يَكادُ يُجمِعُ المَعنيُّونَ بالدِّراساتِ الإنسانيَّةِ أنَّ الطُّفولةَ هي أكثرُ مراحلِ الإنسانِ العُمريَّةِ خطورةً وحساسيَّةً لأنَّها الفترةُ التي يتشكَّلُ فيها وعيِه ولاوَعيِه. ومِمَّا يلقى قَبولًا لدى شريحةٍ واسعةٍ من دارسي السُّلوكِ الإنسانيِّ هي النَّظريةُ التي لخَّصَها الفيلسوفُ الإنجليزي برتراند راسِل بما مفادُه: «النَّاسُ لا يُولدون أغبياء، بل جُهلاء. ثُمَّ يُصيَّرون أغبياء». وبغضِّ النَّظرِ عن ماذا يُولدون وإلى أيٍّ يُصيَّرون، فإنَّ القضيَّةَ الأساسَ هي وجودُ عمليَّةِ تصنيعٍ للذهنيَّةِ التي تُحدِّدُ سلوكَ الفردِ في كُلِّ ميادينِ الحياة، وأهمُّها بلا رَيْبٍ الميدانُ السِّياسيُّ.
في عالَم السِّياسةِ، تَعمَدُ التَّنظيماتُ العقائديَّةُ، دينيَّةً وغيرَ دينيَّةٍ، إلى بناء قاعدةٍ شعبيَّةٍ مُؤدلجةٍ يَصعُبُ اختراقُها بالعقلِ والمنطِقِ تمامًا كما يَصعُبُ بالعاطفة. ومِمَّا تختلفُ فيه التَّنظيماتُ العقائديَّةُ عن غيرِ العقائديَّةِ هو أنَّ الأولى تُفضِّلُ «تربيةَ» القاعدة الشَّعبيةِ أكثرَ من «استقطابِها»، إذْ إنَّ إحكامَ السَّيطرةِ على الجُمهور «المُربَّى» والتَّحكُّمَ به أسهلُ وأكثرُ مضمونيَّةً، على المُستوى البعيد، منهما عندَ الجُمهور «المُستقطَب». وهذا مِا يُفسِّرُ اهتمامَ هذه التَّنظيماتِ بـ«تربية» الأطفالِ وإعادةِ خلقِهم على الصُّورةِ التي تُناسِبُ المَشروعَ السِّياسيَّ للتَّنظيمِ «المُرَبِّي».
على المِنوالِ نفسِه قامَ «حزبُ الله»، ويَقومُ، بتربية الأجيالِ الجديدةِ من مُناصريه في ثلاثةِ فضاءاتٍ أساسيَّةٍ إلى جانب الفضاء الجُغرافي الأوسع الذي يُسيطرُ عليه الحزب؛ المدارس، الكشَّافة والمَساجد والحَوْزات. وبالرَّغمِ من أنَّ لكُلٍّ من هذه الفضاءاتِ خصوصيَّتُها المُفترضة، فإنَّها في المُحصِّلَةِ تتكاملُ لـ«يُصيِّرَ» الأجيالَ الجديدةَ إلى الصُّورةِ التي يُريدُ «حزبُ الله» لها أن تكونَ عَلَيْها.
مُنذُ العامَ ١٩٩٣، أنشأ «حزبُ الله» شبكةً من المدارس الخاصَّة به تحت اسم «مدارس المهدي»، التَّابعة للمؤسَّسة الإسلامية للتَّربية والتَّعليم. وتضمُّ «مدارسُ المهدي» اليوم ١٨ فرعًا في لُبنان؛ ٨ منها في الجنوب، ٤ في البقاع و٣ في بيروت، إضافةً إلى فَرْعٍ، هو الأصغرُ بينَ كُلِّ الفروع، في مدينةِ قُم الإيرانيَّة مُخصَّص للجاليات اللُّبنانية والعربية. وبحسب الموقع الرَّسمي لهذه المدارس، فإنَّ مُتوسِّطَ المساحةِ العقاريَّةِ لفروعِها في لبنان يبلغُ حوالى ١٠,٨٨٦ م٢، بينما يبلغُ متوسِّطُ مساحةِ البِناءِ حوالى ٥,٤٥٨ م٢. أمَّا القُدرةُ الاستيعابيَّة، لثلاثة عشر فرعٍاً منها فقط، فتبلغُ ١٨,٢٠٨ تلاميذ، وهذا الرَّقمُ يُشكِّلُ حوالى ٤٤% من عدد الطُّلَّابِ في المدارسِ الشِّيعيَّةِ الخاصَّةِ غيرِ المجَّانيَّة للعام ٢٠١٩ _ ٢٠٢٠ والذي يبلغُ ٤١,٥٤١ طالبًا بحسبِ الشَّركةِ الدُّوليَّةِ للمعلومات. ومِمَّا تجدرُ الإشارةُ إليه عندَ التَّعريفِ بهذه المدارس هو أنَّها مدارسُ خاصَّةٌ جِدًّا إلى الحدِّ الذي يرفضُ فيه حزب الله أيَّ نوعٍ منَ الرَّقابةِ عليها مِنْ قِبَلِ المرجعيَّةِ الشِّيعيَّةِ الرَّسميَّةِ فضلًا عن الحكومةِ اللُّبنانيَّة.
