حرب تشرين ٢٠٢٤: نهاية مرحلة وبداية الأسئلة
في خريف عام ٢٠٢٤، شنّت إسرائيل واحدة من أعنف حروبها على الجنوب اللبناني، مستهدفة القرى والبنية التحتية والسكان، في مواجهةٍ لم تكن كسابقاتها. فمنذ ٨ تشرين الأول، دخل «حزب الله» رسميًّا في ما عُرف بـ«حرب الإسناد»، مُعلنًا فتح الجبهة الجنوبية دعمًا لغزة، في خطوة مثّلت تحوّلًا استراتيجيًّا أخرج الصراع من حدود المناوشات إلى معركة شاملة. ومع امتداد هذه الحرب لأشهر طويلة، وما خلّفته من دمار ونزوح وقلق وجودي، بات واضحًا أن لبنان دخل مرحلة جديدة، لا تُشبه ما قبلها.
لقد جاءت هذه الحرب، بمسارها ونتائجها، لتُنهي فعليًّا مرحلة كاملة من تاريخ الاجتماع السياسي اللبناني، ولتفتتح مرحلة جديدة لا تزال مشرّعة على كافة الاحتمالات. فخلال عامٍ واحد، تلقّى «حزب الله» ضربة عسكرية مؤلمة، انتهت فعليًّا بخسارته للحرب، كما عكس ذلك اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب الحزب من دون مكاسب ميدانية أو سياسية واضحة. هذه الخسارة لم تكن فقط في الميدان، بل انسحبت على موقع الحزب الإقليمي، مع سقوط النظام السوري الذي شكّل لعقود عمقه الاستراتيجي، وتكشُّف القدرة المحدودة لإيران على التدخّل الفعّال لحمايته. أمام هذا الانكشاف، خرج «حزب الله» من معادلة الردع الإقليمية، ولم يعُد فاعلًا حاسمًا فيها، بل دخل في طورٍ جديد من إعادة تعريف الدور، بعد أفول مرحلته كلاعب إقليمي.
لم تكن هذه الحرب مجرّد مواجهة جديدة بين «حزب الله» وإسرائيل، بل لحظة انكشاف جذري لنموذج سياسي وأمني بُني على مدى أكثر من ثلاثين عامًا. في غضون أسابيع، انهارت منظومة الرموز، وتكشّف عجز السلاح عن أداء وظيفته الأساسية في الحماية، وتهاوى منطق مشروعية «التمثيل الحصري» تحت ضغط انتهاء الدور الإقليمي وقوة الردع. لقد سقطت الهيمنة بوصفها خطابًا مُطلقًا، وبرزت إلى الواجهة لحظة سياسية تأسيسية تفرض إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الجماعة والدولة، وبين الجنوب والهامش، وبين السلاح والشرعية.
في هذا السياق، لم تعد الأسئلة المطروحة مجرّد انفعالات لحظة، بل تمثل جوهر الخيارات السياسية المقبلة، وخصوصًا في الجنوب، حيث تُطرح المسألة اليوم كخيار تاريخي: بين استمرار منطق التعبئة وفائض القوة، أو التوجّه نحو أفق تعدُّدي، يستند إلى الدولة والمواطنة، ويمنح الجماعات تمثيلًا غير مشروط بالسلاح. لقد باتت الخيارات السياسية في الجنوب بعد الحرب هي ما يحدِّد مستقبل الاجتماع الشيعي في لبنان: من زمن الهيمنة إلى أفق التعدُّدية.
وقد بدا هذا التحوّل أكثر حدّة في البيئة الشيعية الجنوبية التي شكّلت لعقود مركز ثقل مشروع «المقاومة». واليوم، وللمرة الأولى منذ نهاية الحرب الأهلية، تتعرض هذه البيئة إلى خسارة مركّبة: ميدانية، سياسية، ورمزية، تُهدّد موقعها التمثيلي، وتفتح الباب أمام نقاش حول معنى الدور والموقع والهوية. من هنا، تصبح العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتنظيم العلاقة مع الدولة، مسائل سياسية لا لوجستية فقط. ويغدو النقاش حول مَن يقرّر، ومَن يموّل، ومَن يضع الأولويات، جزءًا من مساءلة شاملة للمشروع الذي أفضى إلى التهجير والانكشاف. هكذا، تخرج الطائفة الشيعية، ومعها الجنوب، من زمن الهيمنة إلى زمن المساءلة، ومن وهْم «السلاح يحمي الجماعة» إلى واقع «الجماعة باتت مسؤولة عن حماية السلاح»، في تحوّل يعيد تعريف معنى التمثيل، وجدوى العقيدة، وأفق الشراكة في الدولة.
تسعى هذه الورقة إلى تفكيك هذه اللحظة الانكشافية، وتحديد الخيارات السياسية المطروحة أمام أهل الجنوب ككل، ولكن أيضًا أمام الناس التي ترى نفسها كجماعة «شيعية» في لبنان، في ضوء الحاجة الملحّة إلى مشروع وطني بديل، يستند إلى الدولة، والمواطنة، والتعددية، لا إلى العصبية، والتمثيل القسري، وفائض القوة.
ومن هذا المنطلق، تتناول الورقة بالتحليل الخيارات التي اعتمدتها القوى المعارضة خلال السنوات الماضية، سواء داخل البيئة الشيعية أو في المجال الوطني الأوسع، بهدف التفكير النقدي في هذه المسارات، ومدى قدرتها على ملاقاة التحوّلات الجارية، والتفاعل الجدّي مع هواجس الناس، ومتطلباتهم، وأسئلتهم السياسية والمعيشية، وطرح بدائل فعلية تتجاوز منطق الاعتراض الظرفي. ذلك أن المتغيّرات في الإقليم تتوالى، بل تتسارع على نحوٍ قد يُطيح بأي تحليل جامد، ما لم يُواكَب بوعي نقدي حيّ، وبمرونة تسمح بإعادة تموضُع الأفكار والمواقف بما ينسجم مع المتغيّرات من دون الانزلاق إلى ردود الفعل أو الانفعال اللحظي.

وفي هذا السياق، تبدو الانتخابات النيابية لعام ٢٠٢٦، وما يليها من محطات، فرصة تأسيسية لا لاختبار التمثيل فحسب، بل للعبور الفعلي من زمن الهيمنة إلى أفق التعدُّدية، بما يعنيه ذلك من إعادة تشكيل العلاقة بين الجنوب والدولة، وبين الجماعة والمواطنة، على قاعدة المشاركة لا الاحتكار، والخَيار السياسي لا التعبئة القسرية.
تحوّلات «حزب الله» من مقاومة إلى سلطة فوق الدولة
لم يكن «حزب الله» دائمًا في موقع القرار أو السلطة. حين نشأ في مطلع الثمانينات، كان تنظيمًا عقائديًّا مسلّحًا مدعومًا من إيران، يتموضع في الهامش السياسي والاجتماعي للطائفة الشيعية، التي كانت تتوزَع حينها بين «حركة أمل» والقوى الوطنية واليسارية. لكنه سرعان ما نجح في ملء فراغ تمثيلي، من خلال خطاب تعبوي ديني، وشبكة خدَمات اجتماعية، ومراكمة شرعية قتالية في وجه الاحتلال الإسرائيلي. وفيما كانت القوى السياسية اللبنانية منهمكة بإعادة بناء موقعها بعد الطائف، استثمر الحزب في بناء «مجتمع مقاومة» متكامل، لا يرى في الدولة مرجعيته، بل يعتبرها كيانًا مؤقتًا أو حتى ملحقًا بموازين القوى.
