03・12・2025
من العدد ٢٨
هُم شيعةُ الأحزاب… لا شيعةُ الحسين


من المؤلم أن يتحوّل مجتمع كان يُضرب به المثل في الإباء والكرامة إلى ساحة تنهبها الأحزاب كما تنهب الغربان جثة وطن ميت. من المؤلم أن يتحوّل أبناء جبل عامل وبعلبك والجنوب أحفاد العلماء والثوّار والمفكرين إلى أسرى في معسكرات الولاء الأعمى، يُصفّقون للذلّ باسم «المقاومة» ويُبرّرون الفساد باسم البيئة الحاضنة.

لقد أفرغت الأحزاب الشيعية، منذ عقود، الروح من جسد الطائفة فحوّلتها من طائفة منفتحة على الوطن إلى طائفة مسوّرة بالخوف والشعارات. علّموهم أن النقد خيانة وأن الجوع صبر وأن انهيار الدولة مؤامرة بينما كانت ثرواتهم تتكاثر ومناصبهم تتزايد وأبناء الناس يهاجرون أو يموتون بصمت.

مَن كان يُفترض أن يكون صوت الفقراء صار تاجرهم. ومن كان يُفترض أن يحمل راية الحسين صار يبيعها في سوق السلطة. الحسين الذي خرج ضدّ الطغيان يُستَخدم اليوم لتبرير طغيان أشدّ قسوةً ونفاقًا. وكربلاء التي كانت ثورة على الظلم صارت مسرحًا للبكاء الموسمي تُذرف فيه الدموع لا لإحياء قيَم الثورة بل لتنويم الضمير الجماعي حتى لا يستيقظ. لقد حوّلوا «المقاومة» إلى تجارة والموت إلى مورد سياسي والعقيدة إلى جدار يُحاصر العقل. قتلوا في الناس روح السؤال واستبدلوها بثقافة الطاعة العمياء. صار المواطن الشيعي يخاف من جاره أكثر مما يخاف من عدوِّه لأن الجار قد يكون مُخبرًا أو مؤيِّدًا أو تابعًا. كل ذلك باسم الكرامة فيما الناس يمدّون أيديهم للصدَقات وينتظرون المازوت والدواء من مكاتب النواب ويعيشون في الظلمة التي فرضها «حماة النور». كرامة تُستمدّ من العوَز لا من العدل، ومن الولاء لا من الكفاءة، ومن الخوف لا من الحرية. لقد سرقوا الطائفة كما سُرق الوطن. سرقوا عقول الشباب وأحلام النساء وأموال المهاجرين ودماء الشهداء. جعلوا من الجنوب والبقاع مختبرًا للتبعية ومن منابر الحسين منابر للزعيم ومن كل بيت حزين بيتًا للسكوت والرضوخ. لكنّ الزمن لا يرحم والتاريخ لا يُكتب بالشعارات. سيأتي يوم يعود فيه الشيعة إلى حقيقتهم الأولى: أحرارًا لا عبيدًا، ثائرين لا خانعين وحسينيين بالفعل لا بالندب. سيُدركون أن الطغاة الذين يتزيّنون بعباءة الدِّين ليسوا إلّا سماسرة لخرابهم وأن النجاة لا تكون إلّا حين يستعيدون العقل من الأسْر والكرامة من فم الحزب والإيمان من تحت الركام. عندها فقط سيعود صوت الحسين يعلو من جديد: هيهات منّا الذلّة، لا للعدوّ فقط بل للطغيان المقنّع بعباءتنا.

مَن كان يُفترض أن يكون صوت الفقراء صار تاجرهم. ومن كان يُفترض أن يحمل راية الحسين صار يبيعها في سوق السلطة. الحسين الذي خرج ضدّ الطغيان يُستَخدم اليوم لتبرير طغيان أشدّ قسوةً ونفاقًا. وكربلاء التي كانت ثورة على الظلم صارت مسرحًا للبكاء الموسمي تُذرف فيه الدموع لا لإحياء قيَم الثورة بل لتنويم الضمير الجماعي حتى لا يستيقظ. لقد حوّلوا «المقاومة» إلى تجارة والموت إلى مورد سياسي والعقيدة إلى جدار يُحاصر العقل. قتلوا في الناس روح السؤال واستبدلوها بثقافة الطاعة العمياء. صار المواطن الشيعي يخاف من جاره أكثر مما يخاف من عدوِّه لأن الجار قد يكون مُخبرًا أو مؤيِّدًا أو تابعًا. كل ذلك باسم الكرامة فيما الناس يمدّون أيديهم للصدَقات وينتظرون المازوت والدواء من مكاتب النواب ويعيشون في الظلمة التي فرضها «حماة النور». كرامة تُستمدّ من العوَز لا من العدل، ومن الولاء لا من الكفاءة، ومن الخوف لا من الحرية. لقد سرقوا الطائفة كما سُرق الوطن. سرقوا عقول الشباب وأحلام النساء وأموال المهاجرين ودماء الشهداء. جعلوا من الجنوب والبقاع مختبرًا للتبعية ومن منابر الحسين منابر للزعيم ومن كل بيت حزين بيتًا للسكوت والرضوخ. لكنّ الزمن لا يرحم والتاريخ لا يُكتب بالشعارات. سيأتي يوم يعود فيه الشيعة إلى حقيقتهم الأولى: أحرارًا لا عبيدًا، ثائرين لا خانعين وحسينيين بالفعل لا بالندب. سيُدركون أن الطغاة الذين يتزيّنون بعباءة الدِّين ليسوا إلّا سماسرة لخرابهم وأن النجاة لا تكون إلّا حين يستعيدون العقل من الأسْر والكرامة من فم الحزب والإيمان من تحت الركام. عندها فقط سيعود صوت الحسين يعلو من جديد: هيهات منّا الذلّة، لا للعدوّ فقط بل للطغيان المقنّع بعباءتنا.