.jpg)
في رِحلةٍ إلى موقعِها الرَّسميِّ ومُطالعةٍ لمُحتوياتِه يُمكنُ تَكوينُ صورةٍ حولَ البيئةِ المَعنويَّةِ التي ينشأُ فيها «الطَّالبُ» استنادًا لمُعطَيَيْنِ أساسيَّيْنِ؛ طبيعة «النَّشاطات» التي تُقيمُها المدرسةُ للطُلَّاب، والنُّصوصِ التي يكتبُها بعضُ الطُّلَّابِ «بأقلامِهم» على صفحةِ الموقع.
في عَناوينِ النَّشاطاتِ الرَّئيسيَّةِ لطُلَّابِ «المهدي»، يَصعُبُ أنْ تَجِدَ عُنوانًا يُوحي بأنَّ هذه المدارسَ تُمارسُ نشاطَها التَّعليمي في لُبنان، إذْ إنَّ هذه النَّشاطاتِ، حتَّى التَّرفيهيِّ منها، ذاتُ طبيعةٍ حزبيَّةٍ ودينيَّةٍ لا تَعني أحدًا سوى حزبِ الله والمحورِ الإيراني. وفي ما يَلي عيِّنَةٌ عن أبرز هذه «النَّشاطات»:
نَشاطٌ لصَفِّ الرَّوضاتِ (دون ٦ سنوات)، بمُناسبةِ «الشُّهداءِ القادةِ [بعُنوان] هُداة الدَّرب [تخلَّلَه] سَردُ قصَّةٍ حولَ المُناسبة، عرضُ حلقةٍ منَ [البرنامج الكَرتوني] «الطِّفل والمُحتل» وأناشيد حماسيَّة وهُتافات». اختُتِمَ أحدُ الأعوامِ الدِّراسيَّةِ للحلقةِ الأُولى (٦ _ ١٠ سنوات) بنشاطٍ دينيٍّ خُتِمَ بالأناشيد «الثَّوريَّة والحماسيَّة [و] نشيد سلام يا مهدي». وفي مُناسبةِ «عشرة الفجر ويوم القائد»، وهي المُناسبة التي تحتفلُ فيها إيران بعَودةِ الخُمينيِّ إلى إيران عام ١٩٧٩، أُقيمَ احتفالٌ لكافَّةِ المراحل التَّعليميَّةِ (٦ _ ١٨ سنة تقريبًا)، وقد وَرَدَ في الموقعِ الرَّسميِّ حولَ هذا النَّشاطِ ما نَصُّهُ:
«اجتمعتِ القُلوبُ على حُبِّ قائدِها (...) وعَلَتْ صيحاتُ الحَناجرِ ودَوَّت، لتُعلنَ الحُبُّ والولاءَ للسَّيِّدِ الوَلِيِّ الخامنائيّ المُفدَّى [وأعلنوا] بفخرٍ واعتزازٍ «نحنُ عُشَّاقُ الولاية» [وأعلنوا] البيعةَ والولاء والمُضي قدمًا خلفَ قائدِهم وعلى دربِه في السِّلم والحرب [حتَّى] ظُهور [المَهدِيِّ]».
وبمُناسبةِ وفاةِ الخُميني أُقيمَ نشاطٌ في إحدى ثَانويَّاتِ «المهدي» للتَّعريفِ به واختُتِمَ بـ«ترداد مَقطعٍ من نشيد خُميني إنَّا لكَ الأوفياء مع رفعِ صورِه». إضافةً إلى «نشاطاتٍ» أُخرى مثل: «سحور مُجاهد»، مجالس عزاء و«لَطم»، إحياء «يوم الشَّهيد»، تكريم «أُمَّهاتِ الشُّهداء» في عيدِ الأُمِّ، نشاطاتٌ مع جمعيَّةِ «إحياء التُّراثِ المُقاوِم»، وغيرِ ذلكَ منَ «النَّشاطات» التي تَجعلُ منَ الصَّعبِ جدًّا، على المُراقِبِ، أن يُميِّزَ بينَ هذه المدارسِ وبين المراكز الحِزبيَّةِ.
تَقومُ هذه «النَّشاطاتُ» التي تستهدِفُ هذه الفِئاتِ العُمريَّةِ (٤ _ ١٨ سنة) بتقديمِ الصُّورةِ الذِّهنيَّةِ المُستقبليَّةِ الواجبِ على الطِّفلِ أنْ يعملَ ليَكونَ عليها. وحَولَ تأثيرِ هذا المناخِ على التَّكوينِ النَّفسي للطِّفلِ، يقولُ الدَّكتور في علم النَّفس داود فَرَج أنَّ هذه «النَّشاطات» تؤدِّي إلى ما يُسمَّى في فلسفةِ التَّربية بـ«عمليَّة تنميط الشَّخصيَّة». ويُضيفُ فرج أنَّ النُّمو النَّفسي للطِّفلِ، بينَ سنِّ ٦ إلى ١١ سنة، يقومُ على آليةِ التَّماهي؛ تماهي الولد مع الأب والبنت مع الأُمِّ. وعبرَ هذه «النَّشاطات» يتمُّ تقديمُ «القائد/ الوَلِيِّ» بديلًا عن الأبِّ كنموذجٍ للتَّماهي معه، بحيثُ يكونُ «القائدُ» امتدادًا للأبِّ، وما يرتبطُ بالأبِّ، لدى الطِّفلِ طبعًا، فإنَّه يرتبطُ أيضًا بـ«القائد» الذي يُصبحُ الأبَ البديلَ الذي يُسلِّمُ له الطِّفلُ بالطَّاعةِ المُطلقة (البَيعة والولاء). أي أنَّ هذه «النَّشاطات»، بتعبير فَرَج، «تَشُدُّ الطِّفلَ إلى هذا الاتِّجاه كي يتبنَّاه عندما يكبر»، وبذلكَ تتحوَّلُ العلاقةُ بينَ الطِّفلِ المُستهدَفِ و«القائد» إلى عِلاقةٍ نفسيَّةٍ. وتاليًا، فإنَّ الانتماءَ إلى المِحورِ الإيرانيِّ، الذي يُشكِّلُ «حزبُ الله» أهمَّ أركانِه، يُصبِحُ ضروريًّا للطِّفلِ الذي يرى ما نُشِّئَ عليه حُلمًا يُريدُ تحقيقَه.