منذ نشأته، لم يكن الحزب يتعامل مع المجتمع كنسيج تعدُّدي، بل كجمهور ينبغي تعبئته وِفق منطق الطاعة والخط الواحد. ظهرت مُبكرًا معالم العدو الداخلي، لا كمصطلح بل كأداة. كل مَن لا ينخرط في المشروع، أو يطرح أسئلة حول سلاحه، أو ينتقد خياراته، يُدرج ضمن خانة «المتخاذلين»، أو يُوصم بالخيانة، أو يُربط بإسرائيل ضمنيًّا أو علَنًا.
ومع انسحاب إسرائيل من الجنوب عام ٢٠٠٠، بدأ الحزب يتسلَّل إلى قلب السلطة، ليس كشريك، بل كمراقب ومُمسك خفيّ بالخيوط. خاض الانتخابات، دخَل الحكومة، ثم صار يفرض الشروط على الحياة السياسية، رافعًا شعار «التحالف الرباعي» حينًا، و«الثلث المعطِّل» حينًا آخر. لكنه ظلَّ يرفض، بالموازاة، أي حديث عن نزع سلاحه أو دمجه ضمن المؤسّسات الرسمية. فهو في «المقاومة» يطلب الاستقلالية الكاملة، وفي «السياسة» يطلب الشراكة المقيّدة بشروطه.
وبعد عدوان تموز ٢٠٠٦، دخل الحزب مرحلة جديدة من الهيمنة الرمزية، إذ تمكّن من تحويل نتائج الحرب، رغم الكلفة البشرية والمادية الهائلة، إلى سردية انتصار مشحونة بالبطولة والتضحية. للمرة الأولى، بدا وكأن السلاح ليس فقط شرعيًّا، بل مؤسّسًا لهوية وطنية بديلة عن تلك التي مثّلها الطائف والدولة. غير أن هذه اللحظة الرمزية التأسيسية حمَلت بذور التناقض: فعبر تحويل المقاومة إلى مصدر للشرعية السياسية، بدأ الحزب فعليًّا يخرج من منطق الشراكة الوطنية، ليتموضع فوق الدولة ومؤسّساتها.
تجلّى هذا الانفصال عن منطق الدولة بوضوح في أحداث ٧ أيار ٢٠٠٨، حين استخدم الحزب سلاحه داخليًّا لقلب موازين السلطة وفرض معادلة «السلاح يحمي السلم الأهلي».
بموازاة ذلك، عمّد الحزب تفكيك الدولة بوصفه ضرورة لحماية مشروعه: أمنٌ مستقل، قضاء حزبي، اقتصاد موازٍ، إعلام تعبوي وخدمات مشروطة بالولاء. لم يكن ذلك تفكُّكًا عرَضيًّا ناتجًا عن هشاشة النظام اللبناني فحسب، بل كان مقصودًا ومدبّرًا، هدفه إضعاف الدولة كمرجعية، لتصبح مجرّد غطاء شكليٍّ لسلطة الأمر الواقع.
وفي هذا السياق، شكّلت معادلة «الجيش والشعب والمقاومة» ذروة تكريس هذه الثنائية، حيث أصبحت الدولة مُلحقة بالسلاح، لا حاضنة له. فالسلاح الذي كان يُفترض أن يكون في خدمة الوطن، بات هو من يحدّد شروط الوطنية وحدود الدولة. وكل مَن طالب بغير ذلك، أُلصقت به تهمة العداء للمقاومة، وكأنّ الوطنية لا تكتمل إلّا بالخضوع. واليوم، لم تعُد «العداوة للخارج» كافية لتبرير إخضاع الداخل، ولا لإسكات التململ المتصاعد داخل البيئة الشيعية نفسها، التي دفعت أثمانًا باهظة من دمائها ومصيرها ومعيشتها. فالسؤال لم يعد فقط عن وظيفة السلاح، بل عن حق الجماعة في المشاركة والمساءلة والاختلاف، وعن معنى الدولة التي غُيّبت باسم المقاومة. رغم ذلك، لم يعرف الحزب التراجع. فبنيته العقائدية والتنظيمية لا تتقبل فكرة الانسحاب أو التنازل. بل تُدار داخليًّا على مبدأ «الصراع الوجودي»، حيث أن أي خطوة إلى الوراء تُعتبر خيانة لدماء الشهداء أو تهديدًا للكيان بأسْره. هذا النمط من التفكير يجعل كل اعتراف بالأزمة الداخلية أو الأخطاء السياسية أمرًا مستحيلًا. لا يراجع الحزب أداءه، بل يهاجم من يراجعونه. لا يعترف بالخسارة، بل يرفع من مستوى التهديد. وكل صوت شيعي مستقلّ يُقرأ كتهديد للنظام لا كجزء من التعدُّد.

ومع كل توسّع في سلطة الحزب، كانت ماكينة التخوين تتضخّم، وتحوّل النقد إلى تهديد وجودي. هذه الوظيفة التخوينية لم تكن عرَضية، بل جزءًا بنيويًّا من منظومة ضبط داخلي -سياسي متكاملة. داخل الطائفة، جرى تقزيم الأصوات المستقلة أو المعترضة عبر وصمها بخدمة «مشاريع مشبوهة» أو بـ«قطع الطريق على المقاومة». وفي السياسة الوطنية، صُوّرت كل مطالبة بحصرية السلاح في يد الدولة كمؤامرة لإضعاف لبنان، وكل تمسُّك بمبدأ السيادة كمكيدة تخدُم إسرائيل. أما داخل الدولة، فخضع المسؤولون لصمت إجباري أو مساومات، وطُوّعت المؤسسات أو عُطّلت كلما تعارضت مع منطق الدويلة.
من هنا، يأتي التوظيف المتواصل لفكرة «العدو الداخلي». فـ«حزب الله» لا يكتفي بوجود عدو خارجي، بل يحتاج إلى عدو داخلي دائم لشدّ عصَب الجمهور، ولتبرير عسكرة السياسة، ولتحويل كل نقد إلى فعل «طعن بالمقاومة». وقد لعب هذا الدور التخويني وظيفة مزدوجة: من جهة، أسكت كل محاولة للنقاش داخل الطائفة؛ ومن جهة ثانية، قطع الطريق على التمثيل البديل أو المساءلة الشعبية. وفي غياب الدولة كمرجعية حقيقية، بنى الحزب دويلته داخل الدولة: أمن مستقل، قضاء حزبي، اقتصاد موازٍ، إعلام موجّه ومجتمع خدماتي مشروط بالولاء. لكنّ هذه البنية، التي كانت تبدو متماسكة ومحميّة، بدأت تتآكل بفعل ثلاثة عوامل متداخلة: أولًا، تراجُع قدرة الحزب على تقديم الحماية الاقتصادية والاجتماعية وسط الانهيار اللبناني العام؛ ثانيًا، تعمّق الهوّة بين القواعد الحزبية والقيادة بعد حرب الجنوب الأخيرة؛ ثالثًا، تصاعد الحصار الإقليمي والدولي الذي يحدّ من قدرة الحزب على التحرُّك والتمويل والدعم.

