منذ انتهاء حرب تموز ٢٠٠٦، واللبنانيون يدورون في حلقةٍ مُغلقة عنوانها «سلاح حزب الله».
بين مَن يرى أن النقاش فقَد جدْواه في ظلّ واقع القوة، ومَن يُصرّ على أن لا قيامة للدولة بوجود سلاح خارجها، يتأرجح لبنان بين الوهم والعجز.
لكن الحقيقة أن المعركة لم تنتهِ: لا الحديث عن نزع السلاح ترفٌ سياسي، ولا الاكتفاء به كافٍ لإنهاء سطوة الحزب على الدولة والمجتمع.
المطلوب مقاربة مزدوجة - الاستمرار في المطالبة بنزع السلاح كحقّ سيادي، والعمل في الوقت نفسه على تفكيك منظومة النفوذ التي تحميه وتعيد إنتاجه.

حين تأسّس «حزب الله» في ثمانينات القرن الماضي، كان مشروعه واضحًا: جعْل لبنان جزءًا من الدولة الإسلامية العامة التي يقودها «الوليّ الفقيه»، ومواجهة الأنظمة «الكافرة» وفي طليعتها الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي.
ومن هنا انطلقت مقاومته للاحتلال الإسرائيلي باعتبار الجهاد واجبًا دينيًاّ وسياسيًّا.
لكن مع انسحاب إسرائيل من جنوبي لبنان في العام ٢٠٠٠، بقي السلاح ووجَد لنفسه وظيفة جديدة: حماية «محور» يمتدّ من طهران إلى بيروت.
تحوّل السلاح من أداة مواجهة إلى ركيزة سلطة، ومن خيار استراتيجي إلى قدَر سياسي.
ومنذ ذلك الحين، صار الحزب جزءًا من تركيبة الحكم: يشارك في الحكومات، يتحكّم بمفاصل القرار، ويمنح الشرعية أو يمنعها.
لقد نصّب الحزب نفسه مُرشدًا للدولة يتحكّم بمختلف أدواتها وأجهزتها، تحت صيغة التعطيل فالفرض وصولًا إلى الهيمنة.
بذلك، نجح الحزب في ما فشلت به الميليشيات السابقة: دمج السلاح في الدولة بدل مواجهتها به.
رغم كلّ الوقائع الميدانية والسياسية، يبقى موضوع طرح نزع السلاح ضرورة وطنية لا يجوز إسقاطها. لأن التخلّي عن هذا المطلب يعني عمليًّا التسليم بانتهاء فكرة الدولة اللبنانية.
فالسلاح خارج الدولة هو إعلان دائم بأن لبنان كيان ناقص السيادة، وأن قراره موزّع بين بيروت وطهران والضاحية.
المطالبة بحصر القوة بيد الجيش ليست وهمًا، بل واجبًا دستوريًّا وأخلاقيًّا.
السكوت عنه خيانة لفكرة الوطن، لا دبلوماسية ولا واقعية.
لكن الخطأ أن يُختزل هذا النقاش في الشعارات.
نزع السلاح ليس قرارًا لحظيًّا، بل عملية متدرّجة تحتاج إلى مراحل واقعية:
• تقوية الجيش وتمويله بشفافية؛
• ضبط الحدود والجنوب ضمن خطة وطنية خالصة؛
• فتح حوار داخلي جدّي حول دور الحزب وموقعه المستقبلي في الدولة.
عندها فقط يمكن تحويل شعار «نزع السلاح» من نداء عاطفي إلى مشروع سيادي قابل للتحقُّق.
لكن، هل يكفي أن ننزع السلاح؟
الجواب: لا.
فما بناه الحزب خلال أربعة عقود لا يُختزل في ترسانة عسكرية.
إنه نظام نفوذ متكامل: اقتصادي، أمني، إداري، تربوي وثقافي.
وهذه هي المعركة الأصعب - إنهاء السطوة.
السطوة لا تعني فقط فرض الإرادة بالسلاح، بل بالقدرة على تعطيل الدولة والتحكّم بمصيرها.
ولذلك، يجب أن يتوازى أي مسار لنزع السلاح مع مسارٍ موازٍ لتفكيك ركائز الهيمنة، عبر:
١ - ضبط الاقتصاد الموازي: وقف التهريب عبر المرافئ والمعابر وإعادة الموارد إلى الخزينة.
٢ - تحرير المؤسسات: استعادة القضاء والإدارة من المحاصصة والولاء، وفرض مبدأ الكفاءة والمحاسبة.
٣ - بناء دولة الخدمات: لأن الفراغ الذي يتركه غياب الدولة تملؤه مؤسسات الحزب الاجتماعية والطبية والتعليمية.
