان زيارة بابويّة يمكن أن يتحوّل إلى منصة لإعادة تأكيد الثوابت. وبهذا المعنى، لم يكن الشارع يعبّر عن نفسه فقط، بل كان يردّد ما قيل له بوضوح: لا تنازل في الرموز، ولا تخفيف في الإشارات، ولا حياد في لحظة يُراد لها أن تكون اختبار قوة.
إضافةً إلى ذلك، حمل الخطاب بُعدًا داخليًّا بالغ الأهمية داخل البيئة الشيعية نفسها. فهو لم يترك هامشًا للالتباس أو للتنوّع في القراءة، بل قدّم موقفًا جامعًا يُفترض أن يلتزم به الجميع. هذا ما يفسّر الانضباط العالي في المشهد، والتزام الرموز ذاتها، واللغة البصريّة نفسها. لم يكن الأمر حماسة عفويّة، بل اصطفافًا منضبطًا خلف خطاب سياسي واضح، أراد أن يسبق أي نقاش مقبل حول السلاح برسالة مفادها أنّ القاعدة الشعبية جاهزة، ومتماسكة، وغير معنية بتبديل أولوياتها تحت أي ضغط.
لا بدّ من التوقّف عند آلية إدارة الخطاب داخل البيئة الشيعية، وهي آليّة متماسكة، هرميّة، ومنضبطة إلى حدّ بعيد. فالخطاب لا يُترك للاجتهاد الفردي، ولا يُصاغ كردّ فعل عفوي على الأحداث، بل يُبنى تدريجيًّا عبر سلسلة واضحة من الرسائل تبدأ من القيادة السياسيّة - الدينيّة، وتنتقل إلى الأطر التنظيميّة، ثمّ تُترجم بصريًّا ومسلكيًّا في الشارع. في هذا السياق، يصبح الجمهور جزءًا من منظومة تواصل لا تعتمد فقط على الخطابة، بل على إعادة إنتاج المعنى عبر الرموز، الصوَر، والشعارات.
هذه المنظومة تقوم على مبدأ أساسي: وحدة السرديّة. لا يُطلب من القاعدة الشعبية أن تبتكر خطابها، بل أن تعكس خطابًا جاهزًا، محدّد السقف، واضح العناوين. وعندما تُحدَّد الأولويّة، كملف السّلاح مثلًا، تُعاد صياغة كل حدث لاحق ضمن هذه الأولويّة، مهما كان طابعه مختلفًا. هكذا، لا يعود السؤال: «هل المناسبة دينية أم سياسية؟» بل يصبح: «كيف يمكن توظيف المناسبة لتأكيد الثابت السياسي؟». ومن هنا، يُفهم كيف تحوّل «استقبال» البابا على طريق المطار إلى مساحة عرض رمزي منضبط، لا إلى لحظة حياد.
الأهم أنّ هذه الآلية لا تعمل بالقسر الظاهر، بل عبر اقتناع مُسبق صيغ على مدى سنوات. الجمهور لا يشعر أنّه يُستخدم، بل إنّه يشارك في «واجب» سياسي. وهذا ما يمنح المشهد قوّته: غياب التردّد، وحدة الصورة وتكرار الرموز نفسها في المكان نفسه. في المقابل، يُقصى أي صوت مختلف داخل البيئة نفسها، ليس بالمنع المباشر، بل بجعله خارج السياق العام، وكأنّه نشاز لا مكان له في تلك اللحظة المصيرية.
بهذا المعنى، ما جرى على طريق المطار لم يكن مجرّد استعراض، بل نتيجة طبيعيّة لبنية خطابيّة مغلقة ترى في كل استحقاق فرصة لإعادة شدّ الصفوف، وتخشى من أي لحظة حياد باعتبارها ثغرة محتملة. فالحياد، في هذا المنطق، ليس موقفًا مشروعًا، بل خطرًا يجب ملؤه بالرموز قبل أن يملأه الآخرون بالأسئلة.
بهذا المعنى، لا تُختَزل أهمية المشهد في كونه «استقبالًا» أو «استعراضًا»، بل في كونه مادّة تشغيل سياسي للمرحلة المقبلة. صورة تُستدعى عند الحاجة، تُؤطَّر حسب الجمهور، وتُستخدم لتأجيل الأسئلة الثقيلة بدل الإجابة عنها. وهنا تكمن خطورتها: حين تتحوّل الصورة إلى سياسة، يصبح النقاش العام أسير الرموز، وتُؤجَّل المواجهة الحقيقية مع الأسئلة التي لا تريد السلطة الرمزية سماعها.
تزداد خطورة المشهد حين يُقرأ في توقيته لا في صورته فقط. فنحن دخلنا في مرحلة انتهاء المهلة المطروحة لتسليم سلاح «حزب الله» أو الدخول في المرحلة الحاسمة من المواجهة السياسيّة حوله، داخليًّا وخارجيًّا. وفي هذا التوقيت بالذات، لم يكن ما جرى على طريق المطار تفصيلًا ولا حماسة عابرة، بل رسالة استباقيّة مكتملة الأركان. الرسالة كانت واضحة لمن يريد أن يفهم: السلاح حاضر، القرار غير قابل للنقاش، والشارع تحت السيطرة، وأي رهان على تغيّر موازين القوّة هو رهان خارج الزمن.
بهذا المعنى، لم يكن رفع الرايات ولا كسر الإجماع الوطني مجرّد سلوك استعراضي، بل إعلان موقف نهائي: لا تسليم، لا تراجع، ولا خضوع لأي إيقاع دولي أو داخلي، حتى لو كان الحدث زيارة بابويّة، وحتى لو كان العالم بأسره يراقب. لقد تحوّل «استقبال» البابا على طريق المطار إلى خلفيّة، وإلى تفصيل ثانوي أمام الرسالة الأساسيّة التي أراد الحزب تثبيتها: السلاح هو العنوان، وما عداه مناسبات تمرّ وتُستثمر.
وهنا، تنتهي كل محاولات التفسير الرومانسي للمشهد. ما جرى لم يكن تعايشًا، ولا تنوّعًا، ولا التقاء رموز، بل استعراض قوة في لحظة مفصلية. لحظة أراد فيها الحزب أن يقول، بلا التباس: قبل أن يبدأ العدّ التنازلي، وقبل أن تُفتح الملفات الثقيلة، وقبل أن يُطرح السؤال الكبير… هذا هو الواقع، وهذه هي الأرض، وهذا هو السقف.