الدولة والسلاح – من المفهوم إلى الاستحقاق التاريخي
ليست حصرية السلاح مجرّد مطلب إصلاحي يُطرح عند كل أزمة، بل هي مبدأ مؤسِّس للدولة الحديثة، ومعيار قيامها كسلطة جامعة تحتكر العنف المشروع ضمن حدودها. فالدولة ليست جهاز خدمات، ولا تحالف قوى طائفية، بل كيان قانوني - سياسي لا يقوم دون سيادة مُطلقة على أدوات القوة والردع. وأي سلاح خارج هذا الإطار، مهما كانت ذرائعه أو سرديّته، يشكّل نفيًا مباشرًا لجوهر الدولة، لا مجرد خلل في التوازن أو تجاوزًا ظرفيًّا. لقد أخضع مبدأ السيادة في لبنان، طيلة العقود الماضية، لمنطق التأجيل والتواطؤ والتسويات المرحلية. ومع نشوء معادلة «الجيش والشعب والمقاومة»، تمَّ تقييد السيادة بقيد سياسي - أمني دائم، يحوّل الحق الدستوري للدولة إلى خيار تفاوضي يُمنح لها أو يُسحب منها بحسب موازين القوى، لا بحسب النصوص المؤسِّسة. وباسم «المقاومة»، تمّ بناء واقع سياسي - مؤسّساتي لا يسمح للدولة بممارسة سيادتها إلا بقدر ما تسمح به جهة حزبية تملك قرار الحرب والسلم.
هذه الازدواجية لم تعُد ممكنة. فالسلاح لم ُيبقِ الدولة في موقعٍ هشّ فحسب، بل حوّلها إلى طرف خارجي داخل معادلة الحكم. لا حكومة يمكنها أن تضع سياسة دفاعية فعلية، ولا برلمان يستطيع مناقشة الاستراتيجيات الوطنية بلا خطوط حمراء، ولا مؤسّسة أمنية قادرة على ضبط الحدود أو القرار الأمني. لقد بات احتكار السلاح خارج الدولة هو المؤسّسة الفعلية للنظام الموازي الذي يقوّض الدستور من الداخل، ويمنع قيام أي مشروع إصلاحي أو إنقاذي.
وبعد الحرب الأخيرة، لم تعُد معادلة السلاح قابلة للادّعاء أو للتغليف السياسي. فالسلاح الذي لم يحمِ الناس، ولم يردع العدو، ولم يجنّب الجنوب الدمار، فقَد وظيفته المُعلنة، وكشف عن تكلفته المدمّرة. وهو ما يطرح السؤال الجوهري: لماذا الاستمرار بمنطقٍ لا يُنتج إلّا الخسارة والعزلة؟ ولماذا الإصرار على بقاء منظومة سلاح لم تعُد تحمي أحدًا، بل تُنتج دويلات داخل الدولة، وعزلًا للطوائف، وتقسيمًا فعليًّا للمجال العام؟
إن مفهوم الدولة في لبنان، بعد هذه الحرب، لم يعد فكرة مؤجَّلة. بل صار استحقاقًا تاريخيًّا، وممرًًّ إجباريًّا لإعادة بناء الثقة الوطنية، والانتقال من دولة المعازِل والسلاح إلى دولة المواطَنة والمؤسّسات. وهذه الحصرية ليست معاداة لفئة أو نفيًا لتضحيات، بل هي شرط لبناء دولة تحمي الجميع، لا جهة واحدة. و«حزب الله»، في قلب هذه المعادلة، مدعوٌّ اليوم إلى لحظة مراجعة جذرية: ليس فقط لحجم خسارته الإقليمية ووظيفته الجيوسياسية، بل لموقعه داخل الدولة. لم يعُد ممكنًا الجمْع بين المقاومة كهوية ثابتة، والسلطة كأداة تفاوضية. ولم يعُد ممكنًا مطالبة الدولة بالشرعية، بينما تُحرم من أدواتها الأساسية. فإما دولة تملك السلاح وتُدير الأمن، أو لا دولة على الإطلاق.
إن الاستمرار في هذا الواقع الهجين، حيث تتقاطع مؤسّسات رسمية مع سلطات حزبية موازية، هو خطر وجودي على لبنان، وليس فقط أزمة في بُنية النظام. وحصر السلاح بيد الدولة لا يمكن التعامل معه كتهديد لفئة، بل كضمانة لجميع اللبنانيين، بمَن فيهم مَن حمل السلاح ذات يوم دفاعًا عن الأرض. فالمعادلة لم تعُد بين المقاومة والعمالة، بل بين الدولة واللادولة، بين التعدُّد والمصادرة، بين المشاركة والهيمنة. وإذا كانت هناك لحظة تؤسِّس لمعادلة جديدة، فهي اللحظة التي تتحوّل فيها الدولة من مفهوم نظري إلى استحقاق وطني، لا ينتظر إجماعًا مستحيلًا، بل يُبنى على الجرأة السياسية، وعلى تحالف اجتماعي عريض يطمح للعيش لا التجييش، والاستقرار لا المساكنة الهشَّة مع السلاح.
«حزب الله» بين صعوبة الخسارة وفداحة الإنكار
ما يواجهه «حزب الله» اليوم ليس مجرّد تراجع موضعي أو نكسة عسكرية عابرة، بل خسارة بنيوية أصابت جوهر دوره وأربكت مكانته، داخل لبنان وخارجه. فالحرب الأخيرة لم تترك فقط دمارًا في الجنوب، بل كشفت عن هشاشة المعادلة التي بناها الحزب على مدى عقود: معادلة تقوم على ثنائية «السلاح ضمانة» و«المقاومة هوية». هذه الثنائية تصدّعت، لأن السلاح لم يحمِ المدنيين، والمقاومة لم تعُد سرديّة جامعة، بل باتت مُثقلة بالتناقضات. منذ عام ٢٠٠٦، عمل «حزب الله» على ترسيخ ما يُعرف بمعادلة «الجيش والشعب والمقاومة» كإطار شرعي لاستمرار سلاحه. لم تُطرح هذه المعادلة يومًا على النقاش الوطني أو ضمن وثيقة سياسية جامعة، بل فُرضت كأمر واقع، وكرّسها الحزب بخطابه وبتفاهماته مع بعض القوى. لكن هذه المعادلة، التي بدَت للبعض مخرَجًا مؤقتًا، تحوّلت تدريجيًّا إلى عقيدة عسكرية - سياسية، تُشرعن عسكرة القرار الوطني وتُقصي الدولة عن موقعها الطبيعي في الأمن والدفاع.

كرّس الحزب هذه العقيدة على مراحل: بداية، بعد «الانتصار الإلهي» في تموز، تمَّ تقديم السلاح كحاجة استراتيجية لاستكمال الردع. ثم في ٧ أيار ٢٠٠٨، جرى استخدام السلاح في الداخل لحسم الخلاف السياسي، في سابقة خطيرة اختُزلت لاحقًا بـ«ردة فعل على قرار غير مدروس». ثم جاءت المشاركة العسكرية في سوريا لتُخرج المقاومة من الإطار اللبناني، وتجعل من السلاح أداة تدخُّل إقليمي مباشر. وفي ٢٠١٦، توّج هذا المسار بتحالف عميق مع «التيار الوطني الحر» وانتخاب ميشال عون رئيسًا، ما منح الحزب غطاءً مسيحيًّا كاملًا لشرعنته داخل مؤسّسات الدولة. هكذا، تحوّلت «المقاومة» من فعل تحرّر شعبي إلى مؤسّسة فوق دستورية، تتصرّف كجيش موازٍ من دون مساءلة، وتفرض على الدولة شروطها. هذه العسكرة التدريجية فرضت كلفة باهظة على لبنان: أولًا، تفكيك الدولة من الداخل عبر تعطيل المؤسّسات واستتباع القرار الأمني والسياسي؛ ثانيًا، تحمّل مسؤولية إقليمية لم يكن لبنان مهيًّأً لها؛ ثالثًا، خسارة هيبة الردع في مواجهة إسرائيل، كما أظهرت الحرب الأخيرة بوضوح.
