استخدمتْ العديد من الكتابات النسوية مفهوم «العدالة المكانية»، لتسليط الضوء على الجندر بوصفه بناءً اجتماعيًّا، يبرز من خلال تجربة الأفراد للحيِّز العام وتفاعلهم معهُ. ووفقًا للمُنظِّرة النسوية جوديث بتلر فإنَّ الجندر لا يُعدُّ سمة بيولوجية أو طبيعية، بل هو عملية أدائية (performativity)، تتشكلّ من خلال الأدوار الاجتماعية والأعراف والتصرّفات المرتبطة تقليديًّا بجنسٍ ما. وينعكس الجندر على سلوك الأفراد داخل الحيزّ العام، كما تؤثّر طريقة تصميم هذا الفضاء على أنماط سلوكهم. وفي كثير من الأحيان، تتكشف أنماط الإعمار واختراع الفضاء العام عن نمط إقصائيّ للنساء والفئات المُهمّشة، مما يجعل الحيِّز العام نفسه أداة لإعادة إنتاج التمييز الاجتماعيّ.
مرّ لبنان بالعديد من الحروب، من بينها حرب تموز ٢٠٠٦، والتي ادّعى خلالها «حزب الله» تحقيق انتصار لبيئته الشيعية على العدّو الإسرائيلي، إضافة إلى حرب ٢٣ أيلول ٢٠٢٤، التي أسفرت عن هزيمة كبيرة لأبناء هذه الطائفة ودمار للبُنى التحتية في مختلف مناطقهم.
وقد لعبت الحروب المتكرِّرة في لبنان دورًا مهمًّا في إعادة تشكيل الفضاءات، خاصة في المناطق التي تعرّضت للدمار الأكبر كالضاحية الجنوبية، الجنوب، والبقاع اللبناني. من هنا تتيح مقاربة العدالة المكانية من منظور نَسَوي طرح تساؤلات حول كيفية إعادة تشييد الأماكن المتضررة من العدوان الإسرائيلي وأثرْ هذه العمليات على النساء والفئات المُهمّشة داخل الطائفة الشيعية. ويُعدُّ مثال حرب تموز ٢٠٠٦ مدخلًا مهمًّا لفهم امتدادات إعادة تشكيل المكان وانعكاساته على النساء والفئات الأكثر تهميشًا.

استمرّت حرب إسرائيل على لبنان ٣٣ يومًا في صيف عام ٢٠٠٦، حيثُ أغارت القوات الجوية الإسرائيلية على مختلف المناطق ذات الغالبية الشيعية، وعلى رأسها الضاحية الجنوبية لبيروت. وقد استُهدفت الأحياء السكنية والتجارية فيها التي اعتبرتها القوات الإسرائيلية جزءًا من البنية التحتية التابعة لحزب الله. تعرّضت هذه الأحياء لقصف عنيف، وكانت حارة حريك من المناطق الأكثرُ تضرُّرًا. حيث أشارت تقديرات إلى أنَّ أكثر من ٢٥٠ مبنىً سكنيًّا قد دُمِّر خلال الحرب.
وعقب وقف إطلاق النار، ظهر الأمين العام السابق لـ«حزب الله»، حسن نصرالله، على شاشات التلفزة مُعلنًا أن الحزب سيتولّى مسؤولية إعمار الضاحية الجنوبية تحت شعار: «سنجعلها أجمل مما كانت». وتُعتبر الضاحية الجنوبية بمثابة العاصمة غير الرسمية لحزب الله، إذ تحتضن كوادره وشبكاته الميليشياوية، فضلًا عن مؤسّساته الاقتصادية والخدَماتية، مما يجعلها تجسيدًا واضحًا للأيديولوجية العمرانية لحزب الله.
ولأجل إعادة الإعمار، عُيِّنت لجنة تنفيذ متخصصة تابعة لحزب الله، «جهاد البناء»، لتولّي الإشراف على مشروع «وعد»، الذي قامت من خلاله شركة وعد بإعادة بناء الضاحية الجنوبية دون الحصول على التراخيص الرسمية من الحكومة اللبنانية التي فشلت بدورها في إصدار قوانين سريعة لتنظيم إعادة الإعمار بعد الحرب.
تعاونت مختلف مؤسّسات حزب الله لإعادة إعمار الضاحية الجنوبية بأقصى سرعة ممكنة. على سبيل المثال تولّى «المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق» مهمة البحث عن القوانين المتاحة والأدوات المرتبطة بالتخطيط العمراني، فيما أدارت الجمعية اللبنانية وهي وكالة إعلانية تابعة لحزب الله، الحملة الإعلانية التي روّجت لـ «الوعد الصادق» و«النصر الإلهي» الذي أعلن الحزب تحقيقه مع وقف إطلاق النار. ومع غياب بعض البلديات وتهميشها، تدخّلت بلديات أخرى خاضعة لسيطرة حزب الله، للتعاون في إزالة الركام والدمار من الشوارع والأحياء، بدعم لوجستي من شركات تابعة للقطاعات الخاصة.