ويُمكنُ، عندَ مُقاربةِ تأثيرِ هذه «النَّشاطات» على البناءِ النَّفسي للطِّفلِ، مُلاحظةُ تأثيراتِها على مفهومَيْنِ أساسيَّيْنِ يعملُ «حزبُ الله»، من خلالِهما، على صِناعةِ صورةِ الجيل الجديدِ لنفسِه وللآخر:
الانتماءُ: يعمَدُ «حزبُ الله» إلى تخفيض الانتماء الوطني لدى هؤلاء إلى مرتبةٍ أدنى من الانتماء الدِّيني/ الحِزبي، عبرَ كمٍّ هائلٍ منَ النَّشاطاتِ التي تجعلُ الأطفالَ مَعنيِّين بقضايا لا تَعني كُلَّ اللُّبنانيِّينَ في شيءٍ، بل إنَّ معظمها يتنافى بشكلٍ واضحٍ مع جوهر التَّربية الوطنية؛ كالاحتفال بذكرى عودة الخميني إلى إيران أو بيوم وفاتِه؛ كـ«الولاء والبَيعة» للخامنئي، وغيرِها من هذه الشِّعارات التي تُفهمُ الطِّفلَ أنَّ هذه المُناسباتِ تَعنيه وتَعني وجودَه في هذا العالَم، وتُمثِّلُ كيانَه المَعنوي، أكثر من عيدِ الاستقلال اللُّبنانيِّ مثلًا. وحَولَ تأثيرِ ذلك على الانتماء الوطنيِّ للطِّفلِ، تقولُ الدّكتورة في علم النَّفس الإجتماعي مُنى فيَّاض إنَّ الأطفالَ، خلال مراحلِ تكوُّنِ شخصيَّتِهم، يتأثَّرونَ بشكلٍ كبيرٍ بكُلِّ ما يتعلَّمونَه خلال هذه الفترة، وبخاصَّةٍ إذا كان المُعلِّمُ/ المُربِّي يُعَدُّ مِثالًا أعلًى بالنَّسبةِ للطِّفل. وتُضيفُ فيَّاض أنَّ الانتماءَ الوطنيَّ لدى الطِّفلِ هو نوعٌ منَ التَّدريبِ أيضًا، ويَتِمُّ عبرَ آلياتٍ مُعيَّنةٍ وعبرَ خلقِ صورٍ و«أساطير مؤسِّسة» ومِثالاتٍ ونماذجَ مرجعيَّةٍ يسترجعُها الطِّفلُ لاحقًا ويَبني عليها عندَ اتِّخاذِ الخيارات. ويزدادُ تأثيرُ هذه «النَّشاطات»، بحسب الدّكتورة فيّاض، حينَ تَحوطُ الطِّفلَ بشكلٍ كاملٍ زمانيًّا ومكانيًّا بحيثُ تكونُ هذه النَّماذجُ هي الخيارُ الوحيدُ المُتوفِّرُ له.
والأخطرُ من كُلِّ هذا هو أنَّ مدارس «المهدي» تُمارسُ سياسةَ «تَفريسٍ» مُقنَّعةٍ، إذْ إنَّها تُحاولُ تطبيقَ النَّموذجِ الإيرانيِّ في التَّعليم. وهذا يَظهرُ بوضوحٍ في كتابٍ بعُنوان «المباني النَّظريَّة للتَّحوُّلِ البُنيوي في نظامِ التَّربية والتَّعليم الرَّسمي والعام في جمهوريّة إيران الإسلاميّة»، وهو الرُّؤية التي أقرَّها المجلسُ الأعلى للتَّربية والتَّعليم في مدينة مشهد الإيرانيَّة عام ٢٠١٠. ويَقولُ المدير العام للمؤسَّسة الإسلاميَّة للتَّربية والتَّعليم الدّكتور حسين يوسف أنَّ هذا الكِتاب شكَّلَ «نُقطة تحوُّل في مقاربة قضية التَّأصيلِ التَّربوي» في هذه المدارس. وإذا أخذنا بعَيْنِ الاعتبار أنَّ أحدَ الأصولِ النَّظريَّةِ التي بُنيتْ عليها الرُّؤيةُ الموجودةُ في الكتاب هو «خطابُ الثَّورة الإسلاميَّة» الذي يقومُ على أفكار الخُميني والخامنائي «وكبار رجال الثَّورة الإسلاميَّة»، فيُمكنُ الخُلوصُ إلى أنَّ اعتمادَه أساسًا للرُّؤيةِ التَّربويَّةِ لـ«مدارس المهدي» هو الامتدادُ الثَّقافي والتَّربوي، إن جاز التَّعبير، لشعار «تصدير الثَّورة» الذي رفعَه الخُميني عام ١٩٧٩. فإيران، عبر حزب الله، تستخدمُ الدِّينَ والثَّقافة والتَّعليم كوسائلَ للسَّيطرةِ والتَّحكُّم بالأجيالِ التي تُخرِّجُها هذه المدارس. وفي ضوءِ هذا يُمكنُنا أنْ نفسِّرَ الحُضورَ الإيرانيِّ الرَّسميِّ في الاحتفالاتِ والنَّشاطاتِ التي تُقيمُها هذه المدارس، والحُضورَ السِّياسيَّ على وجه الخصوص في نشاطاتٍ ثقافيَّةٍ يُفترضُ أن يحضرَها المُلحقُ الثَّقافي الإيراني وليسَ المُستشار السِّياسي للسَّفير الإيراني. وأيضًا يُمكنُنا أن نُعيدَ النَّظرَ في فهمِ الهدفِ وراءَ تعليم اللُّغةِ الفارسيَّةِ، كلُغةٍ أجنبيَّةٍ ثانيةٍ، في مناهجِ «مدارسِ المهدي».