فالمعادلة التي لطالما قدّمها الحزب كضمانة بانتظار الحرب المقبلة التي تبيّن أن الحزب كان بالفعل يحضِّر لها طوال هذه السنوات، سقطت عند أول اختبار فعلي، إذ لم تحمِ الشعب، ولم تُشرك الجيش، ولم تُلزم الحزب بأي محاسبة. هي معادلة لم تنتج مشروعًا وطنيًّا جامعًا، بل أفضت إلى تنظيم واحد يمتلك القرار ويحتكر السلاح ويحتكر تعريف الوطنية والمصلحة العامة. ومع تآكل الدولة، وانفجار الأزمة المالية، ثم انتفاضة ١٧ تشرين، وأخيرًا الحرب المدمّرة على الجنوب، انكشفت حدود هذه المعادلة: لا شرعية بلا إجماع، ولا مقاومة بلا مساءلة، ولا سلاح بلا وظيفة واضحة ومحدودة ضمن إطار الدولة. في المقابل، لم يبدِ الحزب أي استعداد للاعتراف بالخسارة أو مراجعة هذه المعادلة. فبنيته العقائدية والتنظيمية قائمة على نفي الهزيمة، وتجريم المراجعة، وتصوير أي تراجع كخيانة. المقاومة، كما صاغها الحزب، ليست استراتيجية قابلة للتعديل، بل قدرٌ لا يُناقش؛ والسلاح ليس وسيلة ظرفية، بل هوية وجودية. وفي هذا الإطار، يصبح الاعتراف بالخسارة تهديدًا للكينونة الحزبية ذاتها، لا فقط لموقع سياسي مكتسب.
لكن حجم الخسارة هذه المرة لا يقتصر على النتائج العسكرية أو الدمار في الجنوب، بل يمتد إلى العمق البنيوي للمشروع. فقد ترافق ذلك مع سقوط النظام السوري الذي كان يشكّل العمق الاستراتيجي للحزب، وانكشاف شبكاته الأمنية والعسكرية، وتراجع فعاليته الإقليمية كفاعل مستقل. الأهم من ذلك، أن ما سقط أيضًا هو صورة الردع كعقيدة قتالية، بعد أن تحوّل نموذج «المقاومة بالغوار» إلى ما يشبه جيشًا نظاميًّا أثقلته البيروقراطية والتموضع الدفاعي غير الفعّال. إنها خسارة تاريخية لا يمكن تصحيحها في المدى المنظور، لأنها تمسّ الفكرة الأساسية التي قام عليها الحزب.
أمام هذا الواقع، يجد الحزب نفسه في مواجهة ثلاثة تحديات وجودية: أولًا، قبول ما جرى كتحوّل لا كحادثة؛ ثانيًا، إعادة تعريف دوره ووظيفته في ضوء المتغيّرات اللبنانية والإقليمية؛ ثالثًا، المصارحة مع جمهوره، لا سيما الجنوبي، الذي يئن تحت وطأة التهجير والدمار وفقدان الأمل. وهي مصارحة تتطلب أكثر من خطاب وجداني؛ تتطلب تغييرًا في المنهج، في البنية، وفي العلاقة مع الدولة والمجتمع. لكنّ الأعمق من كل ذلك هو أن إنكار الحزب للواقع بات سمَة بنيوية في خطابه وسلوكه، تتجلّى في الإصرار على مطالبة الدولة بالتكيّف مع سلاحه، لا العكس. بينما الدولة التي كُبّلت لسنوات تحت شعار «معادلة المقاومة»، باتت اليوم مطالَبة بأن تُعيد بناء شرعيتها انطلاقًا من حصرية قرار الحرب والسلم، ومن حماية مواطنيها، لا من التعايش مع قوة تفرض عليها الخيارات وتمنع عنها المحاسبة.
والأخطر، أن هذا الإنكار لا يقتصر على السياسة، بل بات يشمل المجتمع نفسه، عبر عسكرة الوعي العام، وتحويل فئة من اللبنانيين إلى جمهور تعبئة دائم، يعيش على إيقاع الحرب المتواصلة، ويُمنع عنه التفكير في البديل. لقد تحوّل العمل العسكري إلى مهنة احترافية مغلقة، تديرها نخبة حزبية تملك وحدها المعلومات والقرار، بينما يُمنع على المجتمع حتى مجرد السؤال عن الكلفة أو الفائدة أو النهاية. في هذه اللحظة، تبرز مفارقة جوهرية: فبينما يعيش المجتمع الجنوبي حالة صدمة وقلق وجودي، يواصل الحزب تكرار خطاب «الصمود والانتصار»، في تجاهل كامل للكارثة. الجنوب، بما يحمله من خسائر وآلام، بات المرآة التي لا يستطيع الحزب كسرها ولا تجاهلها. ومن هناك، من تحت الركام، تبدأ الأسئلة التي لا يمكن نزع شرعيتها: مَن نكون؟ لأجل مَن نناضل؟ مَن يقرّر؟ ومَن يحاسب؟
من هنا، تعدّ الحرب الأخيرة لحظة قطيعة لا رجعة فيها: قطيعة مع فكرة الانتصار المستمر، ومع شرعية الردع، ومع مشروعية الهيمنة، ومع صمت الناس. لقد تهاوت العقيدة التي اختزلت الوطن في «مقاومة»، وجعلت الدولة خاضعة لقرار عسكري حزبي. ومن وسط القرى المدمرة والمنازل المحترقة، لم يخرج شعار الانتصار، بل سؤال عن العودة وإعادة الإعمار. لكن الأخطر من الخسارة هو الإنكار المنهجي لها. فالحزب لا يعترف لا بالمأزق، ولا بتراجع فعالية سلاحه، ولا بتآكل مشروعيته. هذا الإنكار ليس مجرّد خيار سياسي، بل هو بنية ذهنية وتنظيمية تقوم على نفي الواقع، واستبداله بسرديات البطولة أو المؤامرة. ففي قاموس الحزب، لا مكان للهزيمة، ولا إمكانية للمراجعة، ولا شرعية للاعتراف. وهذا ما يجعل لحظة الاعتراف شبه مستحيلة، لأن كل مراجعة تصبح بمثابة إلغاء للذات، وكل مساءلة تُقرأ كخيانة، وكل عودة إلى المنطق الوطني تصوّر كتنازل عن «القداسة».
في مقابل ذلك، تتراكم مسؤولية الحزب الأخلاقية والسياسية، ليس فقط بسبب استخدامه المفرط للسلاح، بل بسبب إخضاعه المجتمع لنمط من العسكرة اليومية، حيث تُدار شؤون الناس من خلال منظومة أمنية حزبية، وتتوزّع الولاءات على قواعد تعبئة تُلغي الفروق بين المقاومة والولاء الشخصي. لم تعُد المقاومة مجرّد عمل عسكري موجّه ضد الاحتلال، بل تحوّلت إلى نمط وجود شامل، يفرض قيَمه على التعليم، والإعلام، والخطاب الديني، والاقتصاد، والعمل البلدي، بل وحتى على الحياة اليومية للناس.
