
منذ مدة قصيرة بدأ العلامة الشيخ محمد علي الحاج العاملي بنشر فيديوهات بعنوان «رؤئ معاصرة» عبر منصّات متعددة، يطرح فيها مسائل فقهية بأسلوب مختلف عن الذي طغى في المجتمع الشيعي اللبناني منذ صعود ولاية الفقيه المطلقة في المنطقة. يقدِّم ابن بلدة شحور الجنوبية، عبر منصّاته تلك، محتوى كالذي اعتاد نشره منذ سنوات في كتب وأبحاث ومقالات عن الدِّين والمجتمع. ويرمي الشيخ من وراء ذلك، والذي لطالما دعا للإصلاح والتجديد، واهتمّ بتعزيز الروابط بين الأديان، إلى الوصول لأوسع شريحة ليفتح آفاق العقل والتفكير بدل تثبيت السردية التي تروِّج لها الأحزاب المهيمنة في الطائفة لأهداف سياسية تلبِّسها لباس الدِّين.
لا تهدف منصّات مؤسس حَوْزَة الإمام السجّاد في الضاحية الجنوبية والذي لطالما اهتمّ بتاريخ الحوزات العلمية وتطويرها، إلى الغوص في الاشتباك السياسي اليومي، ولا تلجأ إلى عناوين معيشية يومية تجعل من رجل الدِّبن جزءًا من صراع سياسي، إنما تحاول الدفع باتجاه رفع الوعي لدى الجماعة الشيعية في لبنان، بعد أن بات خطاب رجال الدِّين المُهين فيها، خطاب في خدمة مشاريع سياسية لا في صالح الجماعة.
أجريت حوارًا مع الشيخ محمد علي الحاج حول تجربته التي تحاول مواكبة التطور. لدى اللقاء به، وعلى الرغم من توجّسي عادة من لقاء بعض رجال الدِّين، شعرت أنني في حضرة عالم دين تسهل محاورته ويفرض احترامه، بتواضعه وانفتاحه على الحوار وأسلوبه الذي يحترم العقل واستعداده للإجابة على كل الأسئلة، وهو ما يجعل التواصل ممكنًا، بل سهلًا.
اختار الشيخ «رؤى معاصرة» عنوانًا لمنصّاته، لأنه يؤمن بأن «الدِّين لا يمكن أن ننظر إليه إلّا من خلال رؤى معاصرة»، ويوضح «إذا ذهبنا إلى تجربة النبي محمد(ص) نرى أن الأمر الرئيسي الذي جعله ينهض بالمجتمع العربي وقتذاك هو نظرته المعاصرة والمستقبلية للمجتمع، فأخرج المجتمع البدائي من تخلُّفه إلى مجتمع أكثر تميّزًا ووعيًا وفهمًا للحياة، فاستطاعوا أن يتقدّموا ويتطوّروا». ويعتبر الشيخ أنه في «وقتنا الراهن، سواء كان في لبنان في الإطار الشيعي، أو في الإطار السنّي في المنطقة العربية الإسلامية، فإن خطاب رجال الدِّين والمؤسسات الدينية عمومًا، خطاب رجعي متخلّف يريد أن يعود بالناس إلى الخلف أكثر من عشرة قرون، بينما أراد النبي للمجتمعات أن تتقدّم». ويوضح «نحن لا نتحدث عن إيمان جديد بالله، بل نقول إن الدِّين مسلك ومعاملة وأسلوب حياة، لأنه في النهاية هذا الدِّين لا يمكن إلّا أن يكون متقدّمًا».
يعتبر الشيخ أن «إحدى أكبر الأزمات في مجتمعنا الشيعي، التي أدّت إلى التعقيدات الموجودة اليوم في الوضع الطائفي، ناشئة من هذا الجهل، أقصد به التخلف الدِّيني، هذه مشكلتنا الجوهرية لأنها تفتح المجال أمام البعض لاستثمار الدِّين وإدخاله في قضايا ليست من شأنه».
وفي حين يُحكى عن تدخّل رجال الدِّين في السياسة، يلفت إلى أنه في العمق «هذا تدخُّل السياسة في الدِّين» لا العكس، وهو ما سيتوضح لاحقًا خلال حديثه.