المِخيال: إنَّ صِناعةَ مِخيال الطِّفل في هذه المدارس تَتِمُّ وِفقَ ثُنائيَّة «البَطَل _ العسكر»: إنَّ شخصيَّةَ «البَطَل» لدى الطِّفل تَفترضُ أنَّ من ضمنِ الشُّروطِ الضَّروريَّةِ للبطل حتَّى يكون بطلًا هو أنْ يَكونَ أحدَ «الشُّهداء» أو «المُجاهدين» في المِحورِ الإيراني. وتأكيدًا على الرَّبطِ بين شخصيَّةِ البطلِ من جهة والانتماء إلى إيران من جهةٍ أُخرى تَمَّتْ تسميةُ المُباراة المركزيَّةِ التَّاسعة للُّغةِ الفارسيَّةِ التي تُقيمُها مدارس «المهدي» باسم «مُباراة الشَّهيد قاسم سُليماني». والمَعنى نفسَه تُؤكِّدُ عليه الدّكتورة فيّاض في مَعرِضِ تحليلِها لإحدى الصُّوَرِ التي تجمعُ قادةً عسكريِّينَ في المِحورِ الإيراني، كعماد مغنيَّة وقاسم سليماني، معَ عِبارةِ «دامَ رُعبُكُم». وتُضيفُ فيّاض أنَّ هذه الصُّورةَ تحملُ معنًى مَفادُه؛ «لدينا أبطالٌ تُرعبُ، وهؤلاء هُم أبطالُنا». وبحسب الدَّكتور فَرَج، فإنَّ وجودَ كُلِّ هذه الرُّموزِ التي ترتبطُ بشخصيَّةِ الشَّهيد/ المُجاهد يُساهمُ في تشكيلِ الصُّورةِ النَّمطيَّةِ للبَطَلِ/ المِثال في البناءِ النَّفسي للطِّفل، وهذا يُوَلِّدُ في لاوَعيه رغبةً ودافعيَّةً ليَكونَ على هذه الصُّورة. وإذْ إنَّ هذه الصُّورة هي الصُّورة الوحيدة المتوفِّرة للطِّفلِ فإنَّ التَّماهي معها سيكونَ أكثرَ تِلقائيَّةً لديه.
والرَّكيزةُ الثَّانيةُ يُمكنُ تسميتُها بـ«عَسْكَرَة المِخيال». فإلى جانب النَّشاطاتِ المدرسيَّة ذاتِ البُعدِ العسكريِّ، أو «الجِهاديِّ» (يوم الشَّهيد، سحور مجاهد، الشُّهداء القادة...)، تأتي مجلَّة «مهدي» وموقع «العب قاوم» التَّابعَيْن لحزب الله لترسيخ العُنف والسِّلاح في مِخيال الطِّفلِ وجعلِهما جزءًا منه. وفي ما يلي نبذةٌ عن هذه «الألعاب»:
مُساعدةُ «أرنوب» لعبورِ حقلٍ من الألغام؛ تلوين المعدَّاتِ «التي يحتاجُها المُقاوم في المعركة»؛ ستيكرات على شكل بندقيَّة وقُنبلة يدويَّة «ليتفاعل» الطِّفلُ معها بحسبِ ما تُعرِّفُ المجلَّةُ عن مُحتوياتِها به. أمَّا ألعابُ الموقع فهي كما يُعرِّفُ عنها الموقع: «سلسلة من الألعاب (...) تحطّم من خلالها العدو الصهيوني وتزيله من خارطة الوجود (...) بسواعد مجاهدي المقاومة الإسلاميّة». ومن هذه الألعاب مثلًا: «سلسلة ألعاب التحرير»: تُجسِّد عمليات حزب الله بين ١٩٨٢ و٢٠٠٠؛ «العدو في المرمى» تثبت أنّ لبنان هو مقبرة للغزاة الصهاينة؛ «لعبة الدِّفاع المقدَّس» تُمثِّلُ مواجهة حزب الله للـ«مشروع التَّكفيري ومواجهة المشروع الأميركي_ الصهيوني». وممَّا يجدرُ ذكرُه أنَّ عُنوان «الدِّفاع المُقدَّس» هو التَّسمية الإيرانيَّةُ لحربها مع العراق (١٩٨٠ _ ١٩٨٨). أي أنَّ حزب الله صنعَ لُعبةً تحملُ اسمَ كُلِّ محطّةٍ أساسيَّةٍ من محطَّاتِ المشروع الإيرانيِّ في المنطقة. والجديرُ بالذِّكرِ أنَّ سياسةَ الألعابِ هذه ليستْ من ابتكارِ حزب الله، إذْ إنَّ شركة Activision الأميركيَّة قد استحدثتْ نُسخةً من سلسلة ألعاب Call of Duty (نداء الواجب) تُحاكي احتلال العراق، وغيرَه من العمليات العسكرية الأميركيَّة في المنطقة، بحيثُ يكونُ اللَّاعبُ جُنديًّا في الجيش الأميركي.