وفي هذا السياق، لم يعُد السلاح أداة مقاومة شعبية، بل تحوّل إلى جهاز عسكري احترافي، تديره بيروقراطية مغلقة، وتتقاطع فيه شبكات التمويل، والتدريب، والتسليح، مع أجهزة استخبارات وتقديرات استباقية، تُخضع الجنوب برمّته لمنطق الثكنة. هذه الاحترافية، بدل أن تحمي الناس، جعلت الحزب ينفصل عن المجتمع الذي وُلد منه، ويتحوّل إلى «مؤسّسة سيادية» فوق المحاسبة، تُمارس سلطتها عبر بُنى موازية، لا تشبه المقاومة بمعناها التقليدي كقوة تتحرك في ظلّ احتلال الأرض على نطاق واسع، او السلطة السياسية التي تحكُم الدولة من خلال المؤسّسات الدستورية. الإنكار، إذًا، لا يعبّر فقط عن هروب من مسؤولية، بل عن إصرار على استمرار بنية تُهيمن لا تبني، وتقمع لا تُحاور، وتُعيد إنتاج الأزمة بدل تفكيكها. لكن الواقع تغيّر. والناس تغيّروا. والانتصارات الرمزية لم تعُد كافية لإطعام الأطفال أو إعادة الإعمار أو إحياء الثقة. وهذا ما يجعل من الاعتراف بالمأزق شرطًا لأي أفق. فبغيره، سيبقى الجنوب مسرحًا لدورات جديدة من الألم، وساحة معلّقة بين فوهة بندقية وخطابٍ يرفض أن يرى ما حلّ بالبيوت والناس والكرامة.
الطريق الصعب نحو التحوّل الحتمي
يفرض الواقع الجديد لحظة شجاعة في طرح السؤال المؤجّل: ما وظيفة السلاح؟ ما معنى المقاومة؟ وهل يمكن تحويل هذا السلاح من أداة هيمنة إلى ورقة ضمن تسوية وطنية تُعيد بناء الدولة؟ لم تعُد هذه الأسئلة ترَفًا، بل صارت مدخلًا إلزاميًّا لأي مشروع إنقاذ للبنان. فالمعادلة التي حكَمت لبنان منذ عام ٢٠٠٦ – «الجيش، الشعب، المقاومة» – سقطت عند أول اختبار حقيقي. لم تحمِ الشعب، لم تُشرك الجيش، ولم تُلزم الحزب بالمحاسبة. كانت معادلة تخدم تنظيمًا واحدًا، لا مشروعًا وطنيًّا جامعًا.
.jpg)
إذ لم يعُد في الإمكان مقاربة دور «حزب الله» في لبنان من خلال مفردات الصراع التقليدي مع إسرائيل أو الدفاع عن «محور المقاومة»، بعدما أظهرت الحرب الأخيرة أن فائض القوة الذي راكمه الحزب لم يعُد يُترجم إلى حماية فعّالة للمجتمع، ولا إلى قدرة على فرض المعادلات. بل على العكس، كشفت الوقائع أن البنية التي أنشأها الحزب – والقائمة على احتراف العمل العسكري وتسييس السلاح خارج مؤسّسات الدولة – وصلت إلى حدودها القصوى، وأصبحت تنتج أزمات داخلية أكثر مما تردع تهديدات خارجية.
لكن المسار نحو التحوّل ليس سهلًا، خاصة حين يتعلّق بـ«حزب الله». فهو ليس حزبًا تقليديًّا يملك سلاحًا، بل تنظيم عقائدي - عسكري تأسّس في الأساس كقوة مقاتلة ذات جناح سياسي. السلاح في حالته ليس وسيلة بل هوية، والعسكرة ليست ظرفًا طارئًا بل بُنية تأسيسية. وجوده ارتبط بمنظومة أمنية – اجتماعية - عقائدية لا ترى في التخلّي عن القوة المسلّحة خيارًا سياسيًّا، بل تهديدًا وجوديًّا. وبخلاف القوى التي تسلّحت خلال الحرب الأهلية ثم انخرطت في تسويات ما بعد الطائف، فإن «حزب الله» لم يدخل الحرب بل وُلد على هامشها، كذراع عسكرية لمحور إقليمي يتجاوز لبنان.
يزداد الأمر تعقيدًا مع البُعد العقائدي، إذ إن السلاح في المخيال الحزبي يرتبط بمنظومة دينية - مهدوية تُعيد تأويل كل مرحلة ضمن سردية «التمهيد للظهور»، ما يجعل أي تراجع بمثابة نفي للقدَر، لا مجرّد تعديل وظيفي. الاعتراف بالخسارة لا يهدّد موقعًا سياسيًّا فحسب، بل يضرب جوهر الكينونة التنظيمية. فالحزب لا يملك بُنية مدنية تمكّنه من التحوّل السلِس إلى فاعل سياسي بحت. بخلاف فصائل لبنانية خاضت تجربة نزع السلاح، أو كيانات كحزب «العمال الكردستاني» أو «منظمة التحرير» التي دخلت تسويات متدرِّجة، بقي السلاح في حالة «حزب الله» جوهر الكيان لا وسيلته.
وقد رافق هذا الثبات منظومة عقائدية تقوم على «الاحتكام إلى الوعد الإلهي»، وتقدّم المهدوية كشرط رمزي لاستمرار الجهاد المسلح، ولو خارج الأرض المحتلة. بذلك، يتحوّل «حزب الله» من مجرد تنظيم لبناني مسلح إلى مشروع عابر للدولة والحدود، له امتداده الجغرافي والعقائدي والسياسي. التخلّي عن هذا الدور لا يعني فقط تحوّلًا سياسيًّا، بل مَسًّا بالكينونة التنظيمية التي تشكّلت حول فكرة «الجيش العقائدي» لا «الحزب المدني»، ما يجعل أي انتقال نحو أفق جديد محفوفًا بمقاومة داخلية مصدَرها البُنية الصلبة التي اعتادت إدارة جمهورها بمنطق التعبئة لا التفاوض.
في موازاة ذلك، تراجع الغطاء الإقليمي للحزب بوضوح. فالدور الإيراني في سوريا لم يعُد كما كان، والاشتباك الإيراني - الإسرائيلي بات يُقيِّد هامش مناورة الحزب، محوّلًا إياه إلى ساحة تصفية حسابات بدلًا من كونه شريكًا فاعلًا. الحرب الأخيرة أكدت تآكل ما كان يُعرف بـ«وحدة الساحات» حيث بات كل ملفٍّ له ديناميته الخاصة خارج القبضة الإيرانية من غزة إلى لبنان إلى اليمن، وأظهرت أن القرار الإقليمي بات يحجّم دور الحزب التنفيذي ويمنعه من التأثير المستقلّ. في هذا السياق، يبرز معطًى جديدًا: تغيُّر البيئة السورية نفسها بعد سقوط النظام الذي كان الحليف الأول لـ«حزب الله». السلطة السورية الجديدة، وإن رفعت شعار المقاومة، تحمل ثأرًا رمزيًّا وسياسيًّا من الحزب ومن الشيعة اللبنانيين الذين وقفوا إلى جانب الأسد. هذا التغيُّر يضع الجماعة الشيعية في لبنان أمام تحدٍّ غير مسبوق، إذ إن الجوار المباشر لم يعُد مضمونًا، والخصومة لم تعُد محصورة بإسرائيل، بل باتت تشمل سلطة جديدة ذات سردية مناقضة وشحنات انتقام كامنة.
