
مع اقتراب الانتخابات البرلمانية في لبنان، يتجدّد النقاش حول موقع النساء الشيعيات في الحياة السياسية، في ظلِّ بنية حزبية - طائفية تُحكم السيطرة على المجال العام، وتضع النساء ضمن أدوار مراقَبة ومحدودة. وعلى خلاف التصوّرات السطحية التي تُرجع ضعف تمثيل النساء إلى «عدم الرغبة» أو «غياب الفرص»، تظهر المقاربة النسوية التفكيكية أنّ المشكلة بنيوية، مرتبطة بتشابك السلطة الدينية والحزبية والعائلية، وبنظام طائفي يضبط موقع المرأة ويُعيد إنتاج غيابها.
يُبرز تحليل سعاد جوزيف في كتابها «Gender and Citizenship in the Middle East» أنّ النظام الطائفي اللبناني يُعيد صوغ حقوق المواطنين وفق منطق الولاء للجماعة، بحيث تصبح المواطنة قائمة على الطاعة، لا على الحرية. هذا النموذج يُضاعف القيود على النساء، خصوصًا في الطوائف ذات البُنى الأبوية الصلبة، حيث تُحمَّل المرأة مسؤولية «الرمزية الأخلاقية« للطائفة.
انطلاقًا من هذا المنظور، يصبح غياب النساء الشيعيات عن المجلس النيابي ليس حدَثًا عرَضيًا، بل نتيجة مباشرة لبنية سلطوية تحاصر حضورهن داخل أدوار خدماتية أو تعبئية، بينما تُغلق أمامهن مسارات اتخاذ القرار.
تُظهر دراسة علي حمادة حول الجنوب اللبناني أنّ النساء الشيعيات شاركن منذ منتصف القرن العشرين في التعليم والعمل الأهلي، فيما بقيت السياسة مجالًا حكرًا على الرجال.
ومع صعود «حركة أمل» و«حزب الله» في الثمانينات، ازداد حضور النساء داخل المؤسسات الحزبية، لكن ضمن أدوار اجتماعية ودعَوية. توثّق لارا ديب في «An Enchanted Modern» هذا التوزيع للأدوار في الضاحية الجنوبية، حيث تُستخدم مشاركة النساء لتعزيز رأس المال الاجتماعي للحزب دون منحهن سلطة سياسية.
رغم انسداد المشهد السياسي داخل البيئة الشيعية وهيمنة البُنى الحزبية المغلقة، شهدت الانتخابات النيابية في دورتي ٢٠١٨ و٢٠٢٢ محاولات نسائية مستقلة لخوض المنافسة، شكّلت اختراقًا رمزيًّا في مشهد كان يُنظر إليه بوصفه محصّنًا بالكامل. فقد برزت مجموعة من النساء اللواتي قدّمن ترشُّحهن من خارج منظومة الطاعة الحزبية ومن خارج شبكات الزعامة التقليدية، متحدّيات الأعراف التي تحصر القرار السياسي بالرجال. هذه المبادرات، ولو بقيت محدودة العدد ولم تُنتج مقاعد، شكّلت حدثًا سياسيًّا بحدّ ذاتها لأنها كسرت وهْم الإجماع داخل الطائفة، وأظهرت أن وجود خيارات خارج الثنائية الحزبية ليس مستحيلًا.
واجهت هؤلاء النسوة جملة من الضغوط الاجتماعية والسياسية التي تعكس طبيعة النظام الطائفي نفسه. فالتجارب التي ظهرت في الجنوب والبقاع وبيروت كشفت حجم التكلفة التي تتحملها المرأة حين تختار ترشّحًا مستقلًا: ترهيب ناعم، محاولات تشويه، ضغوط عائلية، تهديدات غير مباشرة، وحملات رقمية منظّمة تستهدف سمعتها أو «أخلاقها» بدل برنامجها السياسي. وما سجّلته تقارير مراقبة الانتخابات، مثل تقارير LADE، أظهر أنّ النساء اللواتي يقرّرن خوض المعركة خارج الاصطفافات التقليدية يواجهن مقاومة مضاعَفة: مقاومة سياسية باعتبارهنّ يهددن البنية الحزبية، ومقاومة اجتماعية باعتبارهنّ «يخرجن» عن الدور المتوقّع منهن داخل الطائفة.
ترفض القوى السياسية في لبنان - وعلى رأسها «حركة أمل» و«حزب الله» - اعتماد نظام الكوتا النسائية، بحجة «المساواة الدستورية». إلّا أن تقارير مركز كارنيغي و”LCPS” توضح أن هذا الرفض ليس دفاعًا عن المساواة، بل حماية لبنية سياسية ذكورية تحتكر المقاعد، وتخشى إدخال عنصر غير مضبوط بالكامل سياسيًّا أو عقائديًّا.