وبعيدًا من أي مقاربة ديمقراطيةً في عملية إعادة البناء، التي يُفترض أن تقوم بدافع تحقيق العدالة المكانية، احتكر حزب الله السيطرة الكاملة على مشروع الإعمار، رافضًا مشاركة أي جهات خارج نطاق مؤسساته التابعة لهُ. وقد عزل بلدية حارة حريك عن المشاركة في عملية صناعة القرار، في تأكيد إضافيّ على الخصوصية الرمزية لمدينة الضاحية الجنوبية باعتبارها «عاصمة المقاومة والشهداء».
ومع غياب دور الدولة اللبنانية عن مشهد إعادة الإعمار، تولّى حزب الله مهمة إعادة إنتاج المكان بطريقته الخاصة. فكانت العمارات الجديدة تُشبه إلى حدّ كبير العمارات القديمة، تنفيذًا لتوجيهات الأمين العام لحزب الله السابق حسن نصرالله الذي دعا إلى إعادة إعمارها كما كانت، بهدف حماية أبناء الطائفة الشيعية من الشعور بالاستلاب عن أماكنهم، بلونها الرمادي والرملي، وأسمائها المُستمدَّة من أسماء الشهداء والمجاهدين الذين سقطوا أثناء المعركة، إضافة إلى التماثيل والجداريات التي تخلّد الانتصارات والتي تكثُر في أحياء الضاحية الجنوبية على واجهات الأبنية والجدران على طول الطرقات.
كانت عملية إعادة الإعمار تؤسّس لفضاء عام شديد الانضباط، يُعيد إنتاج مشروع السيطرة السياسية والعسكرية على السكان من خلال الفضاء المعماري نفسه. وبدل أن تكون هذه العملية فرصة لإشراك المجتمع المحلي بالتعاون مع الدولة اللبنانية في عملية الإعمار بما يحقق قدَرًا من العدالة المكانية، تحوَّلت إلى وسيلة لترسيخ الهيمنة الحزبية وتعزيز هذا الانتماء إلى أيديولوجية حزب الله العسكرية.
غابت المساحات العامّة، المتنزّهات، والمرافق التي يمكن للنساء، فضلًا عن الفئات المُهمّشة، ممارسة نشاطاتهنّ بعيدًا عن الحيّز الخاص. وأصبحَ الفضاء العام ملكًا لسردية أحادية تُحاكي أسطورة البطل المجاهد الذي قضى في المعارك الضارية التي صارت بين أبناء الطائفة الداعمة للمقاومة الإسلامية وبين الجيش الإسرائيلي. ومع انتشار هذه السردية وتسرُّبها في الأحياء والزواريب الضيقة، اختزل دور النساء ليتمحور حول كونهنَّ «أمهات الشهداء والمجاهدين».
وبذلك، اقتصر دور النساء في الحرب على الأدوار الرعائية المناطة بهنَّ، مثل العناية بأطفالهنَّ الذين سيكبرون ليصبحوا شهداء، وفدائيين، وتحمُّل غياب الزوج المجاهد، وهي الفكرة التي روَّج لها نصرالله في خطاباته، خاصة أوقات الحرب، حيثُ اعتبر النساء مقاومات يتمّ تشجعيهنَّ على أداء واجباتهنَّ كزوجات، أرامل وولّادت لجيل عالي الولاء لهذه الأيديولوجية. وعلى الرغم من تحملهنَّ لجميع هذه الأعباء الرعائية، ظهرت النساء في هذه السردية بوصفهنَّ ضحايا للعنف فقط، وغُيبت أصواتهنَّ كفاعلات حضريات (urban actors)، خصوصًا اللواتي فقدنَ بيوتهنَّ.
