شهد شهر تشرين الأول ٢٠٢٥ تصاعدًا ملحوظًا في حدة الاشتباك السياسي حول سلاح «حزب الله»، وانتقال هذا الاشتباك من مستوى السجال الإعلامي-السياسي إلى مستوى الإجراءات الحكومية، ولا سيما في ما يتصل بخطة حصر السلاح بيد الدولة والعلاقة بين حزب الله والحكومة اللبنانية وتحديدًا رئيسها نواف سلام، وربطًا قضية إضاءة صخرة الروشة، وملف جمعية «رسالات». بالتوازي، برز تكثيف «حزب الله» وحلفائه لخطاب التعبئة والشدّ العصبي وإعادة ترميم الشرعية الرمزية بعد الضربات الأمنية؛ ومن جهة ثانية، تحركات وتصريحات متنامية لتيار شيعي معارض للثنائي مثل «لقاء اللبنانيين الشيعة» وبعض المواقع الإعلامية التي تسعى لإبراز سردية بديلة داخل الطائفة.
واصل «حزب الله» في هذا الشهر تثبيت معادلة خطابية ثلاثية الأبعاد:
-سلاح الحزب خط أحمر وغير قابل للنقاش التنفيذي،
-الحكومة اللبنانية تعمل تحت ضغط وإملاءات أميركية مباشرة وتنفذ تنازلات متتالية لصالح اسرائيل،
-الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة تُبرّر استمرار وظيفة المقاومة.
وقد عبّرت كلمات الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، والنائب محمد رعد، وعدد كبير من نواب «كتلة الوفاء للمقاومة» عن هذا المسار بدقة، حيث جرى التأكيد المتكرر على:
أن الحزب في مرحلة «تعافٍ وإعادة بناء»، وأن أي حديث عن نزع السلاح هو «خدمة مباشرة للمشروع الصهيوني-الأميركي»، وأن الدولة اللبنانية «عاجزة عن حماية الجنوب».
كما حرص الخطاب الرسمي للحزب من خلال إعلامه الحربي بالدرجة الأولى وقنواته المباشرة كالمنار والعهد، على الربط بين السلاح والسيادة، بحيث جرت شيطنة كل خطوة حكومية تتعلق بحصرية السلاح.
برز في تشرين الأول ٢٠٢٥ اعتماد الحزب المكثّف على فكرة الذاكرة «الاستشهادية» كرافعة أساسية لإعادة تثبيت شرعيته بعد عام على اغتيال قيادته التاريخية. فقد غطّت أنشطة إحياء ذكرى الأمينين العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين كامل الجغرافيا الشيعية:
مجالس عزاء مركزية، مهرجانات ثقافية، وفود نقابية إلى المراقد، تجمعات كشفية وطلابية، أنشطة نسائية وثقافية.
ركزت هذه الفعاليات على إعادة ترسيخ الصيغة التي تؤكد أن «الشهداء» هم مصدر الاستمرارية السياسية والعسكرية، وأن أي اعتراض على السلاح هو طعن في «وصية الشهداء».
رغم تأكيد التزام الحزب عبر بياناته العلنية باتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن خطاب التهديد غير المباشر بقي حاضرًا:
-التلميح إلى القدرة على قلب الطاولة،
-الإيحاء بامتلاك عناصر مفاجأة استراتيجية،
-توجيه رسائل بأن الصبر «ليس ضعفًا».
وجرى تقديم هذا الضبط بوصفه خيارًا أخلاقيًا وطنيا لا نتيجة عجز عسكري.