يرى الشيخ العاملي أن «الخلل القائم في الوسط الدِّيني الشيعي ناتج في الأعمّ الأغلب من إدخال الدِّين في أمور ليست من شأنه. فليس من شأن الإسلام أن يستثمر في نزاعات سياسية وفي صراعات القوى الحزبية. الإسلام أجلّ وأكبر من ذلك بكثير». وهو رأي كان الغالب لدى علماء شيعة قبل صعود ولاية الفقيه في إيران. إذ كان يعتبر هؤلاء أن ليس من شأن الفقيه أن يحكم.
انطلاقًا من هذه النظرة بدأ الشيخ بنشر منصّات مختصرة يتوجه فيها إلى الجمهور والذي يبدو بعضه متلقّفًا لوجود خطاب مُغاير عن السائد. يقول الشيخ إنه تعمّد عدم الدخول في إطالات وشروحات معقدة بل مجرد «إثارات سريعة لبعض الأفكار التي لا بدّ أن تصوَّب باتجاه بعض القضايا الحساسة». وهي بالفعل «إثارات» تحفّز على التفكير خارج الخطابات السائدة لتأطير الشيعة.
يأسف العاملي لأن «خطاب رجال الدِّين القائم في واقعنا الشيعي بات أسيرًا لعدة أمور: لمصالح المؤسسة الدِّينية الرسمية الشيعية في لبنان ولحالة سياسية قائمة في بلدنا وللموروثات الثقافية والفكرية، وهي موروثات ليست بالضرورة ذات صبغة دينية إسلامية، وقد تكون قبائلية عشائرية متخلفة أو اجتماعية لا صلة لها بالفكر الدِّيني الإسلامي الصافي. من هذا الباب نرى أنه لا بد من أن يكون هناك خطاب ديني أكثر وعيًا وأكثر انفتاحًا وأكثر إنسانية أيضًا».
يعتبر الشيخ أن من أسباب الخلل في فهم الدِّين تقييده وحصره والخلط دائمًا ما بين الدِّين والفكر الدِّيني وما بين النتاج البشري والنصوص الإلهية. ويضيف: «نقدِّس في كثير من الأحيان أموراً هي في الواقع غير مقدَّسة، لكننا قدّسناها بفعل إنها من الموروثات الفكرية التي وصلتنا». ويلفت إلى أن أحد أهداف «الإثارات الفكرية» التي يقدمها هو العمل على توعية الناس للتمييز بين هو ثابت وما هو ليس من الركائز والثوابت، حيث يشير إلى وجود مسائل اجتهادية يمكن للإنسان أن يكونله رأيه فيها.
ويؤكّد على أنه لا يمكن اعتبار أن بعض الأحكام غير قابلة للتغيير على الإطلاق، «بل هناك أحكام شرعية يمكن أن تتغير بفعل العوامل: الزمان والمكان والظروف المحيطة، وتؤدّي إلى ما يسميه الفقهاء عنوان ثانوي». ويشرح: «أحيانا هناك عنوان أوّلي، مثلًا يجوز شرب الماء، أما العنوان الثانوي قد يصبح شرب الماء حرام إن كان مؤذٍ، وقد يكون شرب الماء واجب إذا ما توقفت عليه الحياة». ويأسف «لأنه، في بعض الأحيان، يتمّ الخلط ما بين الثابت والمتحوّل، بين الأمور الأساسية التي لا اجتهاد في مقابل النص فيها، وما بين الأمور التي للبشر مساحة في تشريعها أو فهمها، وهي تندرج في حديث الرسول: الله الله في نظم أمركم».
رغم إغراق المنصّات بالمحتوى الدِّيني المسيّس والموجّه لاستكمال مساعي الهيمنة على الخطاب العام، غير أن لتجربته الداعية إلى التجديد صدًى، رغم أنها تجربة فرد لا تسخّر لها منظومة كاملة. ولهذه التجربة صدًى يبدو أنه سيكبر مع الوقت. فقد تلقّفها العديد من الباحثين عن خطاب جامع بعيدًا من خطاب التجييش والتفرقة.