وتبرزُ خطورةُ هذه الألعاب، بحسب الكاتبة في أدب الأطفال والنَّاشئة فاطمة شرف الدِّين، في أنَّها «تذهبُ بعيدًا في جعلِ السِّلاحِ والعُنفِ جُزءًا من مخيِّلةِ الطِّفلِ ومن حياتِه اليَوميَّة». وتُشبِّهُ الدّكتورة فيَّاض هذه الحالة بـ«المُجتمعِ الإسبرطي» حيثُ تُربِّي الدَّولةُ الأطفالَ تربيةً عسكريَّةً مُكثَّفةً تُحوِّلُهم إلى جُنودٍ مُطيعينَ للـ«قائد» طاعةً مُطلقةً. وحولَ خطورة هذه الألعاب كما وَصَفَها لُقمان سليم أنَّ «حزبًا يدخل إلى ألعاب الأطفال [و] إلى بيوت النّوم [و] إلى المخادع [هو] حزب أصبح يُشكّل خطرًا أكبرَ ممّا نتخيّل».
كما أنَّ هذه الألعابَ تربطُ العُنفَ والسِّلاحَ بكياناتٍ لها وجودٌ واقعيٌّ اسمُه «مِحورُ المُقاومة»، وهذا يَحُلُّ الإشكاليَّةَ التي تُطرحُ حولَ هذه الألعاب: إنَّ هذه الألعابَ ذاتَ الطَّابعِ العُنفيِّ موجودةٌ بكثرةٍ، فما الذي يدفعُ حزبَ الله لإنشاءِ ألعابِه العُنفيَّةِ المبنيَّةِ على مشروعِه السِّياسيِّ؟
مُجتمعُ حزبِ الله: والجديرُ بالدِّراسةِ بعناية أنَّ «مدارس المهدي» ليست لكُلِّ المُنتمين إلى حزب الله، وإنَّما هي للمَحظيِّينَ والميسورين من أفرادِه، إذْ إنَّ كثيرًا من المُؤيِّدين و«المُتفرِّغين» في حزب الله يُرسلون أولادَهم إلى المدارس الرَّسميَّةِ أو الخاصَّةِ ذاتِ الأقساطِ المُتدنيَّة نسبةً إلى أقساطِ «المهدي». وهذا يُمكنُ تصويرُه بأنَّ حزب الله يَسعى إلى تشكيل مُجتمعٍ قائمٍ بذاتِه ليسَ داخل المجتمع اللُّبنانيِّ وحسب، بل داخل «المُجتمَع الشِّيعي» نفسِه، بحيثُ تكونُ مدارسُ المهدي، والمُصطفى أيضًا، مُخصَّصةً لأرستقراطيِّي حزب الله و«نُخَبِه».
على أنَّ بيئةَ المدارسِ الأخرى الواقعة ضمنَ جُغرافيا حزب الله لا تختلفُ كثيرًا عن بيئة «المهدي» من حيثُ تغليبِ الالتزامَيْن الدِّيني والحزبي على الالتزام الوطني، بل حتَّى على الالتزامِ المدرسي. فإحدى المدارس الخاصَّة في منطقة حيِّ السُّلم أقامتْ في العام ٢٠٠٩ مجلسَ عزاءٍ في باحتِها وفرزتْ الطُّلَّابَ قسمَيْن؛ في الأمامِ يجلسُ مُرتدو الزِّيِّ الأسود، وخلفَهم مُرتدو الزِّيِّ المدرسي. وهذا يُرسِّخُ لدى الطَّالب أن التزامَه الدِّيني، مُمثَّلًا بالزِّيِّ الأسود، أهمُّ من التزامِه المَدرسي المُمثَّل بالزِّيِّ المدرسيِّ الموحَّد.
الطُّلَّابُ «بأقلامِهم»: في ضوءِ ما ذُكِرَ أعلاه يُعتبرُ منَ الطِّبيعيِّ في مكانٍ ما أنْ تُخاطبَ طالبةٌ في الصَّفِّ العاشر (١٥ سنة تقريبًا) حسن نصر الله بـ«الأمين على الدِّماء»، وأن يكتبَ زميلٌ لها «بالدَّم» ويتحدَّثَ عن «تغيُّر مجرى حياتِه» دونَ أن يخطُرَ في بالِه أنَّ حياتَه (١٥ سنة) لم تَجْرِ بعدُ حتَّى يتغيَّرَ مجراها! ومنَ الطَّبيعي أيضًا أن تشعرَ إحدى طالباتِ الصُّفوفِ الثَّانوية (دونَ الـ ١٨ سنة) «بالذَّنب» وتسألَ عن «سبيلٍ للتَّوبة»؛ وأنْ يَشعرَ طُلَّابٌ في الصَّفَّين الثَّامن والتَّاسع (دون الـ ١٥ سنة) «بنار الغضب تملأ قلوبنا» من أجل اليَّمنيِّينَ أثناء حرب «عاصفة الحزم» ضدَّ الحوثيِّين. وتُصبحُ الإجابةُ واضحةً أسئلةٍ من قَبيل؛ مُنذُ متى صارتِ الشُّؤونُ السِّياسيَّةُ في صُلبِ اهتمامِ الأطفال إلى الحَدِّ الذي يدفعُهم للتَّفاعُلِ معها «بغضب»؟ ومِنْ أينَ لطفلٍ، يبدو من شكلِ خطِّه أنَّه لا يتجاوزُ الصَّفَّ التَّاسع، أن يُدركَ أنَّ حسن نصر الله هو الذي يحميه؟ وما الذي يجعلُ أُمنيةَ طفلٍ أن يُصبِحَ «مُجاهدًا من مُجاهديكَ (يقصد نصر الله) الأبطال»؟ وآخرَ يُوقِّعُ رسالتَه إلى نصر الله بـ«تلميذكَ ومُجاهدكَ»؟ وآخرَ يكتبُ لنصر الله أنَّه يتعلَّمُ اليوم «كي ننتصر في المستقبل (...) وأنا أطلب من الله الشَّهادة»؟ وآخر يَعدُه بأنّهم «جاهزون ومستعدون لأي طلب (...) نحن معك نحن لسنا صغار بل كبارًا كبار»؟
ولا بُدَّ، في ضوءِ الإجابةِ عن البواعثِ وراء هذه الكِتابات، أن نعيدَ النَّظرَ في تصريحِ نصر الله: «نحن نراهن على الأجيال التي تخرِّجها مدارس المهدي».