مقالات مشابهة
28・04・2026
سوق الشتّامين: ضجيج بلا موقف
علي منصور
ما نشهده اليوم في لبنان ليس مجرّد تدهور سياسي أو أمني، بل انحدار واضح في مستوى اللغة نفسها. لم يعد الخلاف يُعبَّر بالأفكار، بل بالشتيمة. فهناك وهْم واسع الانتشار بأن الشتائم يمكن أن تكون موقفًا، وأن رفع الصوت، واستخدام أقسى العبارات وأقذعها، كافٍ لإثبات الجرأة أو صدْق القول. لم يعد النقاش ساحة لتبادل الآراء، بل مساحة مفتوحة للشتّامين.يبرّر البعض هذا السلوك بأنه «ردّ فعل».,,
21・04・2026
عن ذكرى ١٣ نيسان في ظلِّ حروب المحاور... لبنان وأخطار العنف المفتوح
رنا شمص
ما يجعل لحظة اليوم أكثر خطورة من أي وقت مضى، هو انتقال لبنان من كونه ساحة صراع داخلي إلى كونه جزءًا من صراع إقليمي مفتوح. فالمواجهة بين إيران وإسرائيل لم تعد بعيدة عن لبنان، بل باتت تجري على أرضه، من خلال دور متقدم يلعبه «حزب الله» ضمن استراتيجيّة اقليميّة أوسع.
20・04・2026
في مواجهة «الترند» و«غرف الصدى»: لماذا يصبح الكلام في السياسة ضرورة في زمن الحرب؟
نور حطيط
يظلُّ الكلام، حتى على مستوى الأفراد، ضرورةً - ولو في حدّه الأدنى - لمواجهة الرواية المهيمنة وكسر «غُرف الصدى»، تلك التي تحبس الناس في فقاعاتٍ، تتردّد داخلها الرواية نفسها، والسردية ذاتها، والأيديولوجيا عينها. وفي عصر «الترند» والنقر السريع، سرعان ما ترتفع هذه الفقاعات إلى الفضاء الافتراضي، مُشكِّلةً عشائر إلكترونية، تُرسّخ الاعتقاد بأنّ المختلف عدوّ ينبغي إقصاؤه، معنويًّا أو بالعنف...
أيضاً للكاتب/ة
16・04・2026
عن المقامرة بالدماء اللبنانية في ساحات التفاوض الاقليمي
علي الضيقة
لقد حان الوقت لنزع القناع عن الوجوه التي باعت بيروت في سوق النخاسة الإقليمي والاعتراف بأن العدو الحقيقي للقمة عيشنا هو ذلك الفكر الظلامي الذي يقدم مصالح «الولي الفقيه» على مصلحة العامل والفلاح والطالب. إن البركان الذي يغلي في صدور الجائعين لن تُخمده الخطابات الرنانة والزلزال الذي بدأ في أمعاء الأطفال الخاوية سيهدم عروش كل الذين تاجروا بآلامنا ليرضوا أسيادهم...
25・03・2026
خراب الإسناد الثالث
علي الضيقة
في تاريخ لبنان الحديث سلسلة طويلة من الشعارات الكبيرة التي انتهت دائمًا بالنتيجة نفسها: الخراب. في كل مرة كان يُقال للبنانيين إن المعركة ليست هنا بل هناك، وإن الواجب القومي يفرض عليهم أن يتحول بلدهم إلى ساحة حرب مفتوحة....
03・03・2026
مصادرة التنوّع: إعادة تشكيل المجتمع الشيعي في لبنان سياسيًّا وثقافيًّا وتاريخيًّا
علي الضيقة
لم تدخل الثقافة الدينية الإيرانية إلى البيئة الشيعية في لبنان بوصفها تفاعلًا ثقافيًّا طبيعيًّا بين مجتمَعين، بل جاءت كمشروعٍ سياسي متكامل يمتلك أدواته الإعلامية والمالية والتنظيمية...