يتلقى الشيخ اتصالات تطلب منه الإضاءة على مسائل وقضايا يرغب متابعون في تناولها من خارج التوظيف السياسي السائد. لكن أكثر ما يلفت انتباهه كان مطالبته من قِبل متابعين بطرح بعض القضايا التاريخية، «يستشف المرء كيف يؤثّر التاريخ في واقعنا، وكيف أن الناس تتحسّس التاريخ وتستشرف عِبره مستقبلها وتحاول أن تقرأ واقعها ومستقبلها عبر ماضيها. هذا لفتني جدًا»، حسب العاملي. وهي قضايا استُغلّت في التوظيف السياسي وبثّ التفرقة بين المذاهب، وفي طرحها مصلحة عامة إسلامية.
عن متابعي «رؤى معاصرة» الطامحين لخطاب جامع، يقول الشيخ إن «بعض الأشخاص اكتفوا من خطاب الماضي، الكل رأى إلى أين أوصل». ومن بين ردود الفعل من البلاد العربية من يطلب طرح قضايا متعلقة بالعلاقات السنية -الشيعية أو الإسلامية - الإسلامية، «بعضهم يطلبون مثلًا التحدّث عن زوجات النبي أو عن السيدة عائشة. أحد العلماء قال لي إن هذا الخطاب مفقود في ساحتنا، لأن الخطاب السائد بين رجال الدِّين في لبنان خطاب يستغرق في تفاصيل يومية حياتية، بينما نريد أن نؤسّس لوعي بمعزل عن كل المؤثّرات الجانبية».
كان من اللافت مناداة العلّامة بضرورة إقرار قانون مدني إجباري للأحوال الشخصية. وهو طرح يحاربه بشراسة رجال الدِّين في لبنان، رغم معاناة النساء، لأنه يمسّ بنفوذهم ونفوذ النظام السياسي القائم. لكن للشيخ محمد علي الحاج رأي متقدّم في هذا المجال. فهو يطالب بقانون مدني، إلزامي لا اختياري، ويرى أن القانون الاختياري «أسوأ من نظام الأحوال الشخصية الدِّيني الراهن اليوم. فلا بد أن تكون قرارات الدولة ملزمة لكل مواطنيها، ولا يمكن اعتبار أن للمواطن الخيار في أن ينظِّم أموره وفق هذه الطريقة أو تلك. فهل يختار أن يسجل بيته لدى رجل الدِّين؟ والدِّين لا يقتصر على الأحوال الشخصية، بل هو أشمل من ذلك... ومصلحة الدِّين في الدرجة الأولى تنزيهًا له أن تنظّم الدولة والسلطة المدنية القضايا التي تُعتبَر من شأنها هي».
إذًا، يرى الشيخ في فصل المؤسسات الدِّينية عن الدولة تنزيهًا للدِّين عن مسلك البشر. كما يدعو لأن ينظم رجال الدِّين شؤونهم في ما بينهم وغير مرتبط عضويًّا بالسلطة ولا يتصل بالدولة ولا يأخذ امتيازات منها. إذ يعتبر أن ذلك يؤدّي إلى ترابط مصالح بين الدولة ورجال الدِّين الذي يضعهم تحت سلطتها «وهذا أمر خطير جدًّا».
ينتقد الشيخ قبول رجال الدِّين بأن يصبحوا مرجعيات موظفة لدى الدولة، ويعتبر أن رجل الدِّبن في دار الفتوى أو في المجلس الإسلامي الشيعي وغيرهما يصبح رهينة للمسؤولين السياسيين، «وتصبح تلك المرجعيات أسلاكًا ترتبط بالسلطة وتتبع لرئاسة مجلس الوزراء. فهو موظف في الدولة يُعيّن من قِبل السلطة ومحكوم من جملة القرارات والتجاذبات السياسية القائمة في كل طائفة، بخلاف البطريرك مثلًا الذي يعيّن فقط من قِبل رجال الإكليروس، وبإمكانه التأثير على الدولة بينما لا تأثير لرئيس الجمهورية أو الحكومة على البطريرك. فتجربة السلك الإسلامي في الدولة تُظهر أنهم موظفون مثل العسكر، وتعيّنهم السلطة الرسمية ويتقاضون أموالًا منها. والمدنيون الذين ينتخبون المجلس الشيعي عددهم أكثر من عدد رجال الدِّين، فكيف يكون هذا مرجعية دينية؟».