بدأتْ نشاطَها في العام ١٩٨٥ قبل أن تحصلَ على ترخيصٍ رسميٍّ عام ١٩٩٢. وقد عملَ «حزبُ الله»، قبلَ العام ٢٠٠٠، على إنشاءِ فوجٍ للكشَّافةِ في كُلِّ قريةٍ ينسحبُ منها الجيش «الإسرائيلي». وهي اليوم مُقسَّمةٌ إلى خمس مُفوَّضيَّات: بيروت، جبل عامل الأولى، جبل عامل الثَّانية، البقاع، الشَّمال وجبل لُبنان. وبحسب المُفوَّض العام، الشَّيخ نزيه فيَّاض، فإنَّ عددَ المُنتمين حتَّى العام ٢٠٢٢ بلغَ ٧٥ ألفًا بعدما كانوا ١٦٠٠ عام ١٩٩٢. ويُضيفُ فيَّاض أنَّ ٦٠٠٠ قائدة وقائد لا تتجاوزُ أعمارُهم الـ٢٢ سنة يعملون على استقطاب الشَّباب، حتَّى سنِّ الـ١٧، إلى الكشَّافة التي تعملُ على إيجادِ مِنصَّةٍ افتراضيَّةٍ تُحقِّقُ الاحتكاكَ المُباشر بالأطفال المُستهدفين ممَّن هم دونَ الـ ١٤ سنة.
.jpg)
عبرَ مُلاحظةِ النَّشاطاتِ الكَشفيَّةِ والشِّعاراتِ وأسماءِ المُدن الكشفيَّةِ يُمكنُ اعتبارُ «كشَّافة المهدي»، من حيثُ البيئة المعنويَّة للطِّفلِ/ الشَّاب، امتدادًا لعمليَّةِ التَّأطير والأدلجة، بحسب الدّكتورة فيّاض، حيثُ تَستهدفُ الكشَّافةُ الأطفالَ في «أوقاتِ فراغِهم».
وأَوَّلُ ما يُلاحظُ هو العُنصرُ الإيرانيِّ المادِّي والمعنوي الحاضر بشدَّة في نشاطاتِ الكشَّافة كما في مُدُنِها الكَشفيَّة. ففي المُناسباتِ الدِّينيَّةِ الكُبرى، كعاشوراء، تُقيمُ الكشَّافةُ فعالياتٍ ومسيراتٍ في مناطقِ تواجدِه التي تمتدُّ على جزءٍ كبيرٍ من الجُغرافيا اللُّبنانيَّة التي يتواجدُ فيها الشِّيعةُ المؤيِّدون لحزب الله؛ فمثلًا في مفوَّضيَّة جبل لبنان شاركَ ٩٦١٨ «عاشق للحُسين» في إحياء إحدى اللَّيالي العاشورائيَّة التي تُشكِّلُ النَّشاط الأكثر أهميَّةٍ للكشَّافة. وفي إحصاءٍ منشورٍ على موقعها الرَّسميِّ تكشفُ الكشَّافةُ عن «إنجازاتِ» برنامج الإحياء العاشورائي للنَّاشئة، «مصباح الهدى»، على مُستوى كُلِّ لُبنان والتي كانت على الشَّكل التالي: المعدَّل اليومي للحضور في المجالس بلغَ ٤٩,٨٧٨، مُعدَّلُ هذه المجالس ٧٥٧ مجلسًا في اليوم، و سجّل المعدل اليومي للمشاركين في الأنشطة العاشورائية التي يبلغ معدلها حوالى ١٥٨ نشاطًا يوميًّا نحو ١٢,٤٢٣ مشاركًا.
