
من المؤلم أن يتحوّل مجتمع كان يُضرب به المثل في الإباء والكرامة إلى ساحة تنهبها الأحزاب كما تنهب الغربان جثة وطن ميت. من المؤلم أن يتحوّل أبناء جبل عامل وبعلبك والجنوب أحفاد العلماء والثوّار والمفكرين إلى أسرى في معسكرات الولاء الأعمى، يُصفّقون للذلّ باسم «المقاومة» ويُبرّرون الفساد باسم البيئة الحاضنة.
لقد أفرغت الأحزاب الشيعية، منذ عقود، الروح من جسد الطائفة فحوّلتها من طائفة منفتحة على الوطن إلى طائفة مسوّرة بالخوف والشعارات. علّموهم أن النقد خيانة وأن الجوع صبر وأن انهيار الدولة مؤامرة بينما كانت ثرواتهم تتكاثر ومناصبهم تتزايد وأبناء الناس يهاجرون أو يموتون بصمت.
مَن كان يُفترض أن يكون صوت الفقراء صار تاجرهم. ومن كان يُفترض أن يحمل راية الحسين صار يبيعها في سوق السلطة. الحسين الذي خرج ضدّ الطغيان يُستَخدم اليوم لتبرير طغيان أشدّ قسوةً ونفاقًا. وكربلاء التي كانت ثورة على الظلم صارت مسرحًا للبكاء الموسمي تُذرف فيه الدموع لا لإحياء قيَم الثورة بل لتنويم الضمير الجماعي حتى لا يستيقظ. لقد حوّلوا «المقاومة» إلى تجارة والموت إلى مورد سياسي والعقيدة إلى جدار يُحاصر العقل. قتلوا في الناس روح السؤال واستبدلوها بثقافة الطاعة العمياء. صار المواطن الشيعي يخاف من جاره أكثر مما يخاف من عدوِّه لأن الجار قد يكون مُخبرًا أو مؤيِّدًا أو تابعًا. كل ذلك باسم الكرامة فيما الناس يمدّون أيديهم للصدَقات وينتظرون المازوت والدواء من مكاتب النواب ويعيشون في الظلمة التي فرضها «حماة النور». كرامة تُستمدّ من العوَز لا من العدل، ومن الولاء لا من الكفاءة، ومن الخوف لا من الحرية. لقد سرقوا الطائفة كما سُرق الوطن. سرقوا عقول الشباب وأحلام النساء وأموال المهاجرين ودماء الشهداء. جعلوا من الجنوب والبقاع مختبرًا للتبعية ومن منابر الحسين منابر للزعيم ومن كل بيت حزين بيتًا للسكوت والرضوخ. لكنّ الزمن لا يرحم والتاريخ لا يُكتب بالشعارات. سيأتي يوم يعود فيه الشيعة إلى حقيقتهم الأولى: أحرارًا لا عبيدًا، ثائرين لا خانعين وحسينيين بالفعل لا بالندب. سيُدركون أن الطغاة الذين يتزيّنون بعباءة الدِّين ليسوا إلّا سماسرة لخرابهم وأن النجاة لا تكون إلّا حين يستعيدون العقل من الأسْر والكرامة من فم الحزب والإيمان من تحت الركام. عندها فقط سيعود صوت الحسين يعلو من جديد: هيهات منّا الذلّة، لا للعدوّ فقط بل للطغيان المقنّع بعباءتنا.
مَن كان يُفترض أن يكون صوت الفقراء صار تاجرهم. ومن كان يُفترض أن يحمل راية الحسين صار يبيعها في سوق السلطة. الحسين الذي خرج ضدّ الطغيان يُستَخدم اليوم لتبرير طغيان أشدّ قسوةً ونفاقًا. وكربلاء التي كانت ثورة على الظلم صارت مسرحًا للبكاء الموسمي تُذرف فيه الدموع لا لإحياء قيَم الثورة بل لتنويم الضمير الجماعي حتى لا يستيقظ. لقد حوّلوا «المقاومة» إلى تجارة والموت إلى مورد سياسي والعقيدة إلى جدار يُحاصر العقل. قتلوا في الناس روح السؤال واستبدلوها بثقافة الطاعة العمياء. صار المواطن الشيعي يخاف من جاره أكثر مما يخاف من عدوِّه لأن الجار قد يكون مُخبرًا أو مؤيِّدًا أو تابعًا. كل ذلك باسم الكرامة فيما الناس يمدّون أيديهم للصدَقات وينتظرون المازوت والدواء من مكاتب النواب ويعيشون في الظلمة التي فرضها «حماة النور». كرامة تُستمدّ من العوَز لا من العدل، ومن الولاء لا من الكفاءة، ومن الخوف لا من الحرية. لقد سرقوا الطائفة كما سُرق الوطن. سرقوا عقول الشباب وأحلام النساء وأموال المهاجرين ودماء الشهداء. جعلوا من الجنوب والبقاع مختبرًا للتبعية ومن منابر الحسين منابر للزعيم ومن كل بيت حزين بيتًا للسكوت والرضوخ. لكنّ الزمن لا يرحم والتاريخ لا يُكتب بالشعارات. سيأتي يوم يعود فيه الشيعة إلى حقيقتهم الأولى: أحرارًا لا عبيدًا، ثائرين لا خانعين وحسينيين بالفعل لا بالندب. سيُدركون أن الطغاة الذين يتزيّنون بعباءة الدِّين ليسوا إلّا سماسرة لخرابهم وأن النجاة لا تكون إلّا حين يستعيدون العقل من الأسْر والكرامة من فم الحزب والإيمان من تحت الركام. عندها فقط سيعود صوت الحسين يعلو من جديد: هيهات منّا الذلّة، لا للعدوّ فقط بل للطغيان المقنّع بعباءتنا.