من وجهة نظر العاملي، والتي يعكسها في خطابه، أن «المؤسسات الدِّينية الإسلامية أسّست لاحتكار عمل رجال الدِّبن والتأثير عليهم في محاولة لترويضهم». ويصف ممثليّات الطوائف أمام المجتمع اللبناني بأنها «وجاهة لا علاقة لها بالدِّين. فرئيس المجلس النيابي يستفيد حين تمكّنه هذه المؤسسات من أن يهيمن على رجال الدِّبن الشيعة، كما يستفيد رئيس الحكومة دائمًا من دار الفتوى والمحكمة السنّية للهيمنة على رجال الدِّبن السنّة، وهكذا يُحصر عمل رجال الدين».
يستحضر الشيخ قول السيد محمد حسن الأمين بأن المؤسّسات الدينية هي ركائز النظام الطائفي في لبنان، وبالتالي لا تؤدي خدمة دينية إطلاقًا. لكنه يعتبر أن وجودها بتنظيم داخلي لرجال الدِّبن بعيدًا من المكاسب الدنيوية أمر جيد.
في حين يتمّ الحديث عن تأخّر تأسيس المؤسّسات الدينية الشيعية ضمن إطار الدولة اللبنانية على أنه نتاج لتهميش الشيعة، ويتمّ استغلال ذلك في الخطاب الشيعي لإقناع الشيعة أنهم استُبعدوا، يقدّم العاملي مقاربة تعارض هذه السردية.
يقول العلامة إنه مع نشوء لبنان الكبير تأخّر الشيعة عن سواهم، وعن الدروز حتى، في تأسيس مؤسّستهم الدِّينية. ويضيف: إن تأسيس المؤسّسة الدِّينية الشيعية بعد أن جاء متأخرًا كان له فلسفته «لأن علماء الدِّبن الشيعة الأعلام، أمثال السيد عبد الحسين شرف الدِّبن والسيد محسن الأمين وغيرهما، كانوا لا يريدون فتح أي منفذ لرجال الدِّبن على السياسيين».
ويشير إلى أن الدولة اللبنانية طلبت من رجال دين شيعة، في حقبات سبقت مجيء السيد موسى الصدر إلى لبنان، التعاون في بعض الأمور، حيث «طُلب من العلّامة السيد عبد الحسين شرف الدِّبن تنظيم بعض الأمور. لكن علماؤنا اعتبروا أن هذا الأمر يُسيء لرجل الدين، وكانوا يرفضون العلاقة التي تأطِّرهم ضمن الدولة اللبنانية. السيد محسن الأمين قالها للمندوب السامي الفرنسي، ورفض أن يكون قيّمًا على المسلمين في سوريا وقتذاك. لكن حينما تدنّت مرحلة رجال الدِّبن الشيعة، قبِل بعضهم ببعض المكاسب على مستوى ما سُمي حينذاك تنظيم شؤون الطائفة الشيعية، وكان في حقيقة الأمر دعوة لتعليب الطائفة الشيعية كي تنخرط أكثر في تركيبة الدولة اللبنانية».
ويرى الشيخ أن ما حصل بتأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ودار الإفتاء الجعفري والمحاكم الشرعية الجعفرية، جعل حوالى ١٠٠ من رجال الدِّبن موظفين داخل أُطر الدولة الرسمية، و«صار هؤلاء منافذ للدولة وللسطلة السياسية على رجال الدين. يحصل هؤلاء على مكاسب، كحصانة وميزانيات معيّنة، ويساهمون بالمقابل بتغطية الفساد ومنع المحاسبة ضمن الطائفة».
ويلفت إلى أن المجلس الشيعي اليوم «يمنع التنوّع ويحارب كل من يحاول أن يُوجد تنوّع لدى الشيعة، على العكس من موسى الصدر الذي سعى لإيجاد هذا التنوع».
من بين الأمور التي يثيرها الشيخ العاملي مسألة »تسييس الثورة الحسينية». وهو ما كان يمكن لأي متابع عادي لمجالس العزاء خلال السنوات الماضية ملاحظته، والالتفات كيف وظّفت السيرة الحسينية سياسيًّا. مثلا اعتمد «حزب الله» في مجالس العزاء تعظيم مسائل معينة أو الغلوّ فيها وفق السردية التي كان يرغب بترويجها بما يتوافق مع وضعه السياسي.