في الطائفة الشيعية تحديدًا، يصبح الرفض أكثر حدّة، لأن المقاعد محدّدة سلفًا ضمن تفاهمات ثابتة، وإدخال امرأة يعني إخراج رجل من دائرة الولاء الحزبي.
تُظهر تقارير «LADE» لعام ٢٠٢٢ أن العنف السياسي ضد المرشحات ليس هامشيًّا بل بنيويًّا، ويعمل كآلية ردع ضد أي امرأة تفكّر بالمنافسة.
العنف السياسي ضد النساء اللواتي يخضن المنافسة الانتخابية يأخذ أشكالًا متعدّدة يصل تأثيرها إلى محاولة منع المرأة من دخول المعترك العام أصلًا. هذا العنف يبدأ من الحملات الأخلاقية التي تُستخدم لتشويه سمعة المرشحة والطعن في «نيّتها» أو «سلوكها»، مرورًا بالترهيب المباشر عبر رسائل غير رسمية تُلمّح إلى خسارة العمل أو استهداف العائلة، وصولًا إلى الهجمات الرقمية المنظّمة التي تركز على شخص المرشحة بدل برنامجها السياسي. كما تلعب العائلة في كثير من الحالات دورًا ضاغطًا، خوفًا من الوصمة أو من انعكاسات المشاركة السياسية على سمعة العائلة داخل البيئة المحلية. وتشير تقارير المنظمات المراقِبة للانتخابات، مثل تقارير “LADE”، إلى أنّ هذه الممارسات ليست حالات فردية، بل جزء من منظومة حوكمة اجتماعية - سياسية تُعيد تذكير النساء بأنّ السياسة ليست مساحة مفتوحة لهن، وأن تجاوز حدود الطاعة يترافق مع كلفة شخصية واجتماعية عالية.
تفسّر دينِز كانديوتي في مقالها «Bargaining with Patriarchy» كيف تعاقِب الأنظمة الأبوية النساء حين يخرجن عن المنظومة. ينطبق ذلك تمامًا على السياق الشيعي اللبناني، حيث تُعامَل مشاركة المرأة السياسية كتهديد للنظام الأخلاقي ولشرعية القيادة الذكورية. المرشحة المستقلة تُعتبر «خطرًا» لأنها تؤكّد إمكانية السياسة خارج الطاعة، ولأنها تقدّم نموذجًا مضادًا لرواية «المرأة المنضبطة».
قد لا تُنتج الانتخابات المقبلة نائبة شيعية، لكنّ واقع المشاركة تغيّر. فالنساء الشيعيات المستقلّات اللواتي خضن المعركة في دَورتي ٢٠١٨ و٢٠٢٢ أعدن تظهير صورة المرأة في الطائفة، وفتحْن الباب لسردية سياسية جديدة. إن رفض الكوتا، وتكثيف العنف السياسي، وملاحقة النساء عبر التشهير والترهيب، كلها مؤشرات إلى خوف المنظومة من فقدان احتكارها للتمثيل. ومع ذلك، ما بدأته تلك المرشحات يشكّل بداية مسار تحوّلي، تُصبح فيه مشاركة النساء فعل مقاومة سياسية، لا مجرد ترشّح انتخابي. إن القيمة الكبرى لهذه التجارب أنها تفكِّك النظام من داخله، وتبني سردية جديدة للنساء الشيعيات: فاعلات، مستقلات، وجريئات في كسر حدود الطاعة المفروضة عليهن.
يرتبط استبعاد النساء الشيعيات من السياسة بطبيعة التشريعات اللبنانية التي تضع النساء في موقع قانوني هشّ، خصوصًا في قضايا الزواج والطلاق والحضانة والإرث الخاضعة للمحاكم الدّينية. هذا النظام يعزّز صورتها كـ«تابعة» أو «قاصرة»، ما ينعكس على قبولها في مواقع القرار. وتُظهر تقارير جمعيتي «كفى» و«هيومن رايتس ووتش» أن غياب قوانين تحمي النساء من العنف الأُسري والجنسي والسياسي يجعل المرشحات أكثر عُرضة للاستهداف، خاصة ضمن بيئات حزبية مغلقة تُستخدم فيها الحجج الدينية والاجتماعية لإسكاتهن، وهكذا تتحوّل القوانين إلى أداة إقصاء غير مباشرة، تزيد كلفة الترشّح على النساء المستقلّات ضمن البيئة الشيعية، وتضعهن أمام منظومة قانونية لا تمنحهن حماية فعلية.
ورغم التحديات، فتح دخولهن المعترك السياسي مسارًا جديدًا داخل الطائفة، لكن مستقبل مشاركتهن يبقى مشروطًا بإصلاح سياسي وتشريعي يضمن لهن حقوقهن داخل الأسرة والدولة. ومن هنا يبرز السؤال: هل تحمل الانتخابات القادمة تغييرًا فعليًّا عبر إقرار الكوتا النسائية وتمكين النساء الشيعيات من أن يصبحن جزءًا من صناعة القرار؟