شكّلت تبعات حادثة إضاءة صخرة الروشة، ثم قرار تعليق ترخيص جمعية «رسالات»، نقطة أساسية في العلاقة بين الحزب والحكومة الجديدة. فقد تم التركيز على هذه الملفات بأنها:
اختبار نيات الدولة، ومؤشّرًا أوليًا لمسار المواجهة السياسية المقبلة. وقد تطوّر خطاب الحزب من الدفاع عن نشاطه عند صخرة الروشة إلى اعتبار ما جرى:
«استهدافًا مباشرًا للبيئة الشيعية»، «تسييسًا للقانون»، «استرضاءً للخارج»
بالتوازي مع هذا المشهد، شهد تشرين الأول ٢٠٢٥ تصاعدًا ملحوظًا في نشاط المعارضة الشيعية الداخلية، سواء عبر بيانات صادرة عن بلدات حدودية، أو من خلال منصات إعلامية وكيانات مدنية أبرزها:
لقاء اللبنانيين الشيعة، مجموعات أهالي الجنوب المتضررين من الحرب، ناشطون مستقلون في ملف التعويضات وإعادة الإعمار.
وقام خطاب الشيعة المعارضين للثنائي في هذا الشهر على مرتكزات أساسية:
-تحميل «حزب الله» مسؤولية اندلاع حرب الإسناد وتداعياتها الكارثية،
-اتهام الحزب بتعطيل صرف التعويضات عبر «القرض الحسن»،
-التشكيك في جدوى معادلة الردع بعد الاختراقات الأمنية الكبيرة،
-رفض تحويل الطائفة إلى رهينة للخيار العسكري الدائم.
وقد صدرت بيانات مباشرة نسبت إلى سكان من البلدات الجنوبية الحدودية حمّلت الحزب مسؤولية:
-تعطيل الحلول،
-منع التعويضات،
-إبقاء القرى في حال دمار مستدام.
برزت الانتخابات النيابية المقبلة كأحد أهم محركات السلوك السياسي للطرفين داخل البيئة الشيعية. فقد عمل الثنائي على:
توصيف الانتخابات كـ«انتخابات وجودية»؛ التأكد على محوريتها بالنسبة للطائفة الشيعية، وعمل «حزب الله» على ربطها مباشرة بـ«العهد للسيد نصر الله»،
في المقابل، رأى معارضو الثنائي الشيعي أن:
هذا الخطاب يهدف إلى شدّ العصب المذهبي وإلى تغطية أي فشل معيشي أو أمني، ومنع أي خرق داخل الطائفة وربط خيارات الطائفة بخيارات ايران.
يُظهر مشهد تشرين الأول اختلالًا واضحًا في معادلة العلاقة بين الدولة والبيئة الشيعية:
ويظهر في هذا المجال تقدّم الدولة ببطء شديد استعادة الحد الأدنى من سلطتها أو إعطاء تطمينات للبنانيين الشيعة بالنسبة إلى المستقبل الأمني والسياسي والاقتصادي،
فيما امتلك الحزب قدرة عالية على التعطيل والتجييش وعلى استحضار الرموز والتأكيد على الخطر الذي يواجه الطائفة في حال تخلت عنه وعن سلاحه.
رغم التزام الأطراف المعنية، وخصوصًا «حزب الله» وإسرائيل، بسقفٍ عام من الضبط الميداني خلال تشرين الأول ٢٠٢٥، إلا أن المؤشرات السياسية والأمنية أوحت أن احتمالات التصعيد ما زالت قائمة وبنسب متفاوتة، وإن كانت لا تتجه بالضرورة نحو حرب شاملة قريبة. فالضربات الإسرائيلية المتكررة، التي استهدفت آليات، حفارات، إضافة إلى استمرار الاغتيالات، شكّلت ضغطًا تراكميًا على بنية الردع بالنسبة لـ«حزب الله»، حتى لو لم تستدعِ ردًّا مباشرًا حتى الآن. في المقابل، سعى الحزب إلى امتصاص هذه الضربات ضمن الإيحاء بأنه يقوم بذلك خدمة لمصلحة الطائفة الشيعية عن طريق تفادي الانجرار إلى مواجهة مفتوحة من ناحية، ومن ناحية أخرى تفويت الفرصة على إسرائيل خصوصًا مع تصاعد الضغط الدولي لتنفيذ خطة حصر السلاح.