أما داخليًّا، فقد خسر الحزب جزءًا مهمًّا من غطائه الوطني. التحالف مع «التيار الوطني الحر» تآكل بعد تجربة العهد الرئاسي، والدَّعم السنّي الذي توفَّر تحت عنوان «تحالف الضرورة» انكفأ مع تغيّر المزاج الشعبي والانهيار المالي. والأهم، أن بنية التخوين التي استخدمها الحزب لتثبيت موقعه بدأت تفقد فعاليتها، خصوصًا بعد الحرب الأخيرة التي حمَّلت جمهور الحزب في الجنوب أثمانًا غير مسبوقة، دون ضمانات حقيقية.
.jpg)
في ظلِّ هذا التحول، لم يعُد ممكنًا الاتكال على منطق «الأمن الذاتي» ولا على «الردع الخارجي». ومع تبدّل الاصطفافات وانكشاف الحدود، تفرض الدولة نفسها كخيار استراتيجي: إطار شرعي جامع، وضامن وطني قادر على حماية الجماعة ضمن توازنات داخلية، لا من موقع الضعف، بل من موقع المشاركة المتكافئة في نظام سياسي جديد. وهنا، تصبح الدولة - بمؤسساتها وقوانينها - ليست نقيضًا وظيفيًّا للحزب، بل شرطًا لبقاء بيئته الاجتماعية. فالجماعة الشيعية نفسها لم تعُد قادرة على تحمّل مزيدٍ من التوتّر والعزلة. مع تقلّص الموارد وتآكل المحاصصة، تصبح الدولة هي الضامن الوحيد لمنع التفكُّك والفوضى التي تتهدَّد الجميع. الرهان على الدولة، إذًا، ليس تنازلًا، بل خط الدفاع الأخير.
التحوّل هنا ضرورة تاريخية. المطلوب ليس تراجعًا تكتيكيًّا بل مراجعة استراتيجية تُعيد تعريف وظيفة السلاح، وتُنهي عسكَرة القرار، وتفتح أفقًا لتجاوز ما أرساه الحزب ضمن عقد وطني جديد. فالإصرار على المضيّ في مسار أحادي يُقصي الدولة ويمنع المحاسبة لن يُنتج إلّا مزيدًا من العِزلة والانكشاف. أما خيار التحوّل، ولو تدريجيًّا، فيمثّل مدخلًا لإعادة التوازن إلى النظام اللبناني، وتحصين الجنوب، وضمان استقرار الطائفة الشيعية ضمن نظام أكثر عدالة. هذا التحوُّل ليس هزيمة، بل استحقاق تاريخي للخروج من زمن فائض القوة إلى زمن الدولة الممكنة.
حق العودة وإعادة الإعمار كأولوية تاريخية وسياسية
وفيما لا يزال النقاش الوطني عالقًا في مسألة السلاح، ودور «حزب الله» ما بعد الحرب، يُلاحظ تغييب شبه تام لسؤال الإعمار والعودة، وكأنّه مسألة إغاثية هامشية أو شأن ثانوي أمام «الملف الكبير». بل في بعض الخطابات، تُقدّم إعادة الإعمار وكأنها ستكون لاحقًا، بعد أن تتوضّح الصورة الإقليمية، أو تُحسم المسائل الأمنية. لكن الواقع أن أولوية الجماعة، كما الجنوب بأكمله، ليست استمرار المعركة، بل العودة والحياة. الجنوب الخارج من نكبة تاريخية غير مسبوقة، لم يشهد منذ الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢ دمارًا بهذا الحجم وهذا النطاق. الأرض أُفرغت من أهلها، القرى تحوّلت إلى دمار وخراب، الفضاء الاجتماعي تلاشى، ومقوَّمات العيش الأساسية اختفت. ومع ذلك، لا تزال العودة مشروطة ومعلّقة، في ظلِّ غياب خطة وطنية، وفي ظلِّ هيمنة المنطق الفصائلي على ملفّ الإعمار.
هنا، لا بد من مقاربة الإعمار باعتباره حقًا سياسيًّا واستحقاقًا وطنيًّا ومجتمعيًّا، لا مجرّد ملف تقني أو تمويلي. فمسألة العودة لا تتعلّق فقط بإعادة بناء المنازل والبُنى التحتية، بل تتطلّب إعادة التفكير جذريًّا في أحوال قُرانا، في فضاءاتها المشتركة، في علاقتها بالهوية الوطنية، وفي موقع الدولة من الجنوب. فالتجربة اللبنانية السابقة في الإعمار، سواء بعد حرب تموز أو بعد الزلازل والأزمات، دلّت أن ترك الأمر لأجهزة السلطة القائمة، أو للجهات الحزبية - الطائفية، سيؤدّي إلى إعادة إنتاج منظومة السيطرة ذاتها، القائمة على الزبائنية والفرز السياسي - الاجتماعي. وسيُعاد بناء القرى بوصفها «مناطق نفوذ» لا كمساحات مواطنة، وستُختصر الحياة القروية بـ«الولاء» لا بالمشاركة.
لكن كل ذلك، يبقى مرتبطًا بأولويّة يجب تثبيتها في الوعي الجَمعي العام: أن الإعمار هو الأولوية وليس السلاح. وأن السلم الاجتماعي والسياسي في الجنوب يبدأ من استعادة الحياة، لا من تثبيت العقيدة القتالية. فالتدمير الذي حصل لا يُعالج بالخطابات، بل بالأفعال، ولا تخفّف وطأته إلّا بخطة عودة فعلية، تتكامل فيها السياسة مع العمران، وتحمي الحقوق بدل أن تكرّس الخضوع. والأهم، أن هذه اللحظة توفّر فرصة فريدة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع الجنوبي. الدولة ليست فقط الضامن، بل هي الجهة الوحيدة القادرة على تأمين الإطار الحيادي والمشترك لإعادة البناء. أما ترك الإعمار رهينة للأمر الواقع، فسيؤدي إلى تفريغ الجنوب من سكانه، أو تحويله إلى محمية أمنية خالية من الحياة المشتركة. إنها لحظة تأسيسية، لا مجرد لحظة ترميم. فإما تُبنى القرى على أساس جديد يدمج بين الكرامة والعدالة والمواطنة، أو تُترك لتُبنى كدويلات صغيرة خاضعة، تقايض الولاء بالمساعدة، وتستبدل المواطنة بالطاعة.

أزمة التمثيل الشيعي ومسؤولية التعدُّد في لحظة التحوُّل
يشهد الجنوب منذ سنوات، وخصوصًا بعد اشتداد الأزمة السياسية والاقتصادية والانفجار الحربي الأخير، مناخًا من الانكماش السياسي الحادّ. وقد تجلّى هذا المناخ في تجريم أي حَراك مستقل، ووصف أي محاولة تنظيمية خارج الهيمنة القائمة بأنها «طعنة في ظهر المقاومة» أو «خدمة للعدو». هذا الخطاب، الذي يُمارس على نطاق واسع في بلدات الجنوب والضاحية والبقاع، لا يسعى إلى تنظيم المجال العام بل إلى خنقه، ولا إلى حماية الجماعة بل إلى تأبيد سلطتها على حساب كل أشكال التنوُّع السياسي والمدني.