برزت مظاهر العسْكرة الرمزية في الحيزّ العام للمناطق الشيعية بعد الحرب، حيثُ انتقلت بشكلٍ واضح قيَم الحرب إلى الفضاءات المدنية وتسرّبت إلى الحياة اليومية. هنا لا نشير إلى الاقتتال المباشر أو المظاهر المرتبطة بالجنود والأسلحة الثقيلة في الشارع، بل عن رسوخ رموزٍ ومعانٍ مستمدّة من المعركة، وترتبط بنموذج محدَّد من «الرجولة»، كالقائد والشهيد والمجاهد. وفي المقابل، يُعاد تكريس النموذج التقليدي للنساء بوصفهنَّ الأمهات، الزوجات الراعيات، المربِّيات للرجال المجاهدين، بدلًا من تولّيهن لأدوار سياسية في المجال العام. وحتّى حين يُسمح لهنَّ بالمشاركة في عملية صنع القرار، تكون مشاركتهنَّ مشروطة ومؤطَّرة بالأيديولوجية السائدة. ويظهر ذلك بوضوح في خطاب الأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصرالله، الذي يمجِّد أمّهات الأمة الإسلامية، أمّهات الشهداء، اللواتي أنجبنَ وقدَّمنَ تضحيات في سبيل المقاومة. وفي شكل مراسم تشييع الشهداء وهُنَّ يُشجَّعنَ على الصبر وإخفاء الفاجعة وإبراز الفخر بدلًا من الحداد والحزن والتفجُّع على أبنائهنَّ وأزواجهنًّ. ويُعيد هذا الطقس الذي يُمارَس علنًا في الحيِّز العام، إلى إعادة تعريف الأمومة وربطها بما هو مقدسّ وخاضع للأمة.
تُقصي العسكرة الرمزية النساء والفئات المُهمّشة عن الفضاء العام، وتجعل حضورهم مقبولًا فقط إذا انسجم مع اللون السائد، بدلًا من أن يكنَّ فاعلات متساويات. نتيجة لذلك، شعرت الكثير من الفئات المُهمّشة والنساء من أبناء الطائفة الشيعية، خصوصًا منهم مَن لا ينتمون إلى حزب الله، بأنَّ الحيِّز العام المُعاد تشكيله بعد الحرب، ليس محايِدًا أو متاحًا لهم. وترافقَ هذا التحوّل مع تشديد الرقابة على الأجساد، لا سيما أجساد النساء، من خلال مراقبة سلوكياتهنَّ ومظهرهنَّ ولباسهنَّ وأوقات تواجدهنَّ في الفضاء العام.
يوضح هنري لوفيفر، الفيلسوف والمخطّط الحضَري في كتابه «إنتاج الفضاء» La production de l'Espace، أنَّ الفضاء العام ليس مُعطًى طبيعيًّا أو ثابتًا، بل إنه منتَج اجتماعي يتشكّل بفعل الأيديولوجيات والتصوّرات والخيالات المجتمعية. ويُقسّم لوفيفر الفضاء إلى فضاء مُدرَك (Perceived space)، الذي يمثّل سلوكيات الأفراد في الحياة اليومية، والطريقة التي يتحركون بها داخل الحيِّز العام، في الطرقات والساحات ووسائل النقل؛ وينطبق ذلك على النساء في البيئة الشيعية اللواتي يفتقدنَ إلى العدالة المكانية في مدُنهن وقُراهن؛ أمّا الفضاء المُتصوّر (Conceived Space)، فهو الفضاء الذي يتمّ التخطيط لهُ والتفكير بطريقة بنائه، من قِبل الجهات الفاعلة. وإذا أخذنا نموذج الإعمار في البيئة الشيعية بعد حرب ٢٠٠٦، نلاحظ أنَّ العمران مليء بأيديولوجية تخدم الأهداف السياسية لحزب الله، الذي كان يؤسّس لمشروع بديل عن مشروع الدولة اللبنانية. وأخيرًا، يُشير لوفيفر إلى الفضاء المُعاش (Lived Space) الذي يشمل الرموز والمعاني وغالبًا يكون شديد التأثير لكنه ليس ماديًّا. ويشكّل العلاقة العاطفية بين الأفراد والمكان. وقد بدا ذلك جليًّا بعد حرب ٢٠٠٦، حيثُ انتشرت صوَر القادة وشعارات الانتصار إلى العمارة نفسها، ما أعادَ تشكيل علاقة الأفراد في البيئة الشيعية بمكانهم وتعزَّزت عند البعض مشاعر الانتماء الكبير بينما شعر آخرون بالاغتراب عنه والإقصاء والتصنيف.

تواجه النساء تحديات كبيرة في الفضاءات العامّة، مثل الحدائق والساحات والشوارع نتيجة لخيارات التصميم السائدة في الجنوب اللبناني، والتي تحدّ من إمكانية استخدامهنًّ للحيِّز العام. غالبًا ما تشعر النساء بعدم الراحة أو بالتهديد أثناء تواجدهنَ في الأماكن المفتوحة، سواء بسبب انتشار العنف القائم على النوع الاجتماعي، أو ظاهرة التحرُّش، أو بسبب المُعسكرات التي بناها حزب الله في أراضي المشاع. وتعكس هذه الظواهر تحيُّزات اجتماعية راسخة في المجتمع الشيعي، مما يؤثّر على الطريقة التي تتفاعل بها النساء والفئات المُهمّشة في الحيِّز العام وعلى كيفية إدراكهم لهُ.