٤ - كسر الاحتكار الطائفي: عبر بروز قوى شيعية وطنية مستقلة، تعيد تمثيل بيئتها خارج وصاية الحزب.
بهذه الخطوات يتحوّل شعار «نزع السلاح» إلى خطة وطنية لإنهاء السطوة، لا إلى معركة رمزية بلا نتائج.
حين يُسأل لماذا لا يسلّم الحزب سلاحه، يكون الجواب دائمًا: «لمن»؟
فالدولة اللبنانية، للأسف، ليست كيانًا قادرًا على تسلّم السلاح أو إدارة الأمن.
دولة عاجزة عن دفع رواتب جنودها، وعن ضبط قضائها وحدودها، لا تستطيع أن تطالب غيرها بتسليم قوته.
وهنا أساس المأساة: غياب البديل الشرعي والفاعل.
المعركة ليست ضدّ «حزب الله» وحده، بل ضدّ انهيار الدولة نفسها.
فمن دون إعادة بناء المؤسسات، تبقى الدعوة إلى نزع السلاح معلّقة في الهواء.
حين يصبح الجيش قويًّا، والقضاء مستقلًّا، والمواطن محميًّا بعدالةٍ وخدمةٍ ومواطنة، سيتحوّل السلاح عندئذٍ من «مقدّس» إلى عبءٍ على حامليه أنفسهم.
يعرف الحزب أن سلاحه محرَّم دوليًّا لكنه محمي عمليًّا.
فالمجتمع الدولي لا يريد انهيار لبنان ولا حربًا أهلية، وإسرائيل لا تريد فراغًا جنوبيًّا، وإيران تعتبر الحزب ذراعها الإقليمية.
بهذا المعنى، يعيش الحزب داخل توازنٍ ممنوعٍ من الانفجار وممنوعٍ من الحلّ.
لكن هذا التوازن هشّ.
فكلّ تحوّل في الإقليم - من اتفاقات التطبيع إلى الحرب في غزة أو المفاوضات الإيرانية الغربية - ينعكس مباشرة على موقع الحزب.
ولبنان، إن أراد أن ينجو، عليه أن يخرج من لعبة المحاور ويقدّم نفسه كدولة حيادية حقيقية، لا كساحة صراع بالوكالة.
قد يبدو السلاح ماديًّا، لكن جذره فكري وثقافي. فالمعركة الحقيقية تبدأ من الوعي، من كسر فكرة «المقدّس السياسي»، ومن رفض ثقافة الخوف والطاعة.
جيلٌ جديد في لبنان بدأ يرفض منطق «الزعيم المُنقذ» و«المقاومة الأبدية»، ويبحث عن وطن طبيعي يعيش فيه.
هذا الوعي، إن تطوّر، سيكون أقوى من أي سلاح. لأن الرصاصة تقتل جسدًا، أما الكلمة الحرة فتقتل فكرة الاستبداد.
ليس هناك تناقض بين الدعوة إلى نزع السلاح وبين السعي إلى إنهاء السطوة.
الأول هو الغاية، والثاني هو الوسيلة.
من الخطأ أن نحصر النقاش في شعارٍ واحد.
مَن يريد فعلًا نزع السلاح، عليه أن يعمل على تفكيك المنظومة التي تحميه - في الاقتصاد والإدارة والثقافة والشارع.
ومَن يريد إنهاء السطوة، لا يستطيع تجاهل أن مصدرها الأساسي هو السلاح نفسه.
إنها معركة واحدة تُخاض على جبهتين، وبإرادةٍ وطنيةٍ لا تخاف ولا تُساوم.
لن يُنزع سلاح «حزب الله» بقرارٍ خارجي، ولن تنتهي سطوته بانفجارٍ داخلي.
لكن يمكن كسر هذه الحلقة إذا توافرت إرادة وطنية حقيقية ومشروع واضح لدولةٍ واحدة لا شريك لها في السيادة.
المطلوب اليوم ليس مغامرة، بل رؤية: أن نعرف إلى أين نريد أن نصل، وكيف نحمي البلد من الانهيار من دون أن نُغرقه في حربٍ جديدة.
فلنستمرّ في الحديث عن نزع السلاح، لأنه حقّ الدولة وميزان كرامتها؛ ولنبدأ في الوقت نفسه بالعمل الجدي على إنهاء السطوة، لأنه شرط الدولة وبداية عودتها.
عندها فقط، يمكن أن يولد لبنان الجديد:
لبنان لا يُدار بالسلاح، ولا يُحكم بالخوف، ولا يُختزل بطائفةٍ أو محور.
لبنان الدولة، لا الدويلة.
لبنان المواطن، لا «المقاوِم» الدائم.