لم تكن المعركة على التعدُّدية السياسية في الجنوب وليدة اللحظة الراهنة، بل تعود جذورها إلى مرحلة ما بعد الحرب الأهلية مباشرة، حين بدأت ملامح الإطباق على الفضاء السياسي الشيعي بالتشكّل في ظلِّ الوجود السوري المباشر وهيمنته الأمنية. فقد شكّلت الانتخابات النيابية في أعوام ١٩٩٢، ١٩٩٦، و٢٠٠٠ محطة مركزية في هذا المسار، حيث جرى تدشين تحالف الأمر الواقع بين «حزب الله» و«حركة أمل»، بدعم مباشر من النظام السوري، وبواسطة قوانين انتخابية مفصّلة على قياس التحالفات. ومع أن بعض القوى الوطنية والتقدمية، ولا سيما في صور والنبطية وبنت جبيل، حاولت خوض المواجهة، إلّا أن ذلك بقي محصورًا في نطاق رمزي لم يُترجم إلى خروقات، بفعل خطاب استقطابي حول «التحرير» و«المقاومة»، جعل من أي اعتراض داخل البيئة الشيعية يبدو كتهديد لا يُغتفر.
جاء الانسحاب السوري من لبنان عام ٢٠٠٥ ليمنح فرصة لتحوّل سياسي كبير، لكن هذه الفرصة سرعان ما وُئدت، مع توظيف «حزب الله» لمعادلة «وحدة الصف الشيعي» كضرورة وجودية لحماية المقاومة، وتحوّل التعدُّدية من حقٍّ سياسي إلى «خيانة» مُحتملة. ومع حرب تموز ٢٠٠٦، ترسّخ هذا المنطق، إذ استُخدم فائض القوة الميدانية لتكريس هيمنة الحزب فوق الدولة، واستكمال عملية الإطباق على الاجتماع السياسي الشيعي. رغم هذا، شهدت السنوات التالية انفجارات شعبية متقطعة أعادت طرح أسئلة التمثيل والمساءلة. بدأت هذه الدينامية مع أزمة النفايات عام ٢٠١٥، حيث تبلورت حركة احتجاج مدنية شاملة، سرعان ما تراجعت في البيئة الشيعية نتيجة هيمنة خطاب الاستنفار الطائفي، والتحالف العضوي بين «حزب الله» و« حركة أمل»، الذي حمى الوضع القائم من الداخل. وفي انتخابات ٢٠١٨، ورغم تراجُع شعبية المنظومة، احتفظ الثنائي بكامل مقاعده الشيعية، بفعل قانون انتخابي طائفي وبُنية حزبية منغلقة تمنع ولادة بدائل فعلية.
لكن الزخم بلغ ذروته في ثورة ١٧ تشرين ٢٠١٩، التي عمّت لبنان ورفعت شعارات عابرة للطوائف، وشكّلت تحدّيًا رمزًّا مزدوجًا للمنظومة والطائفية معًا. ومع ذلك، بقي حضورها محدودًا داخل البيئة الشيعية، نتيجة توازن الرعب الذي فرضه الثنائي بقوة السلاح، وافتقار الحراك لتمثيل سياسي من داخل الجماعة. وحدها انتخابات ٢٠٢٢ كشفت شرخًا أوّليًّا في جدار الهيمنة، خصوصًا في دائرة النبطية – مرجعيون - حاصبيا، حيث خاضت قوى تغييرية معركة انتخابية بلائحة مكتملة، أعادت ربط الجنوب بالسياق الوطني، وطرحت إمكانية كسر «التمثيل الحصري» ولو من خارج المقاعد الشيعية، ربطًا بطبيعة النظام الانتخابي.
في ظلِّ هذه المعطيات، تحوّل الترشح للانتخابات في هذا السياق إلى فعل مقاومة سياسية بالمعنى المدني للكلمة، وصار الإصرار على خوض معركة انتخابية مستقلة موقفًا مبدئيًّا أكثر منه طموحًا سلطويًّا. ومع ذلك، ليست المشكلة في ضعف المعارضة، بل في سلوك القوى المهيمنة التي تحرص على إبقاء الجنوب خارج أي لعبة ديموقراطية فعلية. يتمّ ذلك إما عبر التزكية، أو عبر الضغط السياسي – الإعلامي - الاجتماعي الذي يُمارَس على المرشحين والمقترعين معًا. وهنا، لا تعبّر التزكية عن إجماع شعبي بل عن تغييب مُمنهج لحقِّ الاعتراض، وتكريس نموذج سلطَوي قائم على «الوحدة المفروضة».

تشكِّل الانتخابات النيابية المرتقبة عام ٢٠٢٦ محطة سياسية مفصلية، ليس فقط من حيث نتائجها العددية، بل بوصفها لحظة اختبار حاسمة لإمكان استعادة السياسة كفعل تعدُّدي داخل الجنوب، بعد سنوات من الاحتكار والإقصاء. لم تعُد المعركة تدور حول مقعد هنا أو هناك، بل حول سؤال جوهري: هل لا يزال ممكنًا لأبناء الجنوب أن يختاروا ممثليهم بحرية، وأن ينظِّموا أنفسهم خارج منطق التزكية القسرية وخطاب «الوحدة المفروضة»؟
تأتي هذه الانتخابات بعد النكبة التي خلّفتها حرب أيلول ٢٠٢٤، لتكون أول استحقاق سياسي بعد لحظة الانكشاف العسكري والأخلاقي لـ«حزب الله». وهو ما يمنحها أهمية استثنائية، إذ تتقاطع فيها ذاكرة القمع السياسي الطويل مع الحاجة إلى مشروع وطني - جنوبّي يُعيد تأسيس التعدُّدية، لا كترفٍ ديموقراطي، بل كشرط لبقاء الاجتماع السياسي نفسه.
لقد كشفت الحرب حدود المعادلة التي حكمت الجنوب والضاحية والبقاع لعقود. سقطت الذرائع التي كانت تبرّر السلاح خارج الدولة، ولم تعُد سردية «المقاومة تحمي الطائفة» صالحة، في ظلِّ تدمير شامل وتخلٍّ عن خطة العودة والإعمار. بل باتت الطائفة مطالَبة بتبرير استمرار السلاح، لا العكس، وأصبح الصمت عبئًا أخلاقيًّا. وهنا يبرز التحدّي أمام المعارضة: ليس فقط في نقد الحزب، بل في بناء مشروع بديل قابل للثقة، يحرِّر الجنوب من منطق الحرب الدائمة، ويعيد تعريفه كمجال وطني حيّ، لا كساحة أمنية مُغلقة.
في هذا السياق، تكتسب تجربة المعارضين للثنائي الشيعي أهمية مضاعفة. فهؤلاء لم يشكّلوا جبهة موحَّدة، لكنهم مثّلوا طيفًا متنوّعًا من الأصوات المطالِبة بالمشاركة والمساءلة، لا بإلغاء المقاومة، بل بتحريرها من الأَسر الفئوي، ودمج الطائفة في المسار الوطني بدل احتجازها ضمن مشروع أحادي. هذه التعدُّدية ليست انقسامًا، والنقد ليس خيانة. بل هي شروط ضرورية لتجديد العقد الاجتماعي ومنع وقوع الطائفة في عزلة قاتلة باسم الحماية أو في صدام مع الدولة باسم المقاومة.
ولأن الدولة وحدها - لا المرجعية الحزبية - تملك الشرعية والقُدرة على تأمين الأمن والإعمار والعدالة، فهي الضامن الوحيد لاستعادة الجنوب ضمن أفق وطني جامع. في المقابل، فإن المعارضة ليست ترَفًا نخبويًّا بل ضرورة تاريخية، تمثل امتدادًا لصوت الناس المهمّشين والمقموعين، وهي مقاومة مجتمعية ضد ثقافة الاستتباع وتحويل الجنوب إلى صحراء سياسية - ثقافية.