يعتبر العاملي أن تشويه الثورة الكربلائية بدأ مع صعود ما سُمي التيارات السياسية الإسلامية. وبالنسبة إليه فإن طريقة تعاطي المجتمع الشيعي مع الثورة الحسينية في هذه الحقبة الزمنية «يشكّل انحرافًا في سياق تعاطي الشيعة مع ثورة كربلاء لأن ثورة كربلاء كانت لمحاربة النظام الدِّيني، أما نحن اليوم فكأننا نقول إن النظام الدِّيني معصوم ولا تجوز محاربته». ويضيف: «يقول بعض رجال الدِّبن إن كربلاء كانت تريد أن تحقق إصلاحًا سياسيًّا، وهذا غير صحيح. لم يكن هدف الحسين (عليه السلام) الإصلاح السياسي، فلو كان يزيد مجرد حاكم سياسي، لعله كان للحسين موقف آخر، لكن يزيد كان في موقع رسول الله)ص(، كان يُعد خليفة المسلمين ورأس هرم المجتمع الإسلامي آنذاك. حينما خرج عليه الحسين كان يحارب سلطة دينية تحديدًا. كان يريد إصلاحًا دينيًّا، لكن البعض ليس من مصلحتهم أن يتحدّثوا عن إصلاح ديني او جدوى من إصلاح ديني، لذلك يقولون إن الحسين أراد إصلاحاً سياسيًّا. كلا، فالحسين بذَل روحه وعائلته واستشهد وضحّى من أجل الدين، لا من أجل موقع سياسي».
يظهر الخطاب السائد في المجتمع الشيعي اليوم وكأن النكبة قدَر الشيعة الدائم. بينما يرى الشيخ محمد علي الحاج أن النكبات يمكن تفاديها في كثير من الأحيان. ويقول إن النكبات كانت «في بعض الأحيان مفروضة ولا مفرّ منها، لكن في أغلب الأحيان يكون هناك حلول أخرى». ويحذّر من أن خطأ معيّنًا في مجال ما سيوصل إلى نكبة، إذ إن «النكبات يمكن تفاديها أحيانًا، بينما يوصل سوء التعاطي في الشأن العام إلى نكبات».
ويشير الشيخ إلى أن بعض الأمور التي تُعتبر مسلّمات تاريخية وأن النكبة كانت مفروضة لم تكن دقيقة. ويلفت إلى سوء تقدير في حقبات سابقة أدّت لنكبات، «مرَّ تاريخ جبل عامل بنكبات كثيرة، في أكثر من حقبة زمنية كانت نتيجة سوء إدارة وتقدير، بالتالي في بعض الأحيان لا تكون النكبة قدرًا».
بينما يصوِّر مَن يسيطر على واقع الشيعة في لبنان اليوم الوضع كما لو أن قدَرهم أن يظلّوا منكوبين وأن يُقتلوا، يدعو العاملي الذي يتجنّب الغوص في السياسة، إلى «التأمل في أسلم الطرق لإدارة مجتمعاتنا. فأفضل حصانة لنا هي أن نستفيد من التجارب الماضية وألّا يكون لدينا علاقات خارجية تستفز الداخل كما كانت علاقات بعض الطوائف اللبنانية تستفز اللبنانيين» الآخرين.
وفي حين يواصل «حزب الله» إقناع مناصريه أن النكبة مصير محتّم على الشيعة وأنه لا مفرّ من تكرار كربلاء، ويرفض السعي لتفادي نكبة جديدة، يلفت العاملي إلى أنه مرَّ ما يزيد على عقدين من الزمن لم يكن الخطاب السائد في الوسط الشيعي كربلائي، «إنما على العكس من ذلك، فبعض القيادات روّجت للصلح كما فعل الإمام الحسن عليه السلام». وهو يلفت إلى أن «الخطاب الكربلائي يُستحضر عندما تكون وظيفته بلسمة الجراح والتغطية في بعض الأحيان على سوء الإدارة».
وبينما يأمل الشيخ محمد علي الحاج أن ينجح في مساعيه المستمرة منذ سنوات لنشر خطاب واعٍ يحرّر الدِّبن من الاستثمار السياسي، تثبت الأحداث في لبنان صوابية دعوة الشيخ إلى الحكمة وإلى تحرير الخطاب الديني من الاستثمار السياسي.