تُعدُّ المساحات العامة عنصرًا أساسيًّا في البيئة الحضَرية، إذ يمكن من خلالها إعادة صياغة ديناميكيات القوة وأوجه عدم المساواة القائمة بين الأفراد، تلك المُتعلّقة بالنوع الاجتماعي، والعِرق والجنسية. ويتجلّى عدم المساواة بوضوح في مختلف جوانب الحياة اليومية للبيئة الشيعية، لا سيما في الأماكن العامة، حيث تواجه النساء والفئات المُهمشة إقصاءً وتمييزًا كبيرين لا سيما عندما تختلف مظاهرهم أو سلوكياتهم عن النمط الاجتماعي السائد الذي عزّزه حزب الله.
بعد حرب تموز ٢٠٠٦، بنى حزب الله عددًا من المساحات العامة، بعضها بدعم مباشر من إيران وأخرى عبر مؤسّسات كـ«جهاد البناء»، من بينها حديقة مارون الراس بمساحتها الواسعة وإطلالتها المشهورة على الأراضي الفلسطينية، والتي تعرَّضت مؤخرًا للقصف والتخريب خلال الحرب. كما أُنشئت حدائق ومساحات عامة أخرى في مختلف البلدات الجنوبية.
رغم وجود هذه المساحات التي تبقى محدودة العدد، إلّا أنَّ الكثير من النساء لا يستخدمنها بحرية، وإن ظهرنَ فيها فغالبًا تكون ضمن إطار الانتماء السياسي والموالي لحزب الله. يعود هذا العزوف إلى طبيعة تصميم هذه المساحات، إذْ إنَّ العديد من الحدائق التي صمّمها حزب الله أو البلديات الموالية لهُ تبدو كأنها أماكن مخصصة للمهرجانات والتجمعات السياسية أكثر من كونها أماكن يمكن استعمالها في الحياة الاجتماعية واليومية.
وتفاقم تعقيدات البيئة الاجتماعية في مناطق مثل النبطية ومارون الراس وغيرهما هذا الواقع، حيث تظهر النساء في الوضع الذي يعرِّضهن للرقابة الاجتماعية ويزيد من مخاوفهنَّ، التعليقات السلبية التي قد ترافق خروجهنّ إلى الحيِّز العام. ويمكن القول إنَّ هذه المناطق التقليدية اجتماعيًّا أصبحت أكثر محافَظة تحت تأثير الأيديولوجية الدينية لحزب الله. كما يمكن الإشارة إلى أنَّ بعض الأماكن مثل حديقة مارون الراس تحمل رمزية سياسية واضحة تابعة لحزب الله، ما يجعل العديد من النساء والفئات المهمّشة يشعرون بأنها مساحة مرتبطة بأيديولوجية حزب الله وسياسته، وليست متاحة بحرية للجميع.
في ٢٣ أيلول، استهدفت إسرائيل مناطق واسعة، أدّت إلى تدمير شبه كامل للبُنى التحتية في البيئة الشيعية، سواء في الجنوب اللبناني أو في البقاع أو في الضاحية الجنوبية لبيروت. ومع ذلك، لا تزال ملامح سياسة إعادة الإعمار غير واضحة، ذلك أنَّ الأوضاع التي نتجت عن الحرب الأخيرة تختلف جذريًّا عن الأوضاع التي أعقبت حرب تموز ٢٠٠٦. فقد ألحق العدوان خسائر فادحة بحزب الله، تلاها حصارًا اقتصاديًّا وإفلاسًا واسعًا. مما يُثير تساؤلات مُلحّة عن مرحلة ما بعد الحرب، خصوصًا في ما يتعلق بإعادة بناء الحيِّز العام، وإمكانية تكرار إقصاء النساء والفئات المُهمّشة عن المشاركة في عملية صنع القرار. وتجدر الإشارة هنا إلى أنني ركزتُ في هذه المقالة على إعادة صنع المكان في المناطق الشيعية نظرًا لتعرُّضها المتكرِّر للحروب، وما يتبعها من إعادة الإعمار مستمرة، لكن ذلك لا يعني أنَّ النساء والفئات المهمّشة في المناطق اللبنانية الأخرى لا يعانين أيضًا من انعدام العدالة المكانية والعمران المُنتج بمعايير ذكورية.