إن إحداث خرق سياسي فعلي في البيئة الجنوبية لا يمكن أن يُختزل في رفع الشعارات أو انتظار تبدّل موازين القوى، بل يتطلَّب رؤية استراتيجية وشجاعة في اتخاذ خيارات صعبة. فالجنوب اليوم ليس فقط منطقة منكوبة عمرانيًّا، بل هو جغرافيا سياسية مأزومة، يتداخل فيها البُعد الإنساني مع الأمني، والسيادي مع المعيشي، والوطني مع الطائفي. وأي مشروع بديل يُراد له أن يكسر حلقة الاحتكار يجب أن يبدأ أولًا بالانحياز الفعلي للناس، لا بالتماهي مع سرديّات تبريرية تُعيد إنتاج المأساة.
الفرصة المتاحة أمام المعارضة لا تكمن فقط في فضح فشل المنظومة المهيمِنة، بل في تقديم أجوبة ملموسة على الأسئلة المُلحّة التي يطرحها أهالي الجنوب اليوم: مَن سيُعيد بناء بيوتنا؟ مَن سيضمن أمننا؟ مَن سيحمينا من النسيان؟ وهنا، لا بد من التعامل مع ملف إعادة الإعمار كأولوية وطنية تتقدّم على أي حساب سياسي أو حزبي. لا يمكن لأي مشروع بديل أن يكتسب شرعية شعبية ما لم يضع إعادة الإعمار - بما يتضمنه من إعادة الاعتبار للناس وحقوقهم وأرضهم - في صُلب أجندته، بوصفه التزامًا أخلاقيًّا لا مجرد بندًا تقنيًّا.
إلى جانب ذلك، يجب أن تتحلّى المعارضة بقدَر عالٍ من الشجاعة السياسية في تبنّي خيار الدولة لا كخيار انتهازي، بل كقناعة سيادية وحقوقية. حصرية السلاح ليست ترفًا سياسيًّا ولا مطلبًا نخبويًّا، بل ضرورة دستورية ووطنية لضمان السلم الأهلي، وتحرير الطائفة من عبء التورّط الدائم في معادلات أمنية إقليمية تفتك بها قبل غيرها. كما أن الانحياز إلى الدولة، بما تمثّله من منظومة شرعية جامعة، هو وحده الكفيل بتحصين الجنوب من الانزلاق مجدّدًا إلى منطق الأمن الذاتي، أو الانخراط في محاور لا تعني الناس بشيء.
في موازاة هذا المسار، يجب التفكير بشكل جدّي بكيفية التعامل مع الخوف المتراكم داخل الطائفة الشيعية نتيجة عقود من الصراع، لا بالإنكار أو التسخيف، بل بالمصارحة وبناء الثقة. فالجنوب ليس مهدَّدًا فقط من إسرائيل في الجنوب، بل أيضًا من تدهور الوضع السوري في الشرق، ومن احتمال عودة التهديدات الإرهابية في الشمال. وبالتالي، فإن تصور الأمن لا يمكن أن يبقى حكرًا على التنظيمات العسكرية، بل يجب أن يكون أولوية وطنية تقودها الدولة، وتُنفّذ ضمن منظومة دفاعية - اجتماعية تشاركية لا حزبية.
أما سياسيًّا، فلا بد من نسج تحالفات متينة ومبنية على برنامج واضح، يأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الجنوبية والشيعية، لكنه لا ينكفئ داخلها، بل ينفتح على الشراكة الوطنية بمكوّناتها كافة. فالسيادة لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية، والإصلاح لا يتحقَّق في ظل تغييب صوت الناس. إنّ بناء هذا النوع من التحالفات - الذي يُوازن بين الانتماء المحلّي والمصلحة الوطنية - هو وحده القادر على إنتاج خرق حقيقي في معادلة الهَيمنة، وفتح أُفق جديد للعمل السياسي الديموقراطي.
ما بعد الحرب ليس مجرد مرحلة زمنية جديدة، بل هو اختبار وجودي للبنان ككل، وللجنوب على وجه التحديد. فقد جاءت حرب أيلول ٢٠٢٤ لتكشف عمق التحوّلات التي كانت تتراكم بهدوء منذ سنوات، ولتُعيد طرح الأسئلة التي لطالما جرى التهرّب منها: هل ما زال في الإمكان حماية الجماعة خارج الدولة؟ وهل يمكن الحفاظ على الأمن من دون عدالة؟ وعلى الكرامة من دون شراكة وطنية فعلية؟
الجنوب الذي خرج منكوبًا من الحرب الأخيرة، هو أكثر من ضحية اعتداء خارجي. هو انعكاس لفشل مركَّّب: فشل في إدارة التعدُّدية، وفشل في بناء دولة قادرة، وفشل في تحرير السياسة من قبضة السلاح. وقد أظهرت هذه الحرب أن القوة العسكرية لم تترجَم بالضرورة بضمان الأمن، وأن الاستقواء لا يضمن الاستقرار، وأن الطوائف - مهما عظُمت تضحياتها - لا يمكنها أن تحمي نفسها لوحدَها من دون إطار جامع، يحتضنها ويحميها ويسائلُها.

في هذا السياق، لا تعود المعارضة مجرّد خيار بين بدائل، بل تتحوّل إلى واجب سياسي وأخلاقي. فهي أمام لحظة مفصلية، تتجاوز منطق الاعتراض إلى مسؤولية البناء. وهنا تبرز انتخابات ٢٠٢٦ ليس كمجرد محطة انتخابية، بل كمناسبة تأسيسية لاختبار جدّية المعارضة، وقدرتها على تحويل التعدُّدية من واقع اجتماعي مكبوت إلى مشروع سياسي فعّال. لم تعُد المشكلة في غياب التمثيل وحسب، بل في غياب الأفق. والمطلوب اليوم ليس فقط خرق الهيمنة، بل بناء بديل يُحاكي الواقع ويُطمئِن الناس، ويربط الجنوب مجدَّدًا بقضايا الدولة.
في نهاية المطاف، الجنوب ليس عبئًا على أحد، بل هو فرصة أمام الجميع: أمام الدولة كي تستعيد شرعيتها بوصفها الضامن الوحيد للأمن والعدالة، وأمام المعارضة كي تتحوَّل من حالة صوت مستبعَد إلى شريك فعلي في إعادة تعريف السياسة وتحريرها من منطق الوصاية. لقد آن أوان الانتقال من موقع الرفض إلى مشروع الفعل، ومن النقد إلى البناء، ومن التردُّد إلى المبادرة. فالمعركة في الجنوب لم تعُد معركة انتخابية فحسب، بل أصبحت معركة على معنى الانتماء، وعلى استعادة الجنوب كمكوّن من الدولة لا كاستثناء عنها. وهذه ليست مسؤولية ظرفية، بل مسؤولية تاريخية كبرى، تتطلّب وعيًا عميقًا بالسياق، وشجاعة في الموقف، واقتناعًا راسخًا بأن التغيير لم يعد خيارًا نظريًّا، بل صار شرطًا وجوديًّا لحماية الناس، وإعادة إعمار المكان، وبناء لبنان جديد يليق بتضحيات الجنوبيين وتطلعاتهم.