تُشكِّلُ المجالسُ العاشورائيَّةُ موسِمًا مُهمَّا لاستقطاب النَّاشئة، وهذا ما صرَّحتْ به الكشَّافةُ علانيةً في تقريرِها الذي قالتْ فيه: « وقد جرى استقطاب العديد من الناشئة الجُدد عبْرَ هذا الاحياء، كذلك تمّ تعزيز ثقة الناس والأهالي بجمعية كشافة الإمام المهدي (عجّ) التي تقدّم كافة إمكانياتها في سبيل الإحياء الأمثل لهذه المناسبة». وفي مَعرِضِ تحليلِه لمسألةِ الاستقطابِ في الأجواء العاشورائيَّةِ المليئةِ بالعاطفة، يَقولُ الدّكتور فرج إنَّ الطِّفلَ، من حيثُ هو كائنٌ اجتماعيٌّ، يتأثَّرُ بشكلٍ كبيرٍ بالبيئةِ الاجتماعيَّةِ التي تَحوطُه. والطِّفلُ حينَ يرى «الجماعة»، وبخاصَّةٍ الذين يُشاركُهم العُمر نفسَه، تسيرُ في اتِّجاهٍ مُعيَّنٍ فإنَّه يرغبُ في الانتماءِ إليهم ولا يُريدُ الانعزالَ عنهم؛ أي أنَّه «يُريدُ المحافظةَ على كيانِه الاجتماعي للحفاظ على بقائه كفردٍ ضِمنَ الجماعة»، بحسبِ تعبير فرج. ومن هُنا يُمكنُ أن نَفهمَ دلالاتِ مُصطلحِ «جماعتنا» الذي يستعملُه أنصارُ حزبِ الله في الحديثِ عن أنفسِهم.
.jpg)
أمَّا المَسيرات التي تُقامُ في جُغرافيا حزب الله، كالضَّاحية الجنوبيَّة لبيروت، فإنَّ صورَ السِّيدَيْنِ الخميني والخامنئي تتقدَّمُ أيَّ مسيرةٍ. وبالطَّبعِ فإنَّ رمزيَّةَ هذه الصُّورَ هي ذاتُها الموجودةُ في نشاطاتِ مدارس حزب الله وتحملُ معاني «الولاء والبَيعة» نفسَها التي تظهرُ أيضًا في أسماءِ المُدن الكشفيَّة كـ«مدينة الإمام الخميني الكشفية للشباب». لكن على خِلاف ما هو في المدارس، فإنَّ حضور «الحرس الثَّوري الإيراني» يظهرُ بصورةٍ واضحةٍ في الكشَّافةِ من خلال إحدى مجلَّاتِها التي تحملُ اسم «تَسنيم» وهو اسمُ وكالةِ الأنباءِ الإيرانيَّة التي يملكُها «الحرسُ الثَّوري».
تملأُ المساجدُ والحُسينيَّاتُ جُغرافيا حزب الله وِفقَ المُعادلةِ التَّالية: وجودُها دالَّةٌ على وجودِه، وغيابُها ليسَ دالَّةً على غيابِه. والدَّورُ الدِّينيُّ للحُسينيَّاتِ هو دورٌ ثانويٌّ إذا ما قُورِنَ بدورِها في الإعدادِ والتَّعبئةِ لأنصارِ حزب الله عُمومًا، وللأطفالِ والشَّبابِ منهم على وجه الخُصوص، حتَّى إنَّها تُعَدُّ منَ المراكزِ الكَشفيَّةِ أيضًا لـ«كشَّافةِ المَهدي»، وخاصَّةً في الضَّاحيةِ الجنوبيَّة، إذْ إنَّ بعضَ النَّشاطاتِ و«الجلسات» تتمُّ في الحُسينيَّات وفي المساجدِ أو في غُرفٍ تابعةٍ للمسجد تُخصَّصُ لنشاطات الكشَّافة. وليسَ هذا حِكرًا على الحُسينيَّاتِ التّابعةِ لحزب الله، بل يتعدَّاهُ إلى بعضِ الحسينيَّاتِ التَّابعة لمؤسَّساتِ المرجع محمَّد حسين فضل الله، والتي يُسيطرَ عليها حزب الله. فمثلًا، إحدى أشهر الحُسينيَّات التي كان فضل الله يؤمُّ الصَّلاةَ فيها بنفسِه، وبالرَّغمِ من أنَّ أئمَّتَها اليوم هم أبناءُ أخيه أو من مكتبِه الشَّرعي، فإنَّها باتَتْ عمليًّا تحتَ سيطرةِ حزب الله الذي يُقيمُ فيها جلساتٍ حزبيَّةٍ وكشفيَّةٍ.
ويأتي دورُ المساجد والحُسينيَّاتِ ضمنَ العمليَّةِ التَّكامليَّةِ التي «تصقلُ» شخصيَّةَ الطِّفل. والفئةُ المُستهدفةُ في المساجِدِ هي الأطفالُ الذين بلغوا عُمرَ المُراهقة، أو سِنَّ التَّكليفِ الشَّرعيِّ الذي بلغُ حوالى ١٤ _ ١٥ سنة. وتبدأُ في هذه المرحلةِ، بحسب الدّكتور فرج، المُنافسةُ مع السُّلطةِ الوالديَّةِ وينشأُ نوعٌ منَ النُّفورِ لدى الطِّفلِ منَ الصُّورِ النَّمطيَّةِ، إذْ إنَّ الطِّفلَ يشهدُ، مع بدايةِ مُراهقتِه، بدايةَ الانتقالِ النَّوعيِّ منَ المَحسوسِ إلى المُجرَّد. ويُتابعُ فرج: لكي لا يحدثَ النُّفورُ منَ الصُّورةِ النَّمطيَّةِ التي نمَّطَ «حزبُ الله» الطِّفلَ بها، يَتِمُّ رفعُ «القائد» إلى مرتبة القُدسيَّةِ والعِلاقةِ المُباشرةِ مع الإله. ويَتحقَّقُ هذا من خلال فِكرةِ المهديِّ المُنتظرِ وتوظيفِ حزبِ الله لها؛ فالمُرشدُ الإيرانيُّ/ الوَلِيِّ الفقيه الذي أعلنَ الطِّفلُ «البَيعةَ والولاءَ» له في المدارسِ والكَشَّافةِ هو «نائبُ الإمام المهديِّ» ويجتمعُ معه أيضًا؛ وإيرانُ دولةٌ تُمهِّدُ «لظهورِ الإمام»؛ و«حزبُ الله» وعُمومُ المُنضوينَ تحتَ رايةِ المِحورِ الإيرانيِّ هُم «جُنودُ المَهدي»؛ ونصرُ الله «ينظرُ بعين الله»؛ إلى غيرِ ذلكَ منَ الدِّعايةِ التَّقديسيَّةِ التي يبثُّها «حزبُ الله» بينَ أنصارِه، أو يبتكرونَها بأَنفُسِهم؛ كُلُّ هذا يؤدِّي إلى اعتقادِ أنصارِ حزب الله ليسَ بأنَّهم يَجتهدونَ ليكونوا من «أنصارِ الإمام» وحسب، بل بأنَّهم كذلكَ على الحقيقة. وهذا يؤدِّي، بحسب فرج، إلى ترسيخِ الصُّورةِ النَّمطيَّةِ وتضمنُ استمراريَّتَها لدى المُراهقينَ الذين لولا فِكرةِ المهدي المُنتظَر لتخلَّى كثيرٌ منهم عن هذه الصُّورةِ النَّمطيَّةِ بحُكمِ طبيعةِ التَّحوُّلاتِ النَّفسيَّةِ الطَّبيعيَّةِ التي تُرافقُ فترةَ المُراهقةِ. ف«حزبُ الله» يُربِّي أنصارَه على قُدسيَّةِ «القيادةِ» وعِصمتِها، ليَضمنَ بذلكَ أنَّ فكرةَ المُحاسبة، أو حتَّى المُساءلة، غيرُ واردةٍ أصلًا في ذهنيَّة «جماعتِه». وتُضيفُ الدّكتورة فيّاض أنَّ كَثرةَ المُناسباتِ الدِّينيَّةِ وما يتعلَّقُ بها من طقوسٍ يُؤدِّي إلى صناعةِ نظامٍ (System) يُسيطرُ على حياة الطِّفلِ ويبثُّ له هذه النَّماذجَ بشكلٍ شبه دائم.
إضافةً إلى الفضاءاتِ الثَّلاثةِ أعلاه، ثمَّةَ فضاءٌ رابعٌ هو المُجتمعُ الذي يعيشُ فيه الطِّفل. وليسَ المُرادُ بالجُغرافيا هُنا الأرضَ، بل ما هو فوقَ هذه الأرض. وأبرزُ ما يُميِّزُ جُغرافيا حزبِ الله هو الكَمُّ الهائلُ منْ صورِ قياداتِ حزبِ الله والمِحورِ الإيراني التي تُحدِّدُ الحيِّزَ الجيوسياسيَّ لحزب الله وفقَ المعادلة التَّالية؛ مجالُ حزبِ الله الحيويِّ يبدأُ عندَ أوَّلِ صورةٍ وينتهي عندَ آخر صورة.
ثَمَّةَ بُعدَيْن جديرَيْن بالدِّراسةِ في هذه الصُّورِ؛ الأوَّلُ هو دلالاتُ هذه الصُّورِ وما يُرفقُ بها من عباراتِ المدحِ والتَّقديس (حُسين العصر، لو خُضتَ البحر لخُضناه معك...)؛ والثَّاني هو تأثيرُ هذه الصُّورِ على البناء النَّفسي للطِّفل. وفي هذا السِّياقِ يقول الدّكتور فرج أنَّ الصُّورَ المُنتشرةَ في البيوتِ والشَّوارعِ على حدٍّ سَواء تُعزِّزُ صورة الشَّخصيَّةِ النَّمطيَّةِ الأساسيَّةِ لتنمو أكثر في لاوعي الطِّفل ومخيِّلتِه عبر توفير المُناخاتِ المناسبة التي تخدم هذه الصُّورةِ النَّمطية. ومن جهةٍ أُخرى فإنَّ الوصولَ إلى الطِّفلِ لا يكونُ إلَّا بعدَ الوصولِ إلى الأهل، وبالتَّالي إنَّ وجودَ الصُّور في البيوت كما في الشَّوارعِ ستُشعِرُ الطِّفلَ بالأمانِ وبرضى والدَيْه عن الصُّورةِ النَّمطيَّةِ وعن تماهيه معها.
إذًا، قامَ «حزبُ الله» بصناعةِ الأجيالِ الجديدةِ منَ الأنصارِ عبرَ عمليَّةٍ ثُلاثيَّةٍ (الأسرة، المدرسة، المجتمع) تتكاملُ فضاءاتُها لتُنتِجَ الأنصارَ على الصُّورةِ التي يُريدُها، أو ليُقايضَهم مُقايضةً مَفادُها؛ كيانُهم الاجتماعي وبقاؤهم ضمنَ «الجماعة» مُقابلَ أن يَظهروا على الصُّورةِ التي يُريدُها. وفي ظِلِّ هذه الحالةِ القائمة يبقى السُّؤالُ قائمًا عن «خواتِيم» مسارِ تربية حزب الله للأطفالِ، بعدَ ضُمورِ المَشروعِ الإيرانيِّ في المِنطقة أو سقوطِه.